مسرحية نتنياهو حول الاستيطان../ فايز رشيد


مبدأ “إسرائيلي” قديم جديد، ويتلخص في الاستجابة جزئياً لما يريده العدو (الفلسطينيون والعرب) ووضع العراقيل في الحل الذي تطرحه هذه الاستجابة. بمعنى آخر، رمي الكرة في الملعب الآخر، وإجبار لاعبيه على الرفض، بشكل يتبين فيه للعالم أنه العدمي، و”إسرائيل” هي “حمامة السلام” التي تطرح الحلول.

الوقف الجزئي للاستيطان لمدة عشرة أشهر الذي أعلنه نتنياهو يوم 25 نوفمبر الماضي هو خير مثال على هذا الأمر الذي تنطبق عليه أيضاً قاعدة (نعم ولكن؟).

نتنياهو أبقى الاستيطان في القدس، فهي مستثناة من المبادرة، في الوقت الذي يدرك فيه تمام الإدراك أن السلطة الفلسطينية ومن أجل الحفاظ على ماء وجهها بعد فشل نهج المفاوضات الذي اتبعته طوال ثمانية عشر عاماً، من دون أن يُفضي إلى نتيجة سوى الخسارة تلو الخسارة،، هذه السلطة، لن تقبل استئناف المفاوضات مع الجانب “الإسرائيلي”، مادامت عملية الاستيطان قائمة في القدس.

المسرحية التي مثّلها نتنياهو على الخشبة “الإسرائيلية” أدّت إلى نتيجة وهي: الترحيب السريع من الإدارة الأمريكية وفي ما بعد أوروبا، ووفقاً للناطق الرسمي الأمريكي، فإن لا شيء يمنع استئناف المفاوضات بين الجانبين “الإسرائيلي” والفلسطيني، تماماً مثلما كانت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون قد صرّحت في جولتها الأخيرة في المنطقة “بأن وقف الاستيطان “الإسرائيلي” لم يكن شرطاً للمفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل” . بمعنى آخر فمن وجهة النظر الأمريكية فإن نتنياهو أقدم على “تضحية” ويخطئ الفلسطينيون إن لم يتلقفوها لأنهم من سيبدون أمام المجتمع الدولي بأنهم(المعرقلون) للمفاوضات وبالتالي للتسوية.

بداية فإن مدينة القدس التي يجري فيها الاستيطان، توسّعت حدودها في الزمن “الإسرائيلي”، لتصبح مساحتها ربع مساحة الضفة الغربية وفقاً للأرقام، وتصل حدودها الآن إلى منطقة غور الأردن (المحاذية للضفة الشرقية) أي أن الاستيطان سيجري في هذه المنطقة.

من زاوية ثانية، فإن عملية الاستيطان التي تجري في القدس هي الأكبر والأوسع منذ بداية الاحتلال “الإسرائيلي” في عام ،1967 وتشمل هذه العملية طرد 3000 عائلة فلسطينية من بيوتها، يسكنون في مناطق مختلفة من المدينة، وذلك من أجل تسهيل تهويدها.

مبادرة نتنياهو الكوميدية جاءت بعد قرار الحكومة “الإسرائيلية” بناء 900 وحدة سكنية استيطانية في القدس، إضافةً إلى أن وزارة الإسكان “الإسرائيلية” أعلنت مناقصات علنية لتسويق 6 آلاف وحدة سكنية جديدة في 20 مستوطنة يهودية في أنحاء فلسطين المحتلة، أي أن مستوطنين جدداً سيأتون للسكن في الضفة الغربية، وهذا يناقض الادعاءات “الإسرائيلية” الدائمة والقائلة “بأن توسيع المستوطنات في الضفة الغربية هو فقط من أجل استيعاب النمو السكاني فيها” أي أن هذا السبب لا تعتبره “إسرائيل” استيطاناً، ولذلك فإن النمو الطبيعي سيظل قائماً، وبالتالي فإن عملية البناء في هذه المستوطنات بما تعنيه من مصادرة أراض فلسطينية جديدة، لا تخضع لمبادرة نتنياهو .

على صعيد آخر، مباشرة وبعد تصريح نتنياهو اتخذ (مجلس المستوطنات) في الضفة الغربية قراراً يرفض فيه التجميد، مضيفاً أن المجلس سيواصل عملية البناء مع الحكومة أو من دونها، جاء ذلك وفقاً للإذاعة “الإسرائيلية” في اجتماع طارئ عقده المجلس مساء الخميس (26 نوفمبر الماضي)، وهذا يعني أن المجلس سيقوم بالاستيطان، في الوقت الذي لن تستطيع فيه الحكومة “الإسرائيلية” وبحجة دواعي الديمقراطية منع المجلس من الاستمرار في الاستيطان، فوفقاً لما تقوله الأنباء فإن المجلس ومنذ صباح الجمعة (27 نوفمبر الماضي) استأنف عملية البناء، ولم تتحرك الحكومة “الإسرائيلية” لمنعه.

المبدأ “الإسرائيلي” ينسحب على تصريح نتنياهو في القدس (الاثنين 30 نوفمبر الماضي) بأن الحل للصراع يكمن بإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح تعترف بـ"يهودية إسرائيل".

ويدرك رئيس الوزراء “الإسرائيلي”، أن من المستحيل على أي فلسطيني أو عربي الاعتراف بيهودية “إسرائيل”، ولذلك، فالدولة التي يدعو إليها لن تتحقق، ولو فرضنا جدلاً أن الفلسطينيين والعرب وافقوا على الاعتراف بـ"إسرائيل اليهودية" فإن الدولة الفلسطينية المنزوعة السلاح التي قصدها نتنياهو هي حكم ذاتي ليس إلا.

اللعبة “الإسرائيلية” أصبحت مكشوفة لمعظم الفلسطينيين والعرب . وقد آن آوان كشفها للباقين وللمجتمع الدولي أيضاً . فمسرحية نتنياهو الكوميدية حول الاستيطان لن تنطلي على كل من يعرف حقيقة “إسرائيل” .
"الخليج"