إيفو موراليس مجدداً../ فيصل جلول


يبدو أن الاقتراع الديمقراطي في بوليفيا بات سلاحاً فعالاً يستخدمه فقراء هذه الدولة لتغيير وجه بلادهم بصورة جذرية. فقد افصحت نتائج رئاسيات الاحد الماضي عن فوز كاسح للرئيس ايفوموراليس على منافسه اليميني بنسبة تفوق ال60 في المائة من أصوات المقترعين وبزيادة تقارب العشرة في المائة عن الأصوات التي نالها في ولايته الأولى عام 2005 .

واذ تؤكد ولاية موراليس الثانية ان تيار التغيير في بوليفيا آخذ في التجذر، وليس عابرا كما أشاع المحافظون خلال حملتهم الانتخابية فإن تجديد الثقة بالرئيس الهندي الاصل يبين ان رياح “الثورة الديمقراطية” التي هبت على أمريكا اللاتينية مازالت قادرة على توفير التغطية الشعبية اللازمة لرؤساء حملوا رايات الدفاع عن مصالح الفئات الدنيا والمتوسطة من شعوب هذه القارة التي خضعت طويلا لنهب الرساميل المتوحشة الوافدة من المتروبول الأمريكي الشمالي.

وفي السياق يكذب انتصار موراليس السهل على منافسه مانفريد رياس شائعات انتشرت قبل الانتخابات حول استياء مزعوم لقطاع واسع من الناخبين جراء تغيير الدستور خلال ولايته الأولى وان ذلك من شأنه أن يعزز مخاوف الناخبين من اقتفاء بوليفيا أثر فنزويلا، وبالتالي أن يصبح موراليس رئيسا لدورات متتالية بلا سقف زمني على غرار نظيره هوغو تشافيز .

الواضح ان ثلثي البوليفيين الذين جددوا ثقتهم بموراليس يراهنون على تثبيت الاصلاحات الجذرية التي بدأها بقوة خلال السنوات الاربعة الماضية والتي تخدم مصالح الاكثرية الهندية من سكان البلاد الاصليين لا سيما مشروع الحكم الذاتي لمناطق الهنود الذي يوفر لهم الحماية الضرورية إزاء مراكز القوى المحلية التي حكمت البلاد طويلا بالنيابة عن شركات النهب العابرة للحدود.

ومن غير المعروف بعد كيف سيقود موراليس هذه الاصلاحات التي تحتاج الى ثلثي اصوات ممثلي الشعب في الكونغرس المحلي ومجلس النواب فهو لم يضمن اكثرية الثلثين في كامل المؤسسات التمثيلية وانما في بعضها فقط.

ومن المنتظر ان يسعى التيار اليميني في بوليفيا لتعطيل مشروع الاصلاحات الرئاسية عبر هذه الثغرة خلال الأعوام الاربعة القادمة، وأن يعرقل التعديل الدستوري الذي يتيح للرئيس الشاب الترشح لدورة ثالثة وان نجح اليمين في هاتين القضيتين سيكون بوسعه العودة بالبلاد الى الوراء وبالتالي تهديد الإنجازات الاصلاحية التي حققها الهنود خلال ولايتي موراليس الأولى، والثانية. ولن يعدم المحافظون الحجج اللازمة وأبرزها الحديث عن تداول السلطة تحت سقف زمني محدد بدورتين رئاسيتين للحؤول من دون تكرار التجربة الفنزويلية.

وعلى الرغم من قوة هذه الحجة في النقاش الديمقراطي الا إنها لا تتمتع بصلاحية مطلقة. ذلك ان الأصل في التمثيل ليس شخص الرئيس وإنما مشروعه السياسي ومدى قبول الناخبين أو رفضهم لهذا المشروع في عملية انتخابية شفافة يتمتع عبرها الجميع بفرص متساوية للدفاع عن آرائهم وبرامجهم السياسية، وطالما ان الناخب هو سيد الموقف في الحسابات الانتخابية وان صناديق الاقتراع هي الحكم للفصل بين خيارات الناخبين فإن الخوف من الانحراف نحو الاستبداد لا يعول عليه.

بالمقابل لن تعدم الأكثرية اليسارية الحاكمة الوسائل الضرورية لتجديد الثقة بمشروع موراليس لدورة ثالثة، وربما رابعة، ومن بينها الاستفتاء الوطني على تعديلات دستورية محتملة لتجاوز عقبة الثلثين في المؤسسات المنتخبة وإن اخفقت فإنها قد تلجأ الى الخيار الروسي، وبالتالي ترشيح شخصية يسارية مخلصة للمشروع الإصلاحي على أن يظل موراليس القائد الفعلي للتغيير.

تبقى الاشارة الى أن الكتل التمثيلية الكبيرة في الديمقراطيات الغربية لا تتردد في تغيير الدساتير عندما ترى أن ذلك يخدم مصالح ناخبيها ففي بريطانيا لا يكف المحافظون والعمال عن تداول الحكم منذ الحرب العالمية الثانية وهم يحولون من دون انبثاق قوة ثالثة تنافسهم على السلطة، وفي الولايات المتحدة يسود التقليد نفسه وايضاً في النمسا، وبالتالي من الصعب ان يكون هذا المنهج ديمقراطياً في الغرب وغير ديمقراطي في بوليفيا وروسيا.

عندما تعرف الديمقراطية بوصفها حكم الشعب لنفسه بنفسه عبر ممثليه المنتخبين، وعندما يعبر الشعب البوليفي باكثريته الساحقة عن رغبته بوجوب تغيير الوجه التاريخي لبلاده، وبالتالي انصاف سكانها الأصليين وعندما يصبح ايفو موراليس رمزا لهذا التغيير فإن سقف الولاية الزمني يصبح تفصيلا ثانويا غير جدير بالذكر ولعل هذا ما يقوله بقوة ناخبو موراليس وشافيز وآخرون ينتشلون امام أعيننا امريكا اللاتينية من براثن “اليانكي” الشمالي المتغطرس بواسطة صناديق الاقتراع .
"الخليج"