مبادرة أوروبية أم جائزة ترضية؟../ زكريا محمد

حسن جدا أن تخرج مبادرة ما من أوربا تعيد الموقف الأوربي إلى زمن ماض كان فيه أفضل بكثير من الآن. فمنذ اتفاق أوسلو والموقف الأوروبي يتراجع أمام الموقف الإسرائيلي والأميركي. فالاتفاق ترك لأوروبا ان تسلم قيادتها لأمريكا في الشأن الفلسطيني.

حسن حقا أن يكون هناك بيان أوروبي، لكن العيش على جوائز الترضية أسوأ وصفة ممكنة.

فما يحصل هو أن هناك بعض الأوروبيين الذين يريدون تقديم جائزة ترضية أوروبية للسلطة الفلسطينية تمنعها من اليأس، وتجنبها الانهيار، بعد أن أذلت بالموقفين الأميركي والإسرائيلي. لا يوجد جوائز ترضية أوروبية ولا إسرائيلية، لذا فلا بد من اختراع جائزة أوروبية بعد طول موات.

وها نحن نشهد اختراع جائزة على شكل بيان أوروبي!

نعم، ما مطروح إنما هو جائزة ترضية فقط، تتمثل ببيان، لا مبادرة وتحركا نشطا يهدف إلى الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذه الجائزة سوف تتقلص إلى حدودها الدنيا في ما يبدو، حسب الأخبار الأخيرة. وهذا يعني أنها لن تسهم في تبديد اليأس الذي يعتري السلطة، ولن تسمح لها بعرض (انتصار ما) يمكنها من عرضه على الناس بفخر.

الأسوأ أن الجائزة الأوروبية المقلصة توحي في العمق بتوافقات مع إسرائيل والولايات المتحدة في عدة نقاط. فهي في ما يبدو لن تشير إلى حدود حزيران بوضوح، كما أنها تدعو إلى استئناف المفاوضات فورا، متوافقة بذلك مع إسرائيل والولايات المتحدة.

لكن الأكثر خطورة أنها تتوافق مع المزحة التي تدعى خطة الحكومة، أو خطة الدكتور فياض، وتذكرها بالاسم. وهي الخطة التي يقع جوهرها في ما يلي:

أولا: إعطاء فترة سماح مجانية مقدارها عامين آخرين لإدارة بوش وإسرائيل.

ثانيا: تحويل أمر قيام الدولة الفلسطينية من مهمة كفاحية في مواجهة إسرائيل، إلى مهمة فلسطينية داخلية، عبر ما يدعى ببناء المؤسسات. يعني: نحن خلال العامين القادمين سوف (نتفرغ) لبناء المؤسسات بدل ان نتفرغ للمواجهة الوطنية العامة. بل إنه يمكن القول أن هذه الخطة تبعدنا عن السياسة عموما، وتلقينا بين أحضان عمل تقني وورقي يتعلق بهيكلة مؤسسات.

ثالثا: الإيحاء بأن الدولة يمكن ان تقوم في ظل الاحتلال. فالدولة هي مؤسساتها. وهذه المؤسسات ستقام بوجود الاحتلال ومن دون الاصطدام به. في حين أن كل المؤسسات الوطنية الحقيقية نشأت من خلال المواجهة مع الاحتلال. وقد رفض الرئيس الراحل ياسر عرفات دوما فكرة بناء المؤسسات تحت الاحتلال، لأن فعل ذلك يعني تجاهل الاحتلال، وبالتالي إطالة أمده.

رابعا: وهذا هو الأخطر؛ أن المؤسسات التي سنبنيها تقدم كدليل على أننا نستحق دولة، أي سيادة ما على الأرض أو جزء منها. يعني أن مؤسسات الدولة لا تبنى لأننا بحاجة إليها، بل هي مجرد دليل أمام عيني الاحتلال على أننا نستحق دولة! انظروا، ها نحن نبني مؤسسات لا تزعجكم.

هذا هو ما نقوله لإسرائيل عبر هذه المؤسسات. إننا عبر هذه المؤسسات التي تصنع من فوق، ومن دون صدام مع الاحتلال، نقدم الدليل لإسرائيل وأمريكا على أننا نستأهل دولة، ولا نقوم ببناء مؤسسات دولة. وهنا يكمن الخطر العميم. وهو خطر يصيب فكرة الاستقلال الوطني في جذورها.
هذا هو مغزى خطة الحكومة!

والحق أن المرء يستثار من شدة التأييد الذي يمنح لهذه الخطة من الحكومات الأوروبية. وهو يستثار أكثر حين يرى حتى أعضاء كونغرس أمريكي مؤيدين لإسرائيل يبدون إعجابهم بهذه الخطة. لكن، لماذا لا يؤيدونها وهي تمنحهم فترة سماح، وتشغلنا بأنفسنا بدل ان تشغلنا بإسرائيل، وتجعلنا نعيش حلم بناء دولة في اجتماعات مغلقة مثل لقاءات الصوفية؟!

تحرك أوربي يمثل جائزة ترضية، حتى تتمكن السلطة من تبديد اليأس، وحتى تتمكن الحكومة من التركيز على بناء مؤسسات دولة لا علاقة لها بالاحتلال وثقله. هذا هو ما نحن بصدده هذه الأيام!!