الاعتذار لبايدن تمهيد لاستمرار الاستيطان../ كلوفيس مقصود*

يبدو لأول وهلة أن صفاقة وعنجهية نتنياهو في تقديمه الاعتذار عن التوقيت لإعلان قرار بناء 1600 وحدة سكنية في القدس الشرقية وليس عن مضمونه، لم تقه هذه المرة من الانفعالات عن إدانة تبدو حاسمة بشكل ما، إذ إن محاولات “إسرائيل” في اليومين الأخيرين التقليل من أهمية الاستياء العلني الذي أعلنته الخارجية الأمريكية، وما بدا من مصطلحات تشير إلى حسم موقف أمريكي معترض أو معارض لاستمرار تكثيف عملية التهويد للقدس المحتلة، وإعلام “إسرائيل” أن “تجميد” الاستيطان لا ينطبق على القدس، ذلك أنها كلها “عاصمة أزلية وأبدية “لإسرائيل”” .

لذا هذا الموقف الأمريكي المتباين - أو قل المتناقض- مع السياسة “الإسرائيلية”، هل من شأنه دفع إدارة أوباما إلى مراجعة جذرية لسياستها، تؤول إلى تقليص مستوى التحيز باتجاه موقف وسياسة أكثر موضوعية، بمعنى أن الالتزام بحل يضمن قيام دولة فلسطين على الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية عاصمة لها، وبالتالي بالسيادة الكاملة أرضاً وجواً وبحراً - مع إقرار بحق العودة، تتعايش معه “إسرائيل” آمنة، كما أعلن نائب الرئيس الأمريكي قبيل الإهانة الواضحة له في اليوم التالي من زيارته لكل من “إسرائيل” والسلطة الوطنية.

وإذا كان المضي باتجاه الموضوعية واردا، فالخطوة الأولى هي أن تنتزع الإدارة الأمريكية من “إسرائيل” اعترافاً واضحاً بأنها في القدس الشرقية وقطاع غزة والضفة الغربية هي سلطة احتلال، وبالتالي مفروض عليها الامتثال لاتفاقيات جنيف الرابعة، وأن يكون هذا الاعتراف من دون أي لبس أو غموض، وهو ما اختبرناه طيلة الثلاثة وستين عاما الماضية.

إذ من دون استقامة المعادلة فسوف تتعمق الفجوة القائمة ويسود انطباع أو بالأحرى اقتناع بأن الاستياء والإدانة قد يدفعان السلطة الفلسطينية لاستئناف “المفاوضات غير المباشرة”، واعتبار ما حدث تحولاً رئيسياً في الموقف الأمريكي من “إسرائيل”.

قد يبدو هذا الاستنتاج منطقياً للذين ينادون بـ”الواقعية”، إلا أن تداعياته ستكون شديدة الضرر على مستقبل القضية الفلسطينية بمجملها، ذلك أن تصديق تعليمات جديدة قد صدرت إلى بلدية القدس تقضي بعدم تناول خطط جديدة للبناء يشكل مصيدة خانقة للسلطة الفلسطينية، لأن التأجيل لإشعار آخر ينطوي على استئناف تنفيذ التعليمات لا على إلغائها. وحيث إن موضوع الاستيطان سوف يبحث في اليومين القادمين أثناء مؤتمر حزب الليكود، بأن يحمل نتنياهو التعهد باستئناف البناء بعد انتهاء مرحلة التجديد، عندئذ قد يكون اجترار “المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة” إمعاناً في شراء الوقت بهدف استكمال المشروع الصهيوني القاضي بإسقاط بند القدس من أية مفاوضات قادمة.

صحيح توصيف وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون بأن التوسع في الوحدات الاستيطانية في القدس الشرقية يشكل خطوة سلبية جداً بالنسبة للعلاقات الأمريكية - “الإسرائيلية” . لكن التوصيف رغم أهميته يجب أن تتبعه إجراءات ضاغطة قبل أن يتكرر الاكتفاء بهذا القدر. لأن التوصيف اذا لم تلازمه إجراءات عقابية ضاغطة فإن اللوبي “الإسرائيلي” لا يزال بمقدوره تمييع “الأزمة” من خلال نفوذه في الكونجرس. إلا أن طلب المبعوث الأمريكي من رئيس السلطة الفلسطينية “بأن تبدأ المفاوضات غير المباشرة بناء على اعتذار نتنياهو”، فإن هذا يدل على أن الإدارة الأمريكية لا تزال تعتقد أن الاعتذار كاف من دون الأخذ بعين الاعتبار أن ما قام به نتنياهو هو مجرد تهدئة للغضب الذي استولدته الإهانة لبايدن، علماً بأن عمليات الاستيطان سوف تستأنف بعد شهور، و هذا يعني أن ما يقام في القدس “ليس استيطاناً” كما أكد نتنياهو مراراً.

أن تبقى “إسرائيل” بما ينطوي على سلوكها من مخاطر -على الأمة العربية إجمالا وعلى الشعب الفلسطيني- منفلتة من أية عقاب جدي ورادع للتمادي، وضاغط عربياً ودولياً، وخصوصاً أمريكياً”- حتى تمتثل لمسلمات حقوق الشعب الفلسطيني، وبالتالي تقييد فرض قدرتها على استمرار وضع العالم أمام وقائع جديدة، كما يحصل الآن في القدس، ومحاولتها الدؤوبة الإمعان في الإمساك بالقرارات المصيرية للمنطقة بأسرها من خلال اختراق وحدة المصير لدول وشعوب المنطقة، كونها “حامية الاعتدال ضد التطرف” تارة، وتارة كون تحريضها المحموم على إيران يؤهلها لأن تعتبرها الولايات المتحدة “الحليفة الأضمن”، أو أنها مؤهلة وحدها لتعريف الإرهاب بمعنى دمج مفهوم المقاومة، خاصة لها، بأعمال إرهابية مثبتة.. فالمقاومة تنطوي على ثقافة الحياة من خلال التحرير في حين أن الإرهاب يعمل على تعميم عبثية ظلامية غير عابئة بحياة البشر، وكون المباغتة كأسلوب هو ابقاء الخوف سائداً والتخويف مدخلا للتسلط، بمعنى آخر تمجيداً لمنهج الانتحار وإدماناً على العداء لأهداف كل مقاومة وبالتالي للحضارة التي تنطوي عليها مفاهيم الحرية والعدالة والكرامة.

لذا يستتبع النفاذ بما ينطوي عليه تنفيذ المشروع الصهيوني، هو أن ننفذ بدورنا إلى الدروس التي اشتمل عليها اسلوب التعامل الذي يمارسه نتنياهو مع تزامن تنفيذ قرار وزير داخليته بناء 1600 وحدة سكنية في القدس الشرقية. لعل هذا الحادث في الأسبوع الماضي قد يؤول إلى دفع الإدارة الأمريكية لمراجعة أوجه من التحيز إلى دورها في الصراع العربي - “الإسرائيلي” من جهة، ويقلص من التحيز الأعمى الذي يميز معظم أعضاء الكونجرس الأمريكي. إلا أن التوعية بمخاطر المشروع الصهيوني في المنطقة لا يجوز أن تنحصر بما تبديه قوى في الإدارة الأمريكية من امتعاض لاستفزازات “إسرائيل” واعتذاراتها، كما حصل مع بايدن. بل أن تدرك “إسرائيل” أن لشراسة عدوانها وفرض وقائع على الأرض واعتبار القدس بما فيها الجزء الشرقي منها عاصمة لها، فهذه الأعمال والممارسات واستغباء “حلفائها” كما هو معروف عن بايدن وخصومها سوف يكون له كلفة باهظة.

إن محاولة توظيف بعض مقولات مثل التي يوردها كمقولة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد “إزالة “إسرائيل” من على الخارطة” يمكن أن يستمر على استمرار “إسرائيل” في إلغاء فعليّ لفلسطين من الخارطة لن تنطلي على العرب أو على العالم. أجل، كل هذا الذي يحدث في فلسطين يستوجب إجراءات عربية رادعة تضع حدا لمقدرة “إسرائيل” على تحدي الشرعية الدولية والاستهانة بعوامل وحدة المصير بين العرب.

نشير إلى ما علينا ممارسته من قطع للعلاقات القائمة مع “إسرائيل”، وإعادة قوانين المقاطعة، وتكثيف عملية تفنيد الأخطاء والخطايا التي تمارسها وترتكبها، ومن ثم الدعوة لحقوق الشعب الفلسطيني كحقوق للإنسان وشرط للاستقرار والتنمية في الوطن العربي، وإخراج آخر نظام أبارتيدي في عالمنا الحاضر، تمهيدا لحوار مجدٍ بين الأديان والثقافات، واستحضاراً لما هو مغيب عن عصرنا الحاضر- أي السلام، المساواة، العدالة. هذه كلها أمور مرشحة لأن تبقى في حيز التمني إذا لم نوفر لها فرص الصيرورة. هذا هو المغزى الأعمق للصراع العربي الصهيوني، فهل هذا طموح في غير محله؟
"الخليج"