هل تقرأ إسرائيل الخريطة؟../ عوض عبد الفتاح

هل إسرائيل معنية بتفجير الوضع أو خلق مواجهة مع الشعب الفلسطيني على جانبي الخط الأخضر، أم أنها تقدّر أن ما تقوم به من هجمات وممارسات وقوانين استيطانية وعدائية وعنصرية لن يؤدي إلى انفجار شعبي شامل؟ هل كل ما تقوم به حكومة نتنياهو مرسوم منذ البداية أم أن بعض هذه الإجراءات العدوانية تأتي تحت ضغط قوي أكثر يمينية وتطرفًا سواء من داخل الائتلاف أم من خارج الائتلاف؟

لا شك أنَّ إسرائيل لم تواجه سؤالا أو أسئلة على وجودها كما تواجه اليوم منذ حرب عام 67. تلك الحرب التي كان أخطرها بالنسبة للعرب أنها أمدّت المشروع الصهيوني بالثقة بديمومته. أما أخطرها بالنسبة لليهود فإن تلك الحرب العدوانية كرستهم ضحية لحكام إسرائيل والعقلية الصهيونية الكولونيالية والتضليلية وحولتهم إلى وقود لحروب مستمرة تحرقهم وتحرق أبناء البلاد الأصليين.

حرب الدولة العبرية لم تتوقف ضد الشعب الفلسطيني للحظة في كافة أماكن تواجده بما فيه الجزء الذي فرضت عليه المواطنة الإسرائيلية. وقد اتخذت هذه الحرب أشكال متنوعة، ووتائر مختلفة. فبدءًا من الحروب الشاملة إلى “الإحتلال المتنور” الذي حطمته الإنتفاضة الأولى في أواخر الثمانينيات، إلى أكذوبة المساواة والديمقراطية داخل الخط الأخضر التي تهاوت تحت أقدام المنتفضين العرب في الأيام الأولى من شهر أكتوبر عام 2000، إلى اعتماد الجيوش والطائرات والدبابات ضد المقاومة الفلسطينية في الشتات وداخل الضفة والقطاع.

تدرك إسرائيل أن جميع هذه الحروب والسياسات لم تنهِ الحلم الفلسطيني. وظنـّت للحظة ما، وعلى أثر تهاوي شرائح من النخب السياسية ومعها بعض المطبلين، أن سياسة فرض الأمر الواقع تحققت. ولكن وعندما تكشفت الآثار المدمرة لسياسة المفاوضات العبثية والنهج التسووي، بدأ الوعي الفلسطيني يعود بقوة إلى الأصول. بل بدأت نخب سياسية جارت أو سايرت بنسب متفاوتة نهج القيادة الفلسطينية الرسمية لفترة من الزمن، بدأت تطالب بالعودة إلى أصل القضية. هذا ناهيك عن إستعادة محور المقاومة (الإقليمي) لعافيته وليشكل تحديًا استراتيجيًا للمشروع الصهيوني، وإن كان هذا المحور يواجه بمحور عربي متواطئ ومتحالف مع أعداء المقاومة والعروبة.

إذاً ما هو المنطق الإسرائيلي من وراء التصعيد المستمر والمتجدد ضد الفلسطينيين في الضفة والقدس وفي الجليل والمثلث والنقب والساحل، أي ضد من هم رابضون في وطنهم التاريخي؟ هل كل ذلك نابع من الثقة بقوتهم وتحالفاتهم، أم من خوف وقلق حقيقي على مشروعهم الكولونيالي العنصري؟ ماذا يعني مشروع نتنياهو – تجديد الصهيونية وتعزيز العلاقة مع ما يسمى التراث اليهودي في “ارض إسرائيل” - فلسطين التاريخية؟ لماذا هذا الهجوم الإستيطاني الضاري والمستمر على القدس الشرقية وعلى بقية الضفة الغربية؟ لماذا هذا الهجوم الضاري على الوجود العربي في الداخل؛ هدم البيوت بالجملة، مصادرة الأرض، محاولات تغيير الولاء عند عرب الداخل، ومنع إحياء النكبة أو فرض القيود على أحيائها والعودة إلى اعتماد قوانين الطوارئ، إفقارهم، إطلاق العنف الداخلي كنتيجة لسياسة الإفقار وكوسيلة للسيطرة عليهم لماذا هذا كله رغم كل التحذيرات من إمكانية انفجار الوضع؟

ينطلق ذلك من مأزق بدأت تعيشه إسرائيل. هناك تسليم إسرائيلي جزئي بأن الشكل الذي اتخذه المشروع الكولونيالي العنصري في فلسطين التاريخية لا يمكن أن يسلَّـّم به عالميًا إلى ما لا نهاية، ناهيك عن عدم التسليم به فلسطينيًا وعربيًا (مقاومة). إسرائيل ليست جاهزة ولا راغبة ولا قادرة على قبول دولة فلسطينية مستقلة، ولا هي مستعدة لتحويل ذاتها إلى دولة المواطنين أي إلى دولة ديمقراطية على غرار الدولة الأوروبية التي كانت المصدر لإنشاء دولة اليهود، كما أنها ليست مستعدة لدولة ديمقراطية واحدة في فلسطين.

إنها متمسكة بإعادة تنظيم المشروع الكولونيالي وإعطائه شكلاً آخر، تعتقد أنه قد يكون صالحًا للمناورة ومفيدًا في حماية صورة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية تمارس في الوقت ذاته الإحتلال غير المباشر على الضفة والقطاع والقدس، وتمارس الهيمنة الكاملة والتمييز العنصري ضد 1,2 مليون فلسطيني ضمن حدودها المعترف بها دوليًا.

وعندما لا يكون أي فلسطيني مستعدا لقبول أقل من الحد الأدنى، فإسرائيل تهيئ نفسها وتضع الخطط لفرضه باستعمال المزيد من القوة والقمع. فهل إسرائيل تعرف مقدار الربح والخسارة من هذه السياسة؟ ليس بالضرورة أن تكون متأكدة من حساباتها. ففي العقد الأخير أخطأت حساباتها أكثر من مرة، وعندما تصل الدولة العبرية إلى مأزق استراتيجي، فليس أمامها إلا خياران: إما التوقف أمام بروز تحديات حقيقية أمام مشروعها وبالتالي إعادة النظر في سلوكها ومنهجها بحيث تخضع لمنطق العدل النسبي، وإما أن تواصل اعتماد القوة مع ما يعني ذلك من مقامرة في النتائج.

في هذه الأثناء، رغم حالة الحركة الوطنية الفلسطينية البائسة فلا يستبعد العديد من المراقبين بما فيهم إسرائيليون أن يستأنف الحراك الشعبي المقاوم وتتصاعد ردود الفعل المتفرقة العفوية والمنظمة التي تشهدها الساحة الفلسطينية في الآونة الأخيرة.