عن "فتح" وأفكارها التأسيسية في الحركة الوطنية الفلسطينية../ ماجد كيالي

سيسجّل التاريخ لحركة فتح، التي انطلقت في مطلع العام 1965(أي قبل 45 عاما)، بأنها كانت السباقة لحفر الأفكار التأسيسية للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.

المفارقة أن "فتح" هذه لم تعرف كحركة أيدلوجية، إذ لم تكن تتبنى هوية أيدلوجية معينة، وكان المنتمون إليها يتحدرون من منابت فكرية وسياسية متعددة ومتباينة (قومية ووطنية، يسارية واسلاموية). فوق ذلك فإن هذه الحركة لم يعرف عنها، ولا عن قادتها، هذا الولع للمساجلات الفكرية والسياسية، على غرار مثيلاتها من الحركات الأخرى.
مع كل ذلك، ويبدو أنها بفضله، تمكنت فتح من رسم ملامح الفكر السياسي الفلسطيني المعاصر، فهي التي كرست مفهوم الوطنية الفلسطينية، وتاليا له مفهوم الكيانية السياسية الفلسطينية.

وكانت الحركة الفلسطينية في ثلاثينبات وأربعينيات القرن الماضي (قبل النكبة)، لم تنجح تماما في تكريس هذين المفهومين، إلى الدرجة المناسبة، لا على صعيد الفكر السياسي الفلسطيني، ولا على صعيد الثقافة السياسية الشعبية، وعلى على صعيد الممارسة؛ وإن اقتربت من كل ذلك بشكل أو بآخر.

وعندما انطلقت حركة فتح كانت المنطقة العربية خاضعة تماما لتيار القومية العربية، بزعامة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، كما كانت تعج بالتيارات الأيدلوجية (اليسارية)، ومع ذلك فقد استطاعت هذه الحركة الوليدة، التي جدفت عكس التيارات السائدة، أن تفرض وجودها في الساحتين الفلسطينية والعربية.

ولعل "فتح" كانت تتوخّى من طرح فكرة الكيانية، التعويض عن غياب الإقليم، بنوع من كيانية سياسية، تستطيع ترميم واقع الشعب الفلسطيني، ولملمة شتاته، لفرض وجوده على الخارطة السياسية ولاحقا الخارطة الجغرافية.

الفكرة الأخرى التي شكلت عامل تمييز لحركة فتح تمثلت بتأسيسها لذاتها على شكل جبهة، أو على شكل حركة وطنية، تعددية وشعبية، في مرحلة كانت تعج بالخطابات الأيدلوجية والأحزاب الطبقية، وهي مرحلة نقلت عدواها إلى الساحة الفلسطينية أيضا؛ ماجعل حركة فتح، بوضعها هذا، حركة الشعب الفلسطيني بامتياز.

ولا شك هنا بأن مبادرة "فتح" لإطلاق الكفاح المسلح لعبت دورا كبيرا في الترويج لها، وترسيخ وجودها، في المجال الشعبي. فمنذ ذاك الوقت اضطلع الكفاح المسلح الفلسطيني، الذي تحملت فتح المسؤولية الأساسية فيه، بدور كبير في صوغ الهوية الوطنية الفلسطينية، وتمحورها من حول منظمة التحرير، التي اعتبرت حينه بمثابة الكيانية السياسية المعنوية للشعب الفلسطيني.

في حينه كانت "فتح" تبنّت خطاب "التحرير"، بداهة، كونه الخطاب الملهم، آنذاك، الذي بإمكانه أن يجمع شتات اللاجئين ويعبر عن ردهم على النكبة. لكن “فتح" أضفت على هذا الخطاب، أيضا، معنى جديدا بتبنيها فكرة إقامة دولة ديمقراطية (بغض النظر عن الدين والتميزات الأخرى) في كامل أراضي فلسطين، كحل للمشكلتين الفلسطينية والإسرائيلية (في أواخر ستينيات القرن الماضي).

طبعا يمكن قول الكثير بشأن هذه الأفكار التأسيسية، أو بشأن هوية فتح السياسية، بما لها وما عليها، ولكن لايمكن التقليل من أهميتها، في تعزيز قوة فتح، وفي دورها الرئيس في صوغ ملامح الفكر السياسي الفلسطيني.

ومثلا، فإن الحديث عن تبني "فتح" أو غيرها لشعار "الدولة الديمقراطية" لم يكن ناضجا إلى الدرجة المناسبة، ولم يتم الاشتغال عليه تماما لتطويره وتكريسه في الثقافة السياسية. ولم تتم عملية تمثّل لهذا الشعار، باعتباره هدفا استراتيجيا، وهو ما كان يتطلب إدخال تغييرات جذرية على بنية الحركة الفلسطينية وخطاباتها وشكل تعاطيها مع الإسرائيليين، كما على وسائل الكفاح التي تنتهجها لتحقيق أهدافها.

بمعنى آخر، فإذا كان الهدف التعايش مع اليهود الإسرائيليين في دولة واحدة، على أسس ديمقراطية وعلمانية، فإنه من لزوم ذلك مد الجسور مع المجتمع الإسرائيلي وقواه المتعاطفة مع الحقوق الفلسطينية، وتركيز المقاومة ضد أهداف إسرائيلية من طبيعة اقتصادية وعسكرية. إذ ليس من المعقول الحديث عن مستقبل مشترك في وقت يخوض فيه كل طرف حربا وجودية ضد الطرف الأخر (ولهذه النقطة أهمية راهنة أيضا).

أيضا، فإن "فتح"، التي طرحت نفسها إطارا وطنيا جبهويا، لم تشتغل بالدرجة المناسبة على تطوير هذا الإطار، بحيث يتم الاعتراف بواقع التعددية فيه، عبر الاعتراف بالتيارات المشكلة له، وعبر إدارة اختلافاته، على أسس ديمقراطية مؤسسية. وبسبب من ذلك، أي بسبب ضعف البنية المؤسسية والعلاقات الديمقراطية فيها، فقد تعرضت هذه الحركة لانقسامات وتسربات، كما تعرضت لأمراض الترهل والتسيب وغياب الهوية.

أما في موضوع اللاجئين فإن هذه الحركة لم تجد حيزا لتناول هذه القضية، بجانبها الفردي والإنساني، وهذا شأن كل الحركات السياسية التي لاتلقي بالا للإنسان الفرد، فيما هي تركز على القضايا. وفي ذلك فقد تماهت قضية اللاجئين بهدف التحرير، ما أدى إلى تضييع الأولى بحكم غياب القدرة على تحقيق الثانية.

في مرحلة ثانية، وبعد عشرة أعوام من انطلاقتها (أي في عام 1974)، انتقلت حركة فتح من فكرة التحرير إلى فكرة الدولة المستقلة في الضفة والقطاع المحتلين (عام 1967)، أي إنها انتقلت من حيز الصراع على وجود إسرائيل، إلى حيز التعايش مع هذا الوجود، بثمن قيام دولة فلسطينية.

وبرغم من أن هذه الفكرة (أي فكرة الدولة المستقلة) شكلت نوعا من التعامل الواقعي، بمعنى ما، مع قضية شائكة ومعقدة وصعبة، كقضية فلسطين، وكقضية مواجهة التحدي الذي تمثله إسرائيل للشعب الفلسطيني، إلا أنها كانت لا تستند إلى روافع ذاتية مناسبة، وإنما إلى روافع خارجية (دولية وإقليمية)؛ حيث لم تكن مفاعيل الانتفاضة الأولى لوحدها قادرة على ذلك.

وقد كلف ذلك "فتح" ردحا من الزمن، وإلى متغيرات دولية وإقليمية (انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وتفكك التضامن العربي على خلفية احتلال العراق للكويت) لتفهم ذلك، ولتتحول نحو المفاوضة، بدعوى أنها الطريق الأمثل لتحقيق هدف الدولة المستقلة.

وكما هو معلوم فإن فتح لم تنجح في ما ذهبت إليه، أو في ماراهنت عليه، لا عبر المفاوضة وتوقيع اتفاق أوسلو (1993)، ولا عبر الانتفاضة الثانية والمقاومة المسلحة (التي اندلعت منذ أواخر العام 2000)؛ والتي اوصلتنا إلى ما وصلنا إليه بسبب المبالغة في المراهنة على شكل نضالي معين، وتخلف الإدارة، وغياب استراتيجية موحدة وواضحة للفلسطينيين.

الآن تواجه حركة فتح، التي قادت منفردة الحركة الوطنية المعاصرة، طوال أربعة عقود من الزمن (1965ـ 2005) محطة جديدة في تاريخها. فإلى أين ستذهب من هنا؟ ومثلا، هل تستمر بتبنّيها هدف إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع رغم كل شيء؟ أم هل تتحول إلى نوع من سلطة تتعايش مع الاحتلال؟ أم تذهب نحو خلق معادلات جديدة، وضمنها ترك الأمور تذهب نحو مسارات دولة واحدة؟ وبديهي فإن لكل استحقاق من هذه الاستحقاقات خطاباته وأدواته ومتطلباته.