هل تسير البشرية نحو الانتحار؟../ إلياس سحاب

من أجمل ما طالعت في حياتي، كتاب صدر في الربع الأخير من القرن المنصرم، لعالم نمسوي من علماء البيئة، عنوانه «الخطايا السبع الكبرى للقرن»، يلخص فيه فظاعات الممارسة البشرية في القرن العشرين ضد بيئة الكرة الأرضية. وقد افتتح الكتاب بعبارة تليق بأن تكون خلاصة له، يقول فيها الكاتب ما معناه انه اذا كان التاريخ البشري حتى هذا القرن قد سار تحت عنوان «حماية الإنسان من قسوة الطبيعة»، فإن التاريخ قد بدأ يسير من الآن فصاعدا تحت عنوان «حماية الطبيعة من قسوة البشر».

يعود بنا هذا القول الى الصدمة الكبرى، التي أحدثتها لحكماء البشر وعقلائهم وفلاسفتهم، فظاعات التطبيق البشع في الحرب العالمية الاولى (1914ـ1918) للاختراعات العلمية الحديثة في القرن التاسع عشر، وفي مطلع القرن العشرين، حيث كتب الطبيب والمفكر الإنساني ألبرت شفايتزر محذراً من أنه اذا لم يواكب التطور العلمي الذي بدأ يسير بقفزات تاريخية هائلة، تطور في التزام البشرية بصرامة أخلاقية موازية، فإن البشرية تكون، بفعل تقدمها العلمي المتفلت من أي ضوابط أخلاقية، سائرة نحو هلاك مؤكد.

وقد جاءت فظاعات الحرب العالمية الثانية، الأكثر استغلالا للتقدم العلمي في مزيد من القتل والتدمير، والتي تمثل مشهدها الختامي الفاجع، في القنبلتين الأميركيتين النوويتين، على كل من هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، لتؤكد التشاؤم الذي أصابت به الحكماء والعقلاء، فظاعات الحرب العالمية الاولى.

لكننا اليوم، في نهاية العقد الاول من القرن الواحد والعشرين، نشهد العناصر التي تهدد مصير البشرية ومصير الكرة الأرضية بهلاك مؤكد، تزداد وتتضاعف، وتصبح أكثر تركيبا وتعقيدا، بحيث لم يعد الوقوف بوجهها، ثم الخروج منها، أمرين ممكنين، بغير ثورة أخلاقية عارمة تجتاح الكرة الأرضية كلها، في وجه القوى المتحكمة بمصيرها سياسيا وعسكريا واقتصاديا وأخلاقيا.

في بداية القرن العشرين، كان الخطر الداهم يكاد ينحصر في سوء استخدام المبتكرات العلمية، بتحويلها من خدمة أغراض تقدم الحياة البشرية ورفاهها، الى خدمة أغراض دمار الحياة البشرية. وقد بدا هذا الخطر محصورا في مجال الحروب العالمية، في بداية الأمر، بحيث كان مجرد الحيلولة دون نشوب هذه الحروب، يبدو مخرجا مؤكدا من هذا المأزق.
لكن مسيرة التطور البشري في القرن العشرين، ما لبثت أن سلكت بعد ذلك دروبا أكثر تعقيدا، فأصبح كل تعامل إنساني مع الطبيعة البشرية، بعيدا عن الحروب، ولأغراض الاستثمار في الزراعة والصناعة، يشكل خطرا ليس على بيئة الكرة الأرضية وحدها، بل على الغلاف الجوي المحيط بهذه الكرة، والمقرر لبقاء أو هلاك البشرية التي تعيش عليها.

لست خبيرا بيئيا، لكن مطالعة أي تقرير بيئي علمي مستند الى الأرقام التي تؤكد أن جور الانسان على موارد الكرة الارضية في القرن العشرين وحده، قد أصبح معادلا لهذا الجور منذ بداية التاريخ حتى يومنا هذا، يصيب القارئ بالرعب من تخيل مصير البشرية في نهاية القرن الحالي، إذا ظلت الأمور تسير بالوتيرة التي سارت بها في القرن العشرين، وما زالت تسير إلى اليوم.

إن قوة سيطرة الجشع المادي النيوليبرالي الذي يسيطر على القوى المتحكمة بمصير البشرية، لا تتزحزح ولا تبدو مستعدة للتزحزح (حتى مؤتمر كوبنهاغن الأخير) عن عبادة المعادلة التي تقول إن الربح المادي الذي يحققه أي استثمار للموارد الطبيعية، هو المعيار الوحيد لقياس نجاح هذا الاستثمار أو فشله، وليس معيار سعادة البشرية، ومصير البيئة الطبيعية التي تعيش فيها هذه البشرية.

فإذا أضفنا الى ذلك، توقعات الزيادة في أعداد سكان الكرة الأرضية، وهي زيادة أصبحت مرشحة في هذا القرن للقفز بالمليارات، وليس بالملايين، فإننا لا يمكن أن ننظر الى المؤتمرات البيئية التي تعقد منذ ثلاثة عقود لمحاولة الخروج من هذا المصير، ولا تخرج إلا بقرارات تصر على التمسك بالممارسات الراهنة، لا لشيء إلا لأنها مربحة من الناحية المادية، لا يمكن أن تنظر الى هذه المؤتمرات إلا بصفتها ـ حتى إشعار آخر ـ قراراً جماعياً من المسؤولين عن البشرية، بالإصرار على الانتحار الجماعي، للبشرية، وللكرة الأرضية التي تعيش عليها.

أخطر ما في هذا الخطر المصيري الداهم، أن وتيرته لم تعد تحتمل أي تأجيل أو أي تباطؤ، بعد أن أصبحت مسيرته تقفز في عقد واحد من السنين، قدر ما كانت تقفزه في قرون طويلة غابرة.

واذا كانت فلسفة النيوليبرالية هي التي ما زالت تسيّر عقول المسؤولين في شتى دول العالم، فإن عدم تحرك القطاعات الشعبية في كل هذه الدول، بما يوازي الأخطار المؤكدة والبادية للعين المجردة، لا يعني سوى السير كقطعان الغنم، في طريق الانتحار الجماعي.

يكفي أن نتخيل لوهلة فظاعة المعادلة في نهاية هذا القرن، بين الزيادة الهائلة في أعداد سكان الأرض (بالمليارات) وبين الموارد الطبيعية المستنزفة بوحشية همجية، حتى تتراءى لنا مشاهد يوم الحشر، ويوم القيامة، ويوم نهاية العالم، كما تتحدث عنه مختلف الديانات السماوية.

المنعطف المقبل في تاريخ الثورات البشرية، إما أن يكون متجهاً الى إعلاء سلطة القيم الأخلاقية، وقيم العدالة الاجتماعية، أو لا يكون.
"السفير"