ارتباك في تل أبيب ودمشق تهدّد مجـدّداً../ يحيى دبوق


شُغلت إسرائيل، أمس، بعوارض ما بعد «الصدمة السورية»، بعدما حذّرت دمشق من أنّ شنّ أي حرب على سوريا أو لبنان، ستسبّب «حرباً شاملة». واتّجهت التصريحات والتعليقات الإسرائيلية إلى الحدّ من تداعيات «التهديد السوري»، فيما شذّ وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، وهدّد بإسقاط النظام في سوريا رداً على حديث الرئيس السوري بشار الأسد، أول من أمس، وقوله إن «الوقائع تُثبت أن إسرائيل تريد جرّ المنطقة إلى حرب»، وتحذير وزير الخارجية السوري وليد المعلم بالحرب الشاملة، سواء بدأت في جنوب لبنان أو في سوريا، أصدر مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بياناً رسمياً، حاول التخفيف من حدّة التصريحات والتصريحات المتبادلة، من خلال تأكيد المفاوضات والمسار التفاوضي مع سوريا، وأشار البيان إلى أن «رئيس الوزراء (الإسرائيلي) صرّح أكثر من مرة في السابق، بأنّه على استعداد للبدء بمفاوضات مع سوريا في أي مكان وفي أي وقت، من دون شروط مسبقة»، وأضاف أن «إسرائيل لا ترفض الاستعانة بأي جهة ثالثة كوسيط نزيه، شرط أن تكون قادرة على تحريك العملية السياسية مع دمشق». وبحسب بيان مكتب نتنياهو، فإن «سوريا هي التي تعرقل المفاوضات وتمنع إجراءها والوصول إلى تسوية تؤدي إلى السلام والأمن والازدهار لكل الأطراف».

أما وزير الخارجية الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، فأطلق جملة من التهديدات المباشرة باتجاه الرئيس السوري، محذّراً إياه من خسارة الحرب والسلطة في وقت واحد، في حال نشوب مواجهة مع إسرائيل. وأضاف ليبرمان في سياق كلمة ألقاها أمس في جامعة بار إيلان جنوب فلسطين المحتلة، إن «إقدام الرئيس السوري على مهاجمة إسرائيل يعني أنه سيخسر الحرب وسيخسر السلطة هو وعائلته»، مشيراً إلى أن «أقوال الأسد كانت بمثابة تغيير لقواعد اللعبة تغييراً دراماتيكيّاً، وتعدّ تهديداً مباشراً وتجاوزاً للحدود، وبالتالي لا يمكن أن نمرّ عليها مرور الكرام، لأنه هدد إسرائيل مباشرة».

وقال ليبرمان إن «كلام الأسد يعني أنه إذا هاجم حزب الله إسرائيل، وردّت هي عليه، فإن سوريا ستخوض الحرب وتهاجم الدولة العبرية ومدنها»، وشدد على أن «الرسالة الإسرائيلية إلى الأسد هي الآتية: في الحرب المقبلة لن تخسر الحرب، بل ستخسر السلطة، وستخسرها عائلتك، والأسد لا تهمّه أرواح الناس ولا القيم الإنسانية، بل يهتمّ فقط بالسلطة، وآمل استيعاب هذه الرسالة جيداً في دمشق».

وسارع رئيس الوزراء السوري محمد ناجي عطري، في أول رد فعل رسمي سوري على كلام ليبرمان، إلى التأكيد أن «من يستفز سوريا حالياً سيلقى إجابة على هذا الاستفزاز، ولن يكون مسروراً». وأضاف «نحن نمتلك مصادر القوة ومصادر الرد والمواجهة، وهذا شيء نعتزّ به ونملك شعباً مقاتلاً متمسّكاً بثوابته الوطنية والقومية».

وطوال ساعات، رفض مكتب نتنياهو التعليق على تهديدات ليبرمان، إلا أنه عاد وأصدر بياناً حاول فيه التخفيف من حدة التهديدات، من دون شجبها. وبحسب مكتب نتنياهو، فإن «رئيس الوزراء تحادث هاتفياً مع ليبرمان، وأكدا مجدداً أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق السلام مع سوريا، ومع ذلك فإنها ستردّ بحزم على أي اعتداء عليها»، الأمر الذي وصفه المحلّلون الإسرائيليون بأنه تخفيف من حدة التهديد ضد الرئيس الأسد، لكن من دون رفضه بالمطلق.

ورغم أن نتنياهو أصدر تعليماته إلى كل وزراء الحكومة الإسرائيلية بعدم التعليق في الموضوع السوري، وأبلغ سكرتير الحكومة، تسفي هوزر، الوزراء هاتفياً بأنّ عليهم الصمت حيال المسألة، كما ورد في الإذاعة الإسرائيلية أمس، فإن وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك دعا في سياق كلمة ألقاها أمام أعضاء حزب العمل، الرئيس الأسد إلى وقف التلاسن والتهديدات المتبادلة بين الجانبين، وقال: «إننا نسعى إلى مفاوضات مع سوريا، والتوصل إلى تسوية مع دمشق هي هدف استراتيجي إسرائيلي».

أضاف باراك: «أقول للأسد إنه بدلاً من تبادل الضربات الكلامية، تعال نجلس إلى طاولة المفاوضات، وأنا لست متحمّساً للتصريحات التي أطلقت في اليومين الأخيرين»، وهي إشارة فهمت على أنها تراجع أمام السوريين، وتتوافق مع مساعي نتنياهو إلى وجوب فرض التهدئة الكلامية بين الجانبين.

ردود فعل شاجبة

وكانت تهديدات ليبرمان قد أثارت عاصفة ردود فعل مستنكرة في إسرائيل، وأصدر حزب كاديما بياناً هاجم فيه نتنياهو ووزير خارجيته ليبرمان. وبحسب بيان كاديما فإنه «بدلاً من تهدئة الخواطر، تعمل إسرائيل الرسمية على تأجيج النار، ويجب على نتنياهو التعالي فوق مشكلاته السياسية وائتلافه، والتحلّي بالمسؤولية تجاه مستقبل إسرائيل، التي هي أكبر وأقوى من التصريحات الساخنة وعديمة المسؤولية» لليبرمان.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي السابق شاؤول موفاز، الشخصية القوية في حزب كاديما، إن «تصريحات ليبرمان عديمة المسؤولية وتؤدي إلى تصعيد كلامي وإلى واقع لا يريده أحد»، وأشار في مقابلة إذاعية أمس إلى أنه «يجب على القيادة الإسرائيلية أن تتحلّى بضبط النفس وموازنة كلامها جيداً، بعيداً عن إطلاق تصريحات كلامية ساخنة، والانجرار وراء محور المتطرّفين برئاسة إيران». وأضاف: «يجب على إسرائيل أن تعمل على إيجاد ردود على التهديدات، من دون الانجرار وراء أي تصعيد، ومن يرد السلام عليه أن يسعى لإيجاد الظروف الملائمة للحوار مع دمشق».

من جهته، قال عضو الكنيست عن حزب العمل، إيتان كابل، إنه «يجب على نتنياهو أن يوقف دعاية الحرب التي يطلقها ليبرمان، ويجب عليه أن يوقفه عند حدّه، إذ من المستحيل أن يبقى هذا الرجل في موقع حسّاس كوزارة الخارجية، وهو يتصرف بلا رادع ويفتقر إلى التعقّل، بل هو لا يدرك أهمية السلام مع سوريا وخطر الحرب معها»، مضيفاً أنه «لو كان رئيس الوزراء عاقلاً، لأودى بليبرمان إلى جهنم، بعدما تجاوز كل الحدود».

ودعا رئيس حزب ميرتس المعارض، عضو الكنيست حاييم أورون، نتنياهو إلى تنتحية ليبرمان من منصبه، وقال إنه «في وزارة الخارجية يجلس وزير حرب حوّل الدبلوماسية الإسرائيلية إلى صناعة إثارة الفتن، وبدلاً من تسوية أزمات يعمل ليبرمان ونائبه (داني أيالون) على افتعالها. وما دام ليبرمان يواصل أداء مهمات وزير الخارجية، فإن أقوال رئيس الوزراء عن السلام فارغة من أي مضمون».

عماد مغنيّة

في إطار التعليقات الإسرائيلية، توقفت صحيفة هآرتس عند «ربط وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، على نحو استثنائي وغير عادي، بين الحرب في جنوب لبنان، وأي مواجهة مسلحة مع سوريا»، وأشارت إلى أن «تهديد المعلم يأتي في موازاة الطلب الأميركي بتعيين سفير جديد في العاصمة السورية، بعد قطيعة استمرت خمسة أعوام».
وقالت الصحيفة إن «كلام المعلم يأتي رداً على تصريحات وزير الدفاع باراك، رغم أن كلامه جاء في إطار الدعوة إلى استئناف المفاوضات مع سوريا، ولم يكن تهديداً بحرب». وبحسب الصحيفة، فإن «موقف باراك يأتي ضمن مسار الجهود التي يبذلها من أجل مباشرة المفاوضات مع دمشق، لأنه يعتقد أنّ خطوة كهذه قد تسبّب ضرراً خطيراً للمحور الراديكالي الذي تقوده إيران، فباراك يعتقد أنّ فرص نجاح التسوية مع سوريا جيدة بما فيه الكفاية» لاستئنافها.

وكتب معلّق الصحيفة للشؤون العسكرية، عاموس هرئيل، أن «موقف باراك المؤيد للتسوية مع سوريا، يلقى دعماً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي (غابي) أشكينازي، إضافة إلى معظم ضباط هيئة الأركان في الجيش، وأيضاً رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية عاموس يدلين»، مضيفاً أن «القيادة العسكرية الإسرائيلية تعتقد بأن اتفاقاً مع سوريا، حتى مع ثمن إعادة الجولان إلى دمشق، سيؤدّي إلى تداعيات إيجابية لإسرائيل، وسيضعف الموقف الإيراني».

وقالت الصحيفة إن «كلام المعلم يعكس وجود مستوى من التوتر في المنطقة الشمالية (مع لبنان)، وهو مرتبط بالذكرى السنوية الثانية لاغتيال (المسؤول العسكري في حزب الله) عماد مغنية، إذ يخشون في إسرائيل من أن يحاول حزب الله تنفيذ عملية مدوّية ضد أهداف إسرائيلية في الخارج، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى رد متسلسل في الشمال».

في الإطار نفسه، قال معلق الشؤون العسكرية في القناة العاشرة الإسرائيلية، آلون بن دافيد، إن هناك حالة من الأعصاب المشدودة في الذكرى السنوية لاغتيال مغنية، وهناك خشية فعلية من تنفيذ حزب الله عملية انتقامية ضد إسرائيل، مضيفاً أن «هناك سيناريو آخر للتصعيد، فإذا رأت إيران أن العقوبات الدولية ستتعاظم عليها، فقد تقدم على تفعيل حزب الله ضد إسرائيل، وجرّ المنطقة إلى حرب».

رغم ذلك، أشار بن دافيد إلى أن «كلام المعلم لا يشير في الواقع إلى تهديد من سوريا بالحرب، بل هو دعوة لاستئناف المفاوضات والمحادثات السلمية مع إسرائيل، علماً بأنه ليس لدينا من يريد تحمّل المسؤولية، رغم وجهة نظر وزير الدفاع ورئيس الأركان، الداعية إلى استئناف المفاوضات مع السوريين».

من جهته، أشار معلّق الشؤون العربية في القناة الأولى الإسرائيلية، عوديد غرانوت، إلى أن «وزير الخارجية السوري وليد المعلم لم يسمع أو لم يفهم ما قاله باراك، وبالتالي اكتفى بأن يسمع كلمة حرب كي يتحدث عن حرب شاملة». أضاف إن «حديث المعلم يأتي في الوقت الذي يفحص فيه الأميركيون النيات السورية، بعلم من تل أبيب، حيال تجديد مسار المفاوضات، علماً بأنه لا خلاف لدى أحد بعدم وجود نيّة دمشق للتوجه إلى حرب في هذه المرحلة، بل إنهم عندما يتحدثون عن حرب فهم لا يقصدونها».

أما معلّق الشؤون العربية في القناة الثانية الإسرائيلية، إيهود يعري، فأشار إلى أن «أهم ما ورد في كلام وزير الخارجية السوري، هو التهديد بأنه في أي حرب مقبلة سنستهدف المدن الإسرائيلية، والسوريون هم قادرون بالفعل على القيام بذلك، وأيضاً حزب الله قادر على استهداف المدن في إسرائيل»، مضيفاً أن «الخطير في كلام المعلم هو الربط بين سوريا وجنوب لبنان كجبهة واحدة، فدمشق تتحدث عن حرب شاملة في حال تدهور الأوضاع الأمنية بين إسرائيل وحزب الله في جنوب لبنان، الأمر الذي يعدّ خروجاً عن السياسة السورية الثابتة تجاه إسرائيل منذ ثلاثين عاماً، والتي تنصّ على أنه لا التزام سورياً بالردّ على إسرائيل، إذا ما قامت بأي عملية عسكرية في لبنان».

قضم في ردع إسرائيل

من جهته، رأى محلّل الشؤون الأمنية في موقع «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، أن هناك اتجاهات عدة داخل المؤسسة الأمنية في «محاولة تحليل الدوافع التي تقف وراء التصريحات الحربجية التي توالت من الشمال الشرقي». ورأى الكاتب أن التفسير الأكثر ترجيحاً وسط الخبراء المعنيين في الملف السوري يرى أن خلفية التصريحات السورية ليست الخشية من هجوم إسرائيلي، بل شعورهم بأنهم «يركبون حصاناً ويريدون استغلال تصريحات باراك وتحويلها نحو الضغط على إسرائيل».

وأشار الكاتب إلى أنه وفقاً لهذه الفرضية التي «يوجد ما يؤيدها في المعلومات الواردة من دمشق» ترى القيادة السورية تصريحات باراك بشأن خطر اندلاع مواجهة شاملة «دليلاً على ضعف إسرائيل وخشيتها من قوة المنظومة الصاروخية الموجودة في حوزة كل من سوريا وحزب الله». وأوضح بن يشاي أن قادة سوريا يحاولون استغلال هذا الضعف، ولذلك يعمدون إلى زيادة تهديداتهم لإسرائيل. ونقل الكاتب عن خبراء في الشأن السوري قولهم إن باراك أخطأ في قول ما قاله بالطريقة التي «أدت إلى حصول قضم في الردع الإسرائيلي».
-----------
* الاخبار