سياسة الضعف.. وضعف السياسة../ سمير كرم

بداية لا بد من إيضاح.
ان تعبير سياسة الضعف العربي يحمل معنى يختلف عن ذلك الذي يحمله تعبير ضعف السياسة العربية.
وعلى الرغم من اقتناعنا بأننا نعاني من الاثنين: سياسة الضعف العربي، بمعنى أن الضعف صار سياسة عربية متبعة ومنتهجة، وضعف السياسة العربية بمعنى أن السياسة العربية تعاني من ضعف يكاد يصبح مزمناً، إلا أننا نناقش هنا ما نصفه بسياسة الضعف العربي، أي اتخاذ الضعف، وإيجاد المبررات له كسياسة في مواجهة إسرائيل ومؤيديها ... ومنتقديها على السواء.

حين تختار دولة عربية انتهاج سياسة ضعف في التعامل مع إسرائيل ـ خاصة إذا كانت دولة كبيرة سكانياً وتاريخياً وثقافياً وأيضاً عسكرياً، وتملك أسلحة أميركية فعالة بعد أن قررت نقل مصدر تسليحها من الاتحاد السوفياتي الى الولايات المتحدة، حتى قبل ان يتفكك الاول، فهذا فعل إرادي، معناه إغفال ما لديها من مصادر، كان يمكن ان تكون مصادر لسياسة قوة في مواجهة اسرائيل. معناه اقتناع لديها ـ وإن لم تشاركها فيه جماهيرها او جماهير الأمة العربية ـ بأن التعامل من موقع أدنى مع إسرائيل هو، أو يمكن أن يكون، سياسة ناجحة ومفيدة في الحصول على ما لا تحصل عليه بالقوة.

اما حين تضعف السياسة العربية ـ لهذا السبب، او لأسباب أخرى تتعلق بالتمسك بالسلطة والاعتقاد بأن السلطة ترتكز الى حماية او مظلة استراتيجية اميركية، فهذا معناه، فعل غير إرادي، يتسرب الى مصادر القوة ويحولها الى حالة ضعف، لا يمكن معها الدخول في معارك مع الأقوياء .. وخاصة اسرائيل.

إن ضعف السياسة العربية يمكن أن ينتج عن سياسة الضعف العربية، لكن هذه لا يمكن ان تنتج عن ضعف السياسة العربية. ذلك ان سياسة الضعف العربية يمكن ان تكون اختيار طرف قوي، ان يضعف امام عدوه ... اي نتيجة قرار بأن قوته لا تفيده في المواجهة مع عدو قوي، بصرف النظر عن اعتبارات الحق والقانون.

نحن نتحدث ـ او يمكن ان يكون حديثنا ـ عن سياسة مصر الرسمية. ونتحدث ـ او يمكن ان يكون حديثنا ـ عن سياسة السعودية الرسمية. وبصدد مصر فإن أي تصور بأن مصر بلد ضعيف، وبالتالي فإن سياسته ضعيفة، ولهذا ينتهج سياسة الضعف رافضاً المواجهة مع اسرائيل، هو تصور خاطئ.

فإن مصادر قوة مصر لا تزال موجودة وقابلة للتطور. هي قوية سكانياً، تعدادها لا يقل عن ثمانين مليون نسمة، اي انها اكبر بلدان المنطقة العربية وإقليم الشرق الاوسط سكانياً. وهذا احد مصادر القوة التي لا يمكن الاستهانة بها. فلنتذكر نصيحة فيديل كاسترو لمصر عندما وقعت هزيمة حزيران 1967 وقبلت مصر وقف إطلاق النار. ان باستطاعة مصر ان تجتذب جيش اسرائيل الى داخل منطقة الدلتا ذات الكثافة السكانية العالية، وهناك يمكن ان تغرق القوات الاسرائيلية الغازية في طين الدلتا حيث لا قبل للدبابات بهذه البيئة. وأن تغرق في الوقت نفسه في بحر المقاومة الشعبية ... وهناك تكون نهايتها. وقتها لم يكن تعداد مصر يتجاوز 30 مليون نسمة. فما بالنا بثمانين مليوناً.

إن مصر لم تتوقف عن التزود بالأسلحة من الولايات المتحدة (وغيرها من دول الغرب) منذ ان قطعت علاقاتها الاستراتيجية بالاتحاد السوفياتي بقرار ساداتي اتخذ بعد فترة قصيرة من حرب تشرين 1973، حتى لا يقال ان مصر تستطيع ان تعتمد مرة اخرى على التسليح السوفياتي. بل ان مصر لم تتوقف عن تنفيذ برنامج شامل للتدريبات العسكرية بالتعاون مع الولايات المتحدة. فضلاً عن المناورات التدريبية الواسعة النطاق التي تجرى مع القوة الأعظم الوحيدة في العالم باسم «النجم الساطع»، وبالأسلحة الأميركية والتدريب والمناورات مع اميركا لا سبيل للقول بأن مصر ضعفت عسكرياً.

المسألة اصبحت مسألة توجه مصر الاستراتيجي بعد توقيع معاهدة السلام مع اسرائيل (1979) بعيداً عن التوجه الذي التزمت به منذ سنوات ما قبل ثورة 1952 وبعد هذه الثورة حتى حرب تشرين 1973. وقد تطور توجه مصر الاستراتيجي في السنوات الأخيرة ليكون اكثر ارتباطاً باستراتيجية حلف شمال الأطلسي (الناتو) ... وهو التوجه الاستراتيجي نفسه الذي ذهبت نحوه اسرائيل ايضاً في السنوات الاخيرة، مع اختلاف جوهري هو أن الارتباط بـ«الناتو» لم يمنع ولا يمنع اسرائيل من تنفيذ توجهاتها الاستراتيجية ضد مواقع القوة العربية: المقاومة الفلسطينية من ناحية والمقاومة اللبنانية من ناحية اخرى، والتحالف السوري الإيراني من ناحية ثالثة.

لقد استطاعت مصر ـ بسياستها الجديدة مع اسرائيل والولايات المتحدة ـ ان تستمر في الاحتفاظ بقوة عسكرية لا يستهان بها، ولكن أهداف هذه القوة تشترك مع أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة: مواجهة التحدي الإيراني، ومواجهة المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية تحت مسمى مكافحة الإرهاب.
لماذا تنتهج مصر سياسة الضعف وهي تحتفظ بهذه القوة العسكرية التي لا يستهان بها؟

قبل معالجة هذا السؤال نشير الى ان ما ينطبق على مصر ينطبق على السعودية، التي تملك مخزوناً ضخماً من الأسلحة الأميركية والفرنسية والبريطانية (انما الاميركية بالدرجة الاولى) يجعلها في مقدمة الدول القوية عسكرياً في هذا الإقليم.

وشأنها هنا شأن مصر. فإن التوجه الاستراتيجي ـ في التسلح وفي التدريب وفي العلاقات الخارجية ـ شأنه شأن مصر يفرض مقتضيات التحالف مع الولايات المتحدة، والسير بجدية ودأب، في طريق عدم مناوأة اسرائيل، لا عسكرياً ولا سياسياً، تمهيداً لظروف تستطيع فيها المملكة ان تدخل مع اسرائيل في «كامب ديفيد» خاصة بها. وهذه ظهرت بوادرها في المبادرة العربية (السعودية) المعروضة على اسرائيل، والتي تنتظر استعداد اسرائيل لسلام يعقد مع السعودية تحت مظلة اميركية بالمثل.

خلاصة القول ان السعودية بدورها ـ وعلى الرغم من انتهاج سياسة ضعف في المواجهة مع اسرائيل وفي التعامل مع القضية الفلسطينية ـ هي دولة قوية بمقاييس كثيرة. ولكنها قررت منذ سنوات ان تتحالف مع مصر على اساس من استحالة مناوأة اسرائيل، لأن ذلك يعني مناوأة الولايات المتحدة ومعاداتها، الأمر الذي يمكن ان يؤدي الى توقف مظلة الحماية الأميركية.

ان الولايات المتحدة لا تسمح ـ لأي سبب، وبأي قدر ـ بأن يكون حلفاؤها الأساسيون في منطقة ما ضعفاء. ينطبق هذا على مصر والسعودية في الشرق الاوسط، وعلى باكستان والهند في جنوب آسيا، واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان في الشرق الأقصى. بل نستطيع ان نؤكد ان اميركا لن تترك العراق ـ بعد كل ما جرى فيه على يديها حليفاً ضعيفاً. وما يصدق على الولايات المتحدة هنا يصدق بالتمام على حلف «الناتو»، فإنه لن يقبل عضوية كاملة او انتساباً لدولة ضعيفة، لأنها عندئذ تصبح عبئاً عليه.

علينا ان ننزع من أذهاننا أي تصور بأن مصر والسعودية دولتان عربيتان حكم عليهما بالضعف باعتبار الضعف السمة الضرورية الأولى لانتهاج سياسة ضعف.

المسألة مسألة اختيار، ولو أننا ألقينا نظرة على «الجبهات الأخرى» للسياسة الخارجية المصرية ـ غير جبهة اسرائيل/فلسطين ـ باحثين عن مظاهر ضعف مصرية من الناحية العسكرية بنوع خاص، فإننا لن نجد شيئاًَ من هذا. إن روح التحدي التي تبديها الدبلوماسية المصرية تجاه إيران ـ وهي طرف إقليمي قوي بدليل تردد الولايات المتحدة وإسرائيل بكل ما تملكان من وسائل القوة في مهاجمتها ـ تدل على ان مصر لا تشعر بأنها ضعيفة ولا تود ان تبدو ضعيفة في حالة ما اذا تفجرت حرب كانت إيران على الجانب الآخر فيها، واضطرت مصر لخوضها باسم الدفاع عن «عروبة الخليج» مثلاً، او باسم مواجهة «أخطار التوسع» الإيراني او الفارسي في المنطقة.

وقد سبق ان رأينا كيف ان مصر استخدمت لغة التهديد بالقوة ضد حزب الله (الذي تمكن من إلحاق الهزيمة بإسرائيل) اذا اقتضى الأمر (...).

وبالمثل سبق أن رأينا مصر تستخدم لغة التهديد ضد المقاومة الفلسطينية في غزة (التي تمكنت من الصمود في وجه الآلة الحربية الاسرائيلية المزودة بأحدث اسلحة اميركا التي لم تكن قد جربت بعد) وأيضاً إذا فرضت ذلك «مقتضيات الدفاع عن الأمن المصري».

وإذن فإن سياسة القوة مطروحة وعلناً في حالة المواجهة مع اعداء الولايات المتحدة وإسرائيل ... مثلما ان سياسة الضعف مطروحة وعلناً في حالة المواجهة مع اسرائيل.

فضلاً عن هذه العوامل كلها فإن دولة سياسة الضعف هي نفسها الدولة الأقوى داخلياً. إنها تملك من القوة ما يمكنها من ردع جماهيرها، وفي حالة وجود معارضة سياسية داخلية منظمة، ردع هذه المعارضة بالقوة، او سحقها اذا ابدت بوادر تمرد.

إن دولة سياسة الضعف تحصن نفسها داخلياً بقوة السلاح، وهو سلاح الجيش وسلاح امن الدولة. وقد نتصور أن إمكانيات الدولة المحصنة أمنياً تمثل مستوى من القوة ادنى من مستوى القوة التي تحتاج اليها المواجهة الخارجية. ولكن هذا ـ بدوره ـ تصور خاطئ وبعيد كثيراً عن الواقع. إن دولة سياسة الضعف تعتمد في تنفيذ سياساتها الخارجية التي يعارضها شعبها باتجاهاته السياسية الثابتة على قوة تسليحية وتدريبية مأخوذة في الاعتبار في التحالفات الخارجية التي توفر التسليح والتدريب.

وفي بعض نماذج أو حالات دولة سياسة الضعف يتضح أيضاً أن ثمة اعتماداً في ممارسة السلطة داخلياً على استعداد للتدخل لصالحها من جانب الحليف الخارجي القوي الجاهز قريباً منها بقواته وأسطوله وأسلحته المخزونة، اذا ما لاح خطر داخلي على هذه الدولة. وبهذا المعنى فإنها «محصنة» ضد احتمالات التمرد او الثورة الداخلية، لأن الدفاع عن وجودها جزء من صيانة مصالح الطرف الخارجي الحليف.

إن قوة دولة سياسة الضعف قوة مشروطة... وأوضح شروطها وأكثرها علانية هي سياستها الخارجية الضامنة لعدم استخدام هذه القوة في غير الاتجاه الذي تمثله التحالفات والاتفاقات الخارجية الرئيسية الإقليمية والدولية. مسموح لها بأن تعبر عن قوتها ـ بل أن تستخدمها اذا لزم الامر ـ في تأكيد التزاماتها الإقليمية والدولية: الإقليمية مع اسرائيل والدولية مع الولايات المتحدة، وفي الاتجاه الذي يتفق مع الخطة الشاملة لتوسيع نطاق حلف «الناتو» في المنطقة.

وتتضح قوة سياسة الضعف العربي في إضعاف التكتل القومي للعرب. وهذا يتم عن طريق وضع قوة هذه الدول ضد عوامل المقاومة القوية في مواجهة اسرائيل .. حين يتضح ان المقاومة تبذل جهداً هائلاً للتعويض ـ على الإقل ـ عن فقدان التوازن الناتج عن وجود القوى العربية الرئيسية خارج اطار المواجهة مع اسرائيل. بل في اطار معاونة اسرائيل على التصدي لقوة المقاومة من ناحية، والتصدي للتحالف الإقليمي الأوحد مع المقاومة، متمثلاً في التحدي السوري الإيراني.
"السفير"