فتاوى على مقاس الأنظمة../ راسم عبيدات*

.....قديما وحديثاً وظفت الأنظمة الحاكمة المؤسسات الدينية لخدمة أهدافها ومصالحها، وكانت الأداة الطيعة في يد تلك الأنظمة لكي تبرر سياساتها ومواقفها وتصرفاتها وما تمارسه من قمع واستغلال لشعوبها، أو قوى المعارضة وبالذات العلمانية منها. وكم مرة أفتت تلك المراجع الدينية بتخوين الناس وتكفيرهم لمجرد معارضتهم أو مقاومتهم للطغم الحاكمة أو الاختلاف معهم في الرأي أو الاجتهاد؟ وكم مرة دفع الكثير من خيرة علماء ومفكري ومثقفي هذه الأمة حياتهم ثمناً للتحريض عليهم من تلك المراجع الدينية المشبعة والمغرقة في الانغلاق والتطرف والعصبوية والإقصائية؟

والخطر في هذه الفتاوي أنها لا تصدر عن أناس جهلة أو من يفتون بغير علم، بل تصدر تلك الفتاوي عن أهم وأعلى مؤسسة دينية في العالمين العربي والإسلامي، كان لها سمعتها وهيبتها ومكانتها بين الشعوب العربية، ولكن تحول تلك المؤسسة إلى أداة مطواعة في يد النظام المصري، ليستخدمها في التنظير والدفاع عن سياساته وممارساته، وبما لا يتفق أو يتعارض مع مصلحة الشعوب والوطن والأمة والشريعة، جعل تلك المؤسسة تفقد هيبتها ومكانتها عند الشعوب العربية، حتى أن ما يصدر عنها من فتاوي أصبح مجال تندر وسخرية عند الكثير من الناس.

ويضع هذا الكثير من علامات الاستفهام على مؤسسات الإفتاء تلك، ومدى ما يعشعش في ثناياها من فساد ومصالح خاصة ليس لها علاقة من قريب أو بعيد بمصلحة الوطن أو الأمة أو العقيدة أو الشرع، بل مصلحة النظام الذي تسبح بحمد أمواله، والذي تدين له بالبقاء في مراكزها وكراسيها. فتلك المؤسسة التي أفتت للراحل السادات بالذهاب للقدس المحتلة وتوقيع اتفاقية "كامب ديفيد" واعتبرتها "نصراً مؤزراً ومبيناً" على غرار بدر وفتح مكة، وبما عنته تلك الاتفاقية من ذل وعار لحق بالأمة العربية من محيطها لخليجها، وخروج مصر بثقلها العسكري والسياسي والبشري من المعركة مع إسرائيل، هي نفس المؤسسة التي أفتت برضاعة الموظفة لزميلها في العمل لكي تصبح محرمة عليه..

وهي نفس المؤسسة التي أفتت بتكفير الشيعة وحزب الله، وحرضت على المذهبية والطائفية والفتنة في العالم العربي والإسلامي، وهي نفس المؤسسة التي ذهب شيخ أزهرها الطنطاوي إلى نيويورك لحضور وسماع ترانيم وتعاويذ "الحاخام بيرس" عن "عشق ورغبة إسرائيل في السلام"، حيث ركع وسجد هو والكثيرونن من الزعماء العرب لسماعها، وسماع حملة التحريض على المقاومتين الفلسطينية واللبنانية ووصف نضالاتها وقادتها "بالإرهاب والإرهابيين"، ومن ثم قام بمصافحة بيرس وشد على يده، وعندما افتضح أمره أنكر معرفته به، وعاد والتقاه مرة أخرى في مؤتمر الأديان، وهو يعلم علم اليقين من هو وما هو دوره في شن إسرائيل لحربها العدوانية على شعبنا في قطاع غزة في كانون أول/2008، تلك الحرب التي جعلت رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، ينسحب من مؤتمر"دافوس" الاقتصادي احتجاجاً على خطاب بيرس، والذي أشاد فيه بقتل الأطفال الفلسطينيين.

وأصبحت هيبة وسمعة واحترام مجمع البحوث الإسلامية والأزهر وبالذات المرجع الأول فيها الشيخ الطنطاوي مثار تساؤل وعلامات استفهام كبيرة، عقب البيان الذي أصدره، والذي يؤيد فيه ما تقوم به الحكومة المصرية من بناء للجدار الفولاذي على حدودها مع غزة.

هذا الجدار الذي يغلق كل شرايين الحياة عن شعبنا المحاصر في قطاع غزة، واعتبر أن من يعارض بناء ذلك الجدار خارج عن شريعة الإسلام، لأن من حق الدول أن تصون حقوق أبنائها، وتمنع كل عدوان على هذه الحقوق، وهذه الفتوى جلية وواضحة فهي تتماثل مع مواقف النظام المصري، بل وتشكل حجة وذريعة له لكي يستمر في إقامة هذا الجدار الذي يهدد حياة أكثر من مليون ونصف فلسطيني محاصرين من قبل إسرائيل وأمريكا وأوروبا الغربية، بل رخصة وتشريع بالقتل.

وفي الوقت الذي ساق فيه الطنطاوي حججا واهية لبيانه، بأن الأنفاق تستخدم لتهريب المخدرات وبما يهدد أمن مصر، وجدنا أنه يصاب الخرس والطرش،عندما تقوم الحكومة المصرية بإغلاق معبر رفح وتمنع وصول المواد الغذائية ومستلزمات الحياة الأساسية إلى شعبنا المحاصر في القطاع منذ ما يقارب الأربع سنوات. فهل إغلاق معبر رفح والمشاركة في حصار الشعب الفلسطيني حلال يا طنطاوي؟ وهل لجأ الشعب الفلسطيني إلى الأنفاق بمحض إرادته؟ تلك الأنفاق التي قتل فيها الكثير من أبنائه، أم أن الحصار الإسرائيلي وإغلاق معبر رفح المصري هو الذي دفع شعبنا الفلسطيني إلى حفر هذه الأنفاق، من أجل الحصول على مستلزمات الحياة الأساسية؟ ألم تشاهد يا طنطاوي مئات العائلات الفلسطينية التي هدمت ودمرت بيوتها بفعل العدوان الإسرائيلي تعيش في العراء لأن حكومتك تمنع دخول مواد البناء اللازمة للأعمار من خلال المعبر؟ ولماذا لا تفتي بتكفير أو تخوين من يمنعون قوافل الإغاثة من دخول الأراضي المصرية، وهي التي يقطع أعضاؤها ألاف الكيلومترات من أجل الوصول إلى غزة؟ وهل ما قامت به الحكومة المصرية وأجهزتها الأمنية من ممارسات وإجراءات قمعية بحق قافلة شريان الحياة 3 يتفق والدين والشريعة والدفاع عن الأوطان يا طنطاوي بيك؟

ليس بالغريب على من أفتوا من مراجع دينية في الوطن العربي والإسلامي بجواز مشاركة قوات عربية إلى جانب القوات الأمريكية والغربية في شن عدوانها على العراق واحتلاله، ومنح التسهيلات في بلدانهم لهذه القوات من قواعد واستخدام أراضيها وممراتها المائية وأجوائها لتنفيذ عدوانها، أن يفتوا بتحريم الجهاد، فالعديد منهم أفتى بتحريم وتكفير من يقومون بعمليات استشهادية، والكثير من دور الإفتاء التابعة لهذه الأنظمة أصبح شغلهم الشاغل إصدار الفتاوي التي تكفر الشيعة وحزب الله، وتصف إيران بالمجوسية والفارسية والصفوية، ولا ندري لماذا لم نسمع مثل هذه الفتاوي عندما كان يتربع على عرش إيران الشاه؟ فربما كان بوقوفه إلى جانب أمريكا وإسرائيل مسلما حنيفا، ولم يكن لبلاده أطماع في العالم العربي.

إن كل المراجع والمؤسسات الدينية والقائمة بقرار سلطوي، لم تقم على أساس خدمة ورعاية شؤون المواطنين، بل إن همها وشغلها الشاغل هو العمل على إصدار فتاوى على مقاسات حكامها، وتبرير ممارساتها وسياساتها ومواقفها، حتى لو كانت متعارضة كلياً مع مصالح الشعب والوطن والأمة والعقيدة. والطنطاوي ومجمع البحوث الإسلامية وبعد أن شوهوا صورة الفتاوى وحطوا من قيمتها وقيمه وهيبة الأزهر في نظر العالم العربي والإسلامي، عليهم أن يدركوا جيداً أنهم مهما قدموا من خدمات جليلة لهذه الأنظمة، فهي ستلفظهم مع أول فتوى لا يرضى عنها النظام، ناهيك عن ما سيلحق العرب والمسلمين من أذى وضرر من مثل هذه الفتاوى، هذه الفتاوى التي تفصل على مقاسات الأنظمة، وتظهر دور الإفتاء كظل وخادم لهذه الأنظمة، في حين أن الشعوب المتسلحة بالإرادة والمؤمنة بقضاياها لا تحتاج لمثل هذه المؤسسات التي يعشعش فيها الفساد، ولا مثل هؤلاء المفتين الذي يغلبون مصالحهم الخاصة ومناصبهم على مصالح الشعب والأمة، بل ويشوهون حقيقة الدين والشريعة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018