خيار استراتيجي عربي على باب الله!../ ناصر السهلي*

هل من جديد لو قلنا بأن العلاقات العربية- العربية ليست كما يجب؟
أبدا، لا جديد في الأمر.

لكن، المدهش أن العرب صار لهم شهر مقدس.. مارس/آذار من كل عام.. يتحركون فيه بينيا كما لم يتحركوا طوال عام كامل.. فيه زيارات مكوكية ولقاءات ثنائية وثلاثية وتصريحات وحراك يجعلك تشعر بأن الزعماء أصحاب همة ورشاقة ذهنية لا يمكن وصفهما.

الناظر إلى الديمقراطية التي يمارسها بعض العرب في الجامعة العربية قبل أيام من اجتماع الزعماء، أطال الله بأعمارهم لشعوبهم وأمتهم، تشعرك وكأنك في عالم عربي يختلف عن بقية أشهر السنة الأخرى.. بل يتجاوزون ويحطمون في هذا الشهر الأرقام القياسية للتصريحات السياسية وغير السياسية.. باستثناءات بسيطة، بعضها من النوع الذي لا تسمع صوته سواء في مارس أو ديسمبر.. والبعض القليل ثابت في القول والفعل..

في الصباح الباكر، أقرأ الصحف والمواقع الإخبارية لأكتشف مدى ما وصل إليه حالنا مع زعماء، أطال الله بأعمارهم مرة أخرى، من شفافية ومصارحة لا مثيل لها عند أمة من الأمم القريبة والبعيدة عنا.. خفق قلبي لخبر:

"وذكر دبلوماسيون عرب الأربعاء أن المشروع الذي أطلق عليه اسم رابطة الجوار العربي، يهدف إلى توثيق التعاون في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية مع عدد من الدول التي تشكل محيطا جغرافيا للعالم العربي"( الجزيرة نت 24 مارس 2010)

قلت لنفسي ألا ترى كيف أن قياداتنا تعرف كيف تدير الاستراتيجيات، فالآن صارت إيران وتركيا مثل نيجيريا وإيطاليا واليونان وإسبانيا.. جميل..

لكنني تذكرت فجأة شيئا أهم من كل هذا..
سأترك للقارئ البحث عن جواب لسؤالي: كم مرة جرى فيها سحب السفراء العرب فيما بينهم؟ وكم مرة وصلت الأمور حد الاستنفار العسكري والاقتصادي والإعلامي في علاقات العرب بعضهم ببعض؟.. وكم مرة سمعنا عن وعود بإصلاح الجامعة العربية مذ تسلمها السيد عمر موسى، الذي فاقت شعبيته يوما شعبية كل الرؤساء العرب؟

سًئل الرئيس السوري بشار الأسد مساء الأربعاء24 مارس سؤالا مباشرا من عمرو ناصيف ( المنار) عما إذا كانت هذه القمة آخر القمم العربية.. تبين لي أن الرئيس الأسد مثل أي مواطن عربي مطلع على تفاصيل ما يدور في الشارع العربي.. نفى ذلك وأصر على وجوب استمرار هذه المؤسسة.. لكنه يدرك بأن أطرافا عربية تبحث عن مسميات أخرى، ليس فقط لمجرد بدائل للتسمية بل لفتح الباب أمام "شرق أوسط".. يُشجع " دولة إسرائيل"!

استطلاعات الرأي في الشارع العربي تعول على القمة العربية بصفر نافر وكبير.. ليس لأن الشارع لا يعرف التمييز بين المواقف، بل لأنه يدرك حجم اجترار القرارات والشعارات..

يفهم الإنسان العربي بعفوية المتابع والمحلل بأن المشروع الاستراتيجي العربي يرتكز على نقطتين مهمتين:

الأمن، وقبل أن يفهمني البعض خطأ لا أقصد إستراتيجية أمنية عربية لمواجهة تحديات الأمة.. بل الأمن فيما يتعلق بانتظام اجتماعات السادة وزراء الداخلية والمخابرات، أطال الله في أعمارهم هم أيضا، اللهم لا حسد على انتظامهم الحديدي، لمحاربة ما يسمونه "الإرهاب" و "آفة المقاومة" وتشذيب الرؤوس اليابسة والناشفة وتليينها.. وبدون تفصيل، يفهم الإنسان العربي الحدق المقصود بمسألة التليين..

الإعلام، وهنا لا أريد أن أُفهم بالشكل الصحيح.. فليس لوزراء الإعلام أو من يوازيهم من الذين أدعو لهم بسعة الصدر ورجاحة العقل، لأنني فعلا أشفق عليهم كثيرا لمدى انشغالهم وحرصهم وسهرهم على "الإعلام الهادف".. فهم يعرفون أكثر مني ومنك مصلحة الأمة في مواجهة التحديات في هذا " المنعطف الخطير".. ولرفع معنويات المواطن العربي لا مانع عند أصحاب السعادة من زيادة فضائيات الفرفشة وقراءة الطالع والغيبيات والتشليح بكل صنوفه.. المادية " ماذا تنتظر اتصل بنا الآن لتغير حياتك وتحقق أحلامك".. والجسدية بدون سؤال عن "الإجراء ومن يجب أن يطفي الضو"!

أعتقد أن الإعلام العربي بذلك النمط يعيش عصره الذهبي.. والوزراء، كان الله في عونهم، يفهمون أكثر منا جميعا مصلحتنا في منع هذه الفضائية وتلك، من فضائيات التحريض ضد ثقافة " بوس الواوا".. وثقافة "ما حدش يقدر عليهم.. دول أقوى منا".. وأسهل ما يمكن عمله إصدار فرمان يمنع تداول فضائيات "العنف والتحريض".. ولأجل "مصلحة السلام" لا مشكلة من تعاون استراتيجي بين الأمن والإعلام باستضافة هذا وذاك من "المشاغبين" أصحاب الرؤوس "الناشفة" لتقديم النصح والإرشاد والهداية إلى الصراط المستقيم..
نظرة إستراتيجية بلا شك!

شطط ومطط وتكرار سمج لبيانات "ندين ونستنكر ونندد".. وسوف ولسوف وسنقوم وسنجري وسنتصل وسنرسل وسنجتمع..
وما الغرابة في ذلك؟
أليس للعرب إستراتيجية " مبادرة سلام" أطلقوها في مارس 2002؟.. ثم عدلوها في مارس 2007؟..

نعم العرب " حاصروا" إسرائيل بالخيار الإستراتيجي.. المشكلة الوحيدة أن إسرائيل تدق لهم الخوازيق وهم يزدادون تمسكا بإستراتيجيتهم " العبقرية".. اللهم لا حسد على العبقرية التي ظلت حبيسة القمم بدون أي بدائل.. سوى " السين الكبيرة" على فعل لفظي قادم لمفعول به مثل القدس!
قبل القمة بقليل يتذكر العرب بأن " إسرائيل تلعب بالنار".. وكأنها كانت تلعب بالماء قبل ذلك..

هل تعرفون سر مقولة: " ُبق البحصة يا منصور"؟

إنها هذه الهرطقة بعينها التي تنطبق على حالة عربية موغلة في الكذب على ذاتها وعلى مواطنيها.. حالة التضليل الذي يشترك فيه القادة، أو أكثرهم حتى لا نظلم الاستثناءات القليلة، في الشهر الذي يحتفل فيه إخوتنا الأكراد وغير الأكراد بعيد النيروز.. حالة تستدعي طيلة السنة أن نشهد "فتور وتوتر وقطع" للعلاقات الدبلوماسية والاتصالات العربية لأسباب تافهة كبرنامج تلفزيوني أو مقالة رأي..

في "المقدس" محظورات ممنوع المس بها أو الاقتراب حتى من أيقوناتها.. كمثل التمسك بالسفارات الإسرائيلية والممثليات والاحتفاء بمجرمي حرب يطوفون بلادنا ويخردقون سيادتها.. ومن الأدوات أن نسمع جعجعة ولا ترى طحينا حتى في قمة "لعب إسرائيل بالنار" ممنوع التظاهر أمام سفارات "أولاد العم" بينما مسموح أن تلعن "سنسفيل الفرس" و"العرب الآخرون"!

قمة الإستراتيجية، أليس كذلك!

وكل قمة وأنتم بخير أيها الإستراتيجيون من أصحاب " التمسك بالمبادرة العربية".. و"لا خيار آخر لدينا".. والتحذير من أن " إسرائيل تلعب بالنار".. وعلى باب الله يا عرب انتظروا البيان الختامي وقارنوه بما سبقه!

------------------------------------------------------------------