وثيقة الإتحاد الأوروبي خطوة إلى الأمام ولكن../ راسم عبيدات *

يجري الحديث عن وثيقة أوروبية غربية، تم انجازها في الثالث والعشرين من الشهر الماضي، وعرضت على مؤسسات الإتحاد الأوروبي في بروكسل بشكل سري. وقد أعد هذا التقرير أو الوثيقة قناصل الإتحاد الأوروبي في القدس ورام الله. وترصد الوثيقة الانتهاكات الإسرائيلية الخطيرة بحق المقدسيين، من تكثيف الاستيطان وتصعيده والاستيلاء على منازل المقدسيين، وعزل القدس بالكامل عن محيطها الفلسطيني، وعدم منح المقدسيين التراخيص للبناء والتفرقة والعنصرية في الخدمات، واستمرار الحفريات تحت وحول المسجد الأقصى. وكما يدعو التقرير إلى جعل القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، وكذلك إعادة فتح مؤسسات منظمة التحرير في القدس الشرقية، والتعامل معها كممثليات سياسية لحالة تحت الاحتلال، ورفض عقد لقاءات رسمية أو شبه رسمية مع القيادة السياسية الإسرائيلية في القدس الشرقية، واعتبار كل الإجراءات والممارسات الإسرائيلية في القدس الشرقية باطلة، ولا تستند إلى الشرعية والقانون الدوليين.

وإذا ما تمسكت دول الإتحاد الأوروبي بمثل هذا المشروع السويدي المقترح المقدم إلى الاجتماع القادم للاتحاد الأوروبي، فإنه يشكل تطورا مهما في الموقف الأوروبي من قضية الصراع العربي- الإسرائيلي، لأنَ مثلَ هكذا مشروع قرار أوروبي، أن يعيدُ الاعتبار إلى الشرعية الدولية، وقرارات مجلس الأمن، وخاصة القرارات 252، لعام 1968 و 476 و478 لعام 1980، التي تعتبر جميع الإجراءات الإسرائيلية الإدارية والتشريعية، وجميع الأعمال التي تقوم بها إسرائيل في القدس الشرقية لتغيير وضعها القانوني والسياسي، إجراءات باطلة ولاغية، كما أن مشروع القرار هذا لأول مرة يلوح باتخاذ إجراءات عقابية بحق المستوطنين المتطرفين ومؤسساتهم وجمعياتهم، والتي تعمل على تصعيد وتأجيج الصراع في القدس.

ولكن، ونحن نرى مثل المتغيرات في الموقف الأوروبي من قضية القدس تحديداً، علينا أن لا ننخدع بهذا الموقف النظري للإتحاد الأوروبي، والذي قد يكون شبيها بوعد أو خطة أوباما لإقامة الدولة الفلسطينية خلال أربع سنوات، ولكي نكتشف بعد أن هلل وطبل وزمر الكثير من العرب الرسميين لتلك الخطة، بأنها مجرد لغة جديدة لتسويق بضاعة قديمة، وليتراجع لاحقاً عن تلك الخطة والوعود لجهة التطابق والتماثل مع المواقف الإسرائيلية من المفاوضات والتسوية.

وما يجعلنا متشككين وحذرين من أن يخطو الإتحاد الأوروبي خطوة جدية، لجهة إلزام إسرائيل بقرارات الشرعية فيما يخص احتلالها للأراضي الفلسطينية وفي المقدمة منها القدس، جملة المواقف الداعمة والمنحازة التي اتخذها هذا الإتحاد لصالح إسرائيل في الهيئات والمؤسسات الدولية وغيرها، فالإتحاد الأوروبي لم يدن أو يستنكر الحرب العدوانية الإسرائيلية على قطاع غزة في كانون أول/2008، واعتبرها حرباً دفاعية، كما رفض إدانة إسرائيل في مجلس حقوق الإنسان على خلفية هذه الحرب العدوانية، والأخطر من ذلك أن الاتحاد الأوروبي أعاق وعطل التصويت لصالح تقرير الأمم المتحدة أو ما يعرف بتقرير "غولدستون" بشأن التحقيق في الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، والذي أدان لأول مرة إسرائيل منذ النكبة الفلسطينية بارتكاب جرائم حرب وقتل متعمد للمدنيين الفلسطينيين، بل عملت دول الاتحاد الأوروبي، وفي المقدمة منها بريطانيا وفرنسا، على التحريض لمنع التصويت على القرار ودعمه، ناهيك عن أن الاتحاد الأوروبي عندما نشر الصحفي السويدي"بوستروم" في 27/8/2009 تقريراً في جريدة سويدية، عن سرقة إسرائيل لأعضاء الشهداء الفلسطينيين والمتاجرة بها، رفض الإتحاد مثل هذا التقرير ونعته باللاسامية والتحريض وتشجيع ما يسمى بالإرهاب ضد إسرائيل، وطالبوا الحكومة السويدية بالتنصل من هذا التقرير.

وكذلك في ظل انسداد أفق التسوية، ورفض إسرائيل الامتثال لقرارات الشرعية الدولية، وفشل المفاوضات الماراثونية في الحصول على أي "تنازلات" إسرائيلية تلبي الحد الأدنى من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، لم يدعم الإتحاد رغبة ونية السلطة الفلسطينية التوجه إلى مجلس الأمن الدولي، من أجل الحصول على قرار دولي يعترف بالدولة الفلسطينية في حدود الرابع من حزيران، ناهيك عن أن دول الإتحاد الأوروبي، كانت من أوائل الدول التي استجابت للضغط الإسرائيلي- الأمريكي برفض نتائج الديمقراطية الفلسطينية كانون ثاني/2006، والتي أفرزت أغلبية لحماس في المجلس التشريعي، والمشاركة في الحصار الظالم عليه على هذه الخلفية.

إذاً علينا كفلسطينيين أن لا ننخدع أو ننبهر من مشروع قرار الإتحاد الأوروبي، والذي يجري تداوله سراً، ولم يتحول إلى قرار، فالعبر دائماً ليس في اللغة أو الأقوال، بل في التطبيق والتنفيذ، وربما هناك جملة من التطورات حدت بالإتحاد الأوروبي إلى التفكير في مثل هكذا مشروع قرار في المقدمة منها شعور الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن خيار ونهج المفاوضات قد أثبت فشله وعدم جدواه، وهو كأحد المؤمنين والمنظرين لهذا النهج والخيار. في خطابه الذي أعلن فيه عدم رغبته في الترشح لفترة رئاسية ثانية أبّن التسوية والمفاوضات، وكذلك عدم حدوث أي اختراق جدي في المحادثات التي قادها المبعوث الأمريكي للجنة الرباعية، وعدم قدرته على إلزام إسرائيل، بما نصت عليه خطة أوباما من وقف تام للأنشطة الاستيطانية في القدس والضفة الغربية، مقابل التطبيع مع العالم العربي.

وفي المقابل جاءت صفقة تبادل الأسرى مع حماس، والتي سيترك تنفيذها المرتقب آثاراً كبيرة على الخارطة السياسية الفلسطينية لصالح حماس.

وكذلك رفض الحكومة الإسرائيلية الاستجابة إلى مطلب الرئيس الأمريكي بالإعلان عن تجميد الاستيطان في الضفة الغربية وإطلاق سراح ألف أسير فلسطيني من أجل تعزيز سلطة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، قبل تنفيذ صفقة التبادل مع حماس، لكي تزيد من عوامل الإحباط وفقدان الثقة بنهج التفاوض والمفاوضات، وبالتالي فإن الشعور العالي بالإحباط من انسداد أفق العملية السياسية، وما يترتب عليه من تآكل في مكانة وهيبة السلطة الفلسطينية، والذي سيعلي تفككها وتحللها من شأن نهج وخيار المقاومة في الساحة الفلسطينية.

كل هذه العوامل مجتمعة قد تكون هي التي دفعت بالإتحاد الأوروبي لإعداد مثل هذا المشروع أو الوثيقة لتعزيز مكانة السلطة الفلسطينية في القدس، وهي ترى بمثل هذه الخطوة أنها ستشكل عاملا ضاغطا على الحكومة الإسرائيلية من أجل تجميد الاستيطان، وبالمقابل هذه الخطوة تحد وتمنع من اندفاع السلطة الفلسطينية بالتوجه إلى مجلس الأمن الدولي من أجل الاعتراف بالدولة الفلسطينية ضمن حدود الرابع من حزيران.

وفي الختام لا يسعنا إلا القول، بأن المعيار الجدي والاختبار الحقيقي لصدقية المواقف الأوروبية يتأتى فقط من خلال الفعل والممارسة، وليس مجرد أقوال أو مشاريع قرارات لصالح الشعب الفلسطيني، ودعم لا محدود وممارسات عملية تشكل حاضنة ومظلة سياسية وإعلامية لتبرير الإجراءات والممارسات الإسرائيلية القمعية بحق الشعب الفلسطيني، وفي المقدمة منها تكثيف وتصعيد الاستيطان واستمرار الاحتلال والعدوان.