الغرور الإمبريالي في دفاع بلير عن جريمته../ جميل مطر

لم يكن لدى كبار موظفي وزارتي الخارجية والدفاع في بريطانيا شك في أن اللجنة المعروفة باسم “لجنة سير شيلكوت”، والمشكلة للتحقيق في ملابسات دخول بريطانيا الحرب ضد العراق ودور توني بلير فيها، ستكون كسابقاتها الأربع، لجنة صورية.

البعض كان يراهن على أن الإعلان الصاخب عن تشكيل اللجنة والسماح لأهالي الجنود البريطانيين الذين قتلوا في العراق وممثلين في الرأي العام في بريطانيا بحضور جلساتها، وكذلك اهتمام الصحف وأجهزة الإعلام المحلية والإعلامية بانعقادها، وتطلع الجميع للاستماع إلى إفادة توني بلير، كلها عوامل دفعت البعض إلى الظن بأن اللجنة ستكون جادة ولو لإرضاء المنظمات الشعبية وأهالي الضحايا، الذين استبشروا خيراً وانتظروا إنصافاً مع حلول “ساعة العدالة”.

استمعت اللجنة إلى بلير على امتداد ساعات طويلة. وأكدت التقارير الصحافية وتصريحات الحاضرين أن بلير لم يبد أسفاً أو يقدم اعتذاراً أو يعرب عن ندم، وإن كان أشار بغير اكتراث إلى أنه إذا كان حقاً تسبب بقراره غزو العراق في إحداث انقسام في صفوف الشعب البريطاني فهو آسف على هذا الانقسام، لا أكثر.

ورفض بإصرار اعتبار ما أقدمت عليه حكومته مؤامرة أو خديعة أو أنها مارست الكذب، كل ما فعله كرئيس حكومة هو أنه اتخذ قراراً. وهو الرفض الذي يعيد إلى الأذهان جوهر الفكر الإمبريالي الغربي. فالقرار السياسي في عصور الاستعمار الغربي كان بحكم التعريف وبمنطق الفلسفة الاستعمارية يقوم على حبكة تآمرية، وإن لم يعترف بها أحد من قادة الإمبراطورية وموظفيها. سمعنا من قبل عن القرار الاستعماري الشيء الكثير، سمعنا رودس وتشرشل وجيرترود ولورنس العرب واللورد كرومر يمجدون الاستعمار وعظمة الغرب، وسمعنا انطوني إيدن وجي موليه يدافعان عن دورهما في ظروف شن الحرب الثلاثية ضد مصر في 1956.

ليس مهماً أو مفيداً للتحقيق والعدالة أن يتبين بعد الاستماع إلى شهادة بلير أن تقريراً سرياً تسرب في الأيام الأخيرة يؤكد أن إزاحة صدام حسين تقررت قبل نشوب الحرب بعامين. بمعنى آخر وبدقة أكثر، وعلى عكس ما حاول بلير في شهادته أن يؤكد، تقررت إزاحة رئيس العراق قبل أحداث 11 سبتمبر ،2001 بثلاثة أشهر على الأقل. فالعبرة في النهاية هي إصرار توني بلير، باعتبار ما عرف عن إيمانه العميق بالفكر الإمبراطوري ودور بريطانيا المعاصرة في بعثه وتنشيطه، على أن المسألة ليست مؤامرة وإنما قرار سياسي له ما يبرره ضمن الإطار الإمبريالي، الذي لن يفهمه إلا قادة ورجال سياسة وحرب يعتنقون رسالة الحضارة الغربية وضرورات التبشير بها وفرضها إن لزم الأمر.

هكذا يجب أن نعرف كيف يفهم الغرب نظرية المؤامرة. تأميم قناة السويس كان مؤامرة، ولكن الاتفاق على شن الحرب في مدينة سيفر الفرنسية بين رؤساء حكومات بريطانيا وفرنسا و”إسرائيل” كان قراراً. المقاومة لتحرير أو حماية لبنان وفلسطين مؤامرة إرهابية، ولكن غزو “إسرائيل” لجنوب لبنان وفرض الحصار على الضفة الغربية وبوحشية أبشع على غزة قرارات وسياسات لها ما يبررها في عالم يعود، أو يحاول العودة، إلى العصر الذهبي للهيمنة الإمبريالية.

كان بلير، كما كانت مارجريت تاتشر من قبله، من أشد المؤمنين بقيمة التحالف البريطاني الأمريكي. كلاهما رفض أن يتعامل الآخرون مع العلاقة الأمريكية البريطانية باعتبارها عقداً بين دولتين، يتجدد كل حين أو تتغير شروطه وبنوده مع تغير الظروف. تصف بعض الكتابات العلاقة بين “إسرائيل” وأمريكا بالعقد طويل الأمد، بينما تدل مؤشرات عربية، وتؤكدها ممارسات وحروب عقود أربعة أو خمسة، على أن العلاقة “الإسرائيلية” الأمريكية، مثلها مثل العلاقة البريطانية الأمريكية علاقة تحالف عضوي وليس مجرد علاقة تعاقدية. والفرق كبير وكذلك مغزاه.

نستطيع الآن وبعد رفع الجلسات أن نفهم سبب اطمئنان المعلقين إلى أن لجنة التحقيق لن تحقق آمال قطاع كبير في الرأي العام البريطاني وتبرد غضب أهالي الجنود، إذ إنه في الوقت الذي كانت اللجنة تنهي جلسة الاستماع إلى بلير، كانت وكالات الأنباء العالمية تنقل أخبار الاستعدادات العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج، في خطوة تصعيد واضحة، أو ربما خطوة تمهيد أخيرة لحرب أمريكية بريطانية “إسرائيلية” ضد إيران. تكاد الظروف تتشابه أو لعلها تتطابق، تماماً كما توعد بلير في كلمته أمام اللجنة. أطراف الحرب الثلاثة مع جوقة من المشجعين تؤكد وجود أدلة على أن إيران صارت تمتلك بالفعل أسلحة دمار شامل، وأنها تدرب وتمول جماعات إرهابية. ويذهبون جميعاً، أعضاء الجوقة وقادة الحلف الإمبريالي الجيد القديم إلى حد القول إنه حتى مع افتراض أن إيران لا تملك أسلحة دمار شامل، فإن مجرد وجود نظام سياسي على الشكل القائم في طهران، هو في حد ذاته تهديد للسلام في الشرق الأوسط والعالم بأسره.

الكلمات بنصها والظروف مشابهة أو متطابقة، وبالتالي لم يكن متصوراً أن تصدر في لندن، وفي هذه الآونة بالتحديد، إدانة لبلير، لأن صدورها يحمل شبهة الإدانة لقرارات الإدارة الأمريكية، وهي قرارات لم يدنها الرئيس أوباما حتى الآن بما تستحقه من إدانة، ويعني وضع عقبة أمام خطة عسكرية أمريكية بريطانية “إسرائيلية” لشن حرب ضد إيران.

لم تهتم اللجنة بتصرفات بلير بعد خروجه من الحكومة، بينما يستطيع أي مدافع عن العدالة أن يجد مادة غزيرة تثبت أن الرجل ليس أميناً على مصالح بريطانيا. كتب جود آن جود توماس في صحيفة “الصانداي تايمز” يقول إن لبلير وجهاً آخر يعرفه المسؤولون في بعض الدول العربية، وبخاصة في الخليج وليبيا. اتهمته الصحيفة البريطانية بأنه يزور تلك الدول بذريعة السعي للحصول على معونات للشعب الفلسطيني، بينما هو في حقيقة الأمر يخدم مصالح شركته الخاصة التي أسسها بعد خروجه من الحكومة تحت اسم “TBA”، أو يخدم مصالح تجارية ومصرفية كبيرة باعتباره ممثلاً لمجموعة مصارف مورجان ويرافقه، كما تقول صحيفة “فاينيناشيال تايمز”، جوناثان باول مدير مكتبه في رئاسة الوزراء، وهو الآن موظف كبير في شركة مورجان ستانلي ويسافر بتكليف من الشركة لمرافقة بلير في رحلاته إلى ليبيا ودول عربية أخرى. ويعلق أوليفر مايلز نائب رئيس مجلس الأعمال البريطاني على هذه الزيارات بقوله “إنها غير لائقة على الإطلاق”. ونقلت الصحيفة عن أحد أقارب جندي قتيل في العراق قوله “إنها لفضيحة أن يقوم بلير بتكوين ثروة من وراء اتصالاته السياسية في المنطقة ومن دماء وأرواح الجنود الذين ماتوا في العراق”.

ما كان يمكن أن يقف بلير في قاعة الملكة اليزابيث الثانية في مركز المؤتمرات القريب من مجلس العموم البريطاني متحدياً الرأي العام، وفي حضور أهالي الجنود وعشرات من ممثلي الصحف ومنظمات المجتمع المدني، لو لم يكن مطمئناً إلى أن حكومة الرئيس باراك أوباما لن تفتح ملفات حرب العراق، بينما هي ملتزمة بتصعيد حرب في أفغانستان والاستعداد لشن حرب في إيران، ومطمئناً إلى أن منظمي لجنة التحقيق لن يوجهوا الدعوة لشهود من العراق أو لمواطنين بريطانيين من أصول عربية أو إسلامية. وبالفعل، كتبت ياسمين اليبهاي براون الكاتبة البريطانية في صحيفة “الإندبندنت” تقول إن اللجنة لم تطلب شهادة عراقي أو عربي أو مسلم واحد مكتفية بشهادة سيدة هندوسية من الهند.

لم ترق العدالة البريطانية هذه المرة إلى مستوى سمعتها في العالم، وخرج القرار الإمبريالي بشن عدوان على العراق واحتلاله وإعادة توزيع ثرواته بريئاً من شبهة المؤامرة.
"الخليج"