هذه الدعوات لتجديد الفكر القومي../ عوني فرسخ


توالت في السنوات الاخيرة دعوات تجديد الفكر القومي العربي. والدعوة للتجديد والمراجعة منطقية من حيث المبدأ، لأنه ليس من فكر إنساني إلا وهو بحاجة لذلك إن أريد به مواكبة مستجدات الواقع ومتغيراته. غير أن المراجعة الفكرية لا تستقيم ما لم تؤسس على قراءة معمقة لما صدر عن أعلام الفكر موضوع المراجعة في ضوء ظروف الزمان والمكان اللذين صدرا فيهما، وأن تكون مبرأة من الأحكام المسبقة. وإلا يتعذر التقويم العلمي، بل والوقوع في أخطاء تاريخية بتحميل الفكر وأعلامه بما هم براء منه. ولطالما تعرض الفكر والعمل القومي العربي لادعاءات ابرزها ثلاثة نقف معها استنادا لحقائق التاريخ باعتباره الفيصل في القضايا الفكرية.

أول الادعاءات وأقدمها تحميل الفكر والعمل القومي العربي مسؤولية سقوط الخلافة العثمانية. وبالعودة لما كان نجد أنه حتى انقلاب جماعة “الاتحاد والترقي” التركية على السلطان عبدالحميد الثاني سنة 809m كانت النخب الفكرية والسياسية العربية تشارك في الحراك المطالب بقيام حياة دستورية ووقف الاستبداد، الذي تصاعد بعد الغاء عبدالحميد دستور 1876. وفي مواجهة محاولات التتريك التي باشرها الاتحاديون ما إن استولوا على الحكم تشكلت منظمات “المنتدى العربي” و”الجمعية القحطانية” سنة ،1909 و”العربية الفتاة” سنة ،1911 وقد حصرت مطالبها باقامة نظام لا مركزي، ومشاركة العرب السياسية، واستخدام اللغة العربية في المدارس والمحاكم ودواوين الحكومة في الولايات العربية. ولقد أوفد “المؤتمر العربي الأول”، الذي عقد في باريس سنة ،1913 وفداً يحمل مطالبه للقادة الأتراك، برئاسة عبدالكريم الخليل، رئيس المنتدى العربي “في اسطنبول”، فقابل زعيمي الاتحاديين طلعت باشا وجمال باشا، اللذين وعدا بتبنيها. غير أن الاتحاديين لم يوفوا بالوعد، بل وباشروا تنفيذ إعدامات طالت نشطاء عرباً مسلمين ومسيحيين. وبالتالي تسببت عنصرية غلاة الاتحاديين في الحيلولة دون تعاون تركي - عربي، قائم على المساواة ووحدة الصف الإسلامي في مواجهة الهجمة الاستعمارية. وأن يكون الاتحاديون هم من أسقطوا عبدالحميد، وبادروا العرب بالعداء وانكار هويتهم القومية، فيما كان مصطفى كمال “اتاتورك” هو الذي ألغى الخلافة سنة ،1924 ففي ذلك دحض الادعاء اللاتاريخي بمسؤولية القومية العربية عن سقوط الدولة العثمانية والغاء الخلافة.

وثاني الادعاءات، والأحدث في تداوله، اعتبار الفكر والعمل القومي العربي قد اخطأ في موقفه من الدولة القطرية العربية. في تجاهل أن الحركة القومية العربية إنما نشأت كحركة مقاومة ضد غلاة الطورانيين الاتراك بداية، ثم القوى الاستعمارية والامبريالية، والقوى اللاقومية المعادية للعروبة. وحين تقرأ الأدبيات القومية العربية منذ بداياتها الأولى يتضح أن مطلب الاستقلال والتحرر متقدم على مطلب الوحدة. تأسيساً على استحالة تحقيق أي تكامل عربي، حتى بين قطرين متجاورين، ما لم يكونا كاملي السيادة مستقلي القرار. وإن كان هذا لا ينفي معاداة الفكر والعمل القومي لواقع التجزئة، باعتباره مفروضاً على الشعوب العربية دون إرادتها، وفي تناقض مع مصالح غالبيتها الساحقة، وتضاد مع تاريخها الممتد.

وثالث الادعاءات، وأجدرها بالمراجعة، القول بأن الفكر والعمل القومي العربي مضاد للديمقراطية، في تجاهل للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي شكلت، ولا تزال، عوائق موضوعية لتقدم الشعوب العربية على طريق تحقيق طموحاتها الديمقراطية. وبالنسبة للقوميين الثابت أنهم تقدموا الصفوف في التصدي للقوى الاستعمارية، والمطالبة بالديمقراطية والحريات العامة. بل وإن فشل أنظمة مصر وسوريا والعراق في توفير أساسيات النظام الليبرالي، وتحقيق قدر من التنمية والعدالة الاجتماعية، وتقديم الاستجابة الفاعلة للتحدي الصهيوني، كان في مقدمة عوامل تفجر الانقلابات العسكرية في الأقطار الثلاثة، وما لقيته من تأييد شعوبها باعتبارها أداة التغيير الذي لم تستطع تحقيقه ديمقراطياً.

ثم إن فشل الليبرالية بمصر، وظروف الحرب الباردة، كانت في مقدمة دواعي الرئيس عبدالناصر لتجاوز الليبرالية فكراً وممارسة، وتبنيه “الديمقراطية الاجتماعية”، أسوة بما كان غالباً لدى حركات التحرر الوطني في العالم الثالث في خمسينات وستينات القرن العشرين. وفي مواجهة المراجعين العرب الجدد نتساءل: ألم تستكمل كل الإجراءات الديمقراطية في إقامة “الجمهورية العربية المتحدة” باتحاد سوريا ومصر سنة 1958؟ وألم تتم من خلال أكبر مؤتمر واعمق حوار ديمقراطي شهدته مصر في تاريخها سنة 1962 صياغة “الميثاق” الذي ربط جدلياً بين الوحدة والديمقراطية والاشتراكية؟ واليس القوميون من بادروا لتشكيل المنظمة العربية لحقوق الإنسان سنة 1983؟ والسؤال الأخير: أين هو التيار الفكري العربي الأكثر انفتاحاً على الآخرين من التيار القومي العربي؟
"الخليج"