استدعاء "السياسي": قناعة أم شعار؟!../ خالد خليل

من أجل أن تتحول الأفكار إلى حقائق واقعة لا بد من تحويلها إلى أفكار مهيمنة على عقولنا أولاً، ومن ثم على عقول الآخرين. والهيمنة تتأتى فقط عندما تصبح هذه الأفكار جزءًا من الوجدان الشعبي والمشاعر العامة. وبكلمات أخرى عندما تصبح جزءًا من التجربة الخاصة للشخص أو المجموعة المعنية، إلا أنَّ أحد شروط التحقق الرئيسية في عملية تحول الأفكار إلى وقائع هو الاستدعاء الملحّ والمثابر لكافة الطاقات المتوفرة وتوظيفها توظيفًا إيجابيًا في تمثّل الفكرة – الهدف، حتى وإن كانت بادية في مرحلة نشوئها كفكرة خيالية.

ولكي تتحول الفكرة إلى مشروع سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي قابل للتحقق ينبغي أن تصاغ شكلاً ومضمونًا بلغة "إيجابية" واضحة بعيدًا عن السّلب والنفي، حيث تعلمنا تجارب الحياة والتاريخ أن الإيغال في السلبية والشكوى ينتج في معظم الحالات "مفاجآت سلبية"، بعكس المتوخّى. إضافة إلى وضوح الرؤية (الفكرة)، فإنّ شروط التحقق تستلزم إيمانًا مطلقًا بها، وهذا لا يتأتى بالضرورة من خلال موازين قوى متكافئة عتادًا وعددًا، وقد يأخذ الإيمان بالفكرة حيزًا وازنًا في موازين القوى ذاتها وهو أمر لا يندرج ضمن المعايير الكلاسيكية لقياس هذه الموازين.

هذا الكلام مستوحىً من التجربة التي خاضتها المقاومة اللبنانية (حزب الله)، التي حققت انتصارًا. هذا الانتصار يبدو جليًا من خلال الاعتراف الإسرائيلي بالإخفاقات التي تضمنها تقرير فينوغراد، على الرغم من الفجوة الهائلة بالعتاد والمعدات وموازين القوى التي طالما كانت كفتها راجحة إلى صالح إسرائيل.

أما المناسبة فهي الوثيقة السياسية الهامة التي طرحها أمين عام حزب الله حسن نصر الله قبل أيام على الملأ، والتي تضمنت رؤى وأهدافًا واضحةً لا تحتمل الالتباس، حتى وإن كان ذلك على حساب الرؤية العقائدية التقليدية للحزب ذات الطابع الديني.

وبغض النظر عن تفاصيل وبنود الوثيقة فإنه يمكن التوقف عند بعض السمات الرئيسية التي ميزت إدارة الصراع مع إسرائيل، وبشكل خاص قضية الوضوح في الرؤية والأهداف وقضية المرتكزات الإيمانية المرتبطة بهذه الرؤية وقضية القناعات الراسخة بتحقق هذه الأهداف. نعتقد أنّ هذه العناصر -السمات- طغت إلى حد كبير على إدارة الصراع ووسمت سلوك وخطاب حزب الله إلى درجة أنها كانت سببًا رئيسيًا في تحقيق النصر وتعميم ثقافة النصر لبنانيًا وعربيًا وإسلاميًا.

فيما يتعلق بوضوح الرؤية – لم يقل حزب الله انه سيدافع عن لبنان فقط، بل قال أيضًا "سنضرب العمق الإسرائيلي ونربك جبهته الداخلية، وفي المواجهة على الأرض سندمر آلياته وجنوده"وهذا الحديث أيضًا مستوحى من تجربة العدوان الأخير على لبنان.

في العنصر الإيماني – أكد الحزب على أنّ الإيمان بالنصر وتحقيق الأهداف يشكل سلاحًا رئيسيًا في معركته مع إسرائيل وقد ترجم الحزب ومقاتلوه هذا الإيمان شجاعة وتخطيطًا وتدبيرًا على أرض الواقع انسجمت مع الأهداف والرؤية.

أما على الجانب الآخر من القضية الإيمانية فقد عمل الحزب على ترسيخ القناعات بتحقق الرؤية والأهداف على نحو مكثف داخل صفوفه وبين الشعوب المتلقية لخطابه، ففي حين يسود على مستوى الخطاب الرسمي وغير الرسمي العربي إجمالاً خطاب الإحباط والسلبية واهتزاز القناعات بتحقيق أي تقدم على صعيد المواجهة مع إسرائيل أو على صعيد تحقيق أي من الرؤى والأهداف النهضوية، فإن حزب الله لا يترك مجالاً أمام المتلقي لخطابه سوى أن هذه الأهداف متحققة حتمًا، وان الصراع مع إسرائيل محسوم، وأن إسرائيل رغم تفوقها العسكري "أوهى من بيت العنكبوت".

تجربة حرب 2006 تدلل على أن هذا الخطاب وهذا التوجه لم يكن مجرد فذلكات إعلامية وشعارات فارغة من المضمون، والنتيجة الفعلية للحرب تقول إن حزب الله انتصر على إسرائيل، ليس لأنه أنزل بها خسائر بالأرواح والمعدات فقط، وإنما لأنّ مواجهته كانت نوعية وكسرت أهم مسلمة من المسلمات التي كانت سائدة قبل هذه الحرب وهي أنه لا يمكن مواجهة وهزم "الجيش الذي لا يقهر".

لم تنته الحرب ولم ينتهِ الصراع، إنما بدأت مرحلة جديدة ينظر إليها البعض بسوداوية تنسجم مع خطاب الإحباط المتراكم على مر العقود، وينظر إليها البعض الآخر على أنها مرحلة انتصار الوعي المقاوم والتأسيس لبناء أدواته وخلق توازنات جديدة.

باعتقادنا إن هذه المرحلة تتطلب المزيد من اليقظة والحذر وعدم الركون إلى الانجازات التي حققتها المقاومة والتغني بأمجادها، بل ينبغي الوقوف على التجربة بتفاصيلها والإسهام بمدها بالأفكار والرؤى التي تستلزمها حيثيات الواقع الجديد. بالتأكيد لم تصل الوثيقة السياسية لحزب الله إلى درجة الكمال، لكنها بدون شك خطوة هامة على هذا الصعيد يجب نقدها وتطويرها وتصويبها بما يتلاءم مع مهمات المرحلة الراهنة.

ويبدو أن أهم ما في هذه الوثيقة هو تجاوزها للاعتبارات والأفكار والحلول المذهبية والطائفية وإزالة اللبس في قضية الانتماء الوطني والقومي والحضاري.

لقد خطا حزب الله خطى متقدمة إلى الأمام عن كل الحركات الإسلامية في المنطقة والعالم التي ما زالت تتمسك بالحل الإسلامي الكلاسيكي المجزوء، وطرح حلاً عمليًا للمسألة العربية ومسألة السيادة القطرية يعتمد على برنامج أساسي في تحقيق اتحاد عربي بين دول ذات سيادة، كما جاء على لسان حسن نصر الله أثناء إجاباته على أسئلة الصحفيين، وهذه لا بد أن تعتمد على مبدأ المشاركة والديمقراطية والأسس الحديثة في بناء الأمم والدول.

إن طريق الخروج من مأزق التعصب الطائفي والمذهبي أو التعصب القومي والوطني يبدأ بترسيخ القناعة بضرورة طرح برنامج أساسي يتجاوز الانتماءات الفئوية ضمن حد أدنى مقبول على جميع التيارات العلمانية والدينية.

هذا الهدف – الفكرة حتى وان اعتبره البعض "خيالاً" تكمن في داخله طاقة التحقق.

وكما يبدو فان كلمة السر للخروج من التناقضات التي تجذبها المسائل العقائدية لساحة النضال الوطني والقومي هو استبعادها من دائرة العمل السياسي وإبقاؤها في حيزها الطبيعي الخاص بها، الدعوي والديني ومن ضمن ذلك أيضا ولاية الفقيه، وهذا ما فعله حزب الله عمليًا في طرح وثيقته السياسية، لكن تبقى هناك ضرورة ملحة للاجتهاد في إزالة هذا اللبس والتناقض أيضًا داخل صفوف المؤمنين أتباع الحزب والحديث عن الموضوع بوضوح ودون غموض، كي لا تصبح الوثيقة شعارات غير مدعمة بقناعات حقيقية أو يختبئ وراءها أهداف أخرى.