رؤية وخطة سلام فياض للدولة الفلسطينية بالإنكليزية../ ناصر السهلي*

في أقل من شهرين يثير السيد سلام فياض عددا من القضايا التي تمس مستقبل الشعب والقضية الفلسطينية.. مشاركته في مؤتمر هرتسيليا الصهيوني ونيله حالة من الإعجاب عند شيمون بيريس وآخرين، لم تعفه من تساؤلات ومطالب فصائلية في م.ت.ف بمحاسبته وحتى إقالته.. شيء من هذا لم يحدث، ولا أظن أن الأمر تعدى تسجيل مواقف، ليستمر فياض في تجاوز منظمة التحرير الفلسطينية بما تمثله من مرجعية وطنية بكل الشأن التفاوضي.. لا بل يتجاوز الرجل كل مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية في اتجاهات تتعارض على الأقل مع ما هو معلن عبر الأدبيات والإعلام..

الخطوة الجديدة التي تأتي تحت عنوان "بناء الدولة الفلسطينية" في حديثه الصحفي مع عكيفا الدار من هآرتس تعيد صياغة ما تقول به سياسة المنظمة والفصائل وحتى السلطة نفسها عن الثوابت.. قرأت المقابلة كما هي منشورة في موقع هآرتس يوم الجمعة 2 أبريل باللغة الانكليزية.. ثم قرأت ترجمات مختلفة في مواقع فلسطينية، أحد هذه المواقع لا يقدم نفسه على أنه "منتدى حواري" بل وكالة أنباء مستقلة و( محايدة )..

" فياض: الإنسانية جمعاء ستحتفل العام القادم بإعلان الدولة الفلسطينية"، كان المانشيت "لأقوال فياض مع هآرتس نضعها بين أيديكم دون تصرف" كما ذكرت تلك الوكالة.. فوجدت نفسي أبحث عن المزيد من الترجمات لأجد أن شيئا ما قد حدث في مسألة الحيادية والاستقلالية.. فإما أن " دون تصرف" جاءت في سياق الترويج للعنوان أو أن عكيفا الدار لم يكن صادقا في نشر ما قاله فياض حرفيا.. أو أن الاحتمال الثالث يكمن في تواصل حملة التضليل والتزييف والتخدير.. بل واجتراع طريقة تشريب مشروع فياض بالقطارة الإعلامية..

سلام فياض هو "رئيس حكومة تصريف أعمال".. أم تراني لم أفهم وظيفته وصار بالعربي الفصيح " الكل بالكل"؟

على كل، هذه المسألة ترجع لفصائل م.ت.ف (لأنني حين كتبت في المرة الماضية : الذهاب إلى هرتسيليا وأوشفيتز.. أرسل لي بعض الزملاء مستنكرا ونافيا..) ثم ما أن اعتلى فياض المنصة حتى انهالت البيانات وذهبت مع الريح.. فلا لجنة تنفيذية ولا مؤسسة من مؤسسات التمثيل الفلسطيني توقفت جديا، بعيدا عن البيانات، أمام مثل تلك الخطوة..
* سأبدأ من حيث انتهى اللقاء في النص الذي تم ترجمته للشعب الفلسطيني حول سؤال يتعلق باللاجئين الفلسطينيين، نقرأ الاقتباس التالي: " س: وماذا بخصوص قضية اللاجئين ؟ خطتك تأخذ بالحسبان الحاجة لاستيعابهم في فلسطين؟
ج : كما هو معروف نحن نقوم ببناء بنية تحتية لاستيعاب من يعود من اللاجئين وللفلسطينيين الحق في السكن والعيش في دولة فلسطين. ونحن ملتزمون ببرنامج م ت ف لحل قضية اللاجئين في ملفات الحل النهائي"( معا2 أبريل 2010)..

في النص الأصلي وباللغة الإنكليزية في موقع هآرتس المعروف بالتأكيد لمن يريد العودة إليه:
Q: Your plan takes into consideration the need to absorb refugees.

A: Of course, Palestinians would have the right to reside within the State of Palestine

لنلاحظ الفرق بين جوابه على قضية اللاجئين ضمن " مشروعه" : في الأول، أي المترجم للشعب الفلسطيني هناك ذكر للالتزام ببرنامج م. ت. ف لحل قضية اللاجئين في ملفات الحل النهائي.. في الثاني، أي المنشور في موقع هآرتس بالإنكليزية: الجواب، بالتأكيد الفلسطينيون سيكون لهم حق العيش/ الإقامة داخل دولة فلسطين!


دعوني أكون صريحا، إما أن "حق العودة" و" اللاجئين" و م. ت. ف ذُكرت على لسان فياض ولم يضعها عكيفا الدار مما استدعى توضيحا احتراما لعقل القارئ واللاجئ ولثابت من ثوابت القضية الفلسطينية، وهو ما لم يتم.. أو أن الرجل قالها بترجمته العربية.. بحثت في المواقع العربية من داخل الخط الأخضر بتأن (موقع عــ48ـرب)، فقد يكون النص بالعبرية، لكنه تطابق مع ما ذكرته بشكل صريح بأن لا شيء في " مشروع ورؤية فياض" يخص ملايين اللاجئين بقرارات أممية أبرزها 194 الذي يخجل البعض طرحه لسبب ما مرتبط ربما بالنقطة القادمة.. ولا حتى كلمة واحدة عن المنظمة.. إنها "رؤية الرجل ومشروعه"!
* في النص العربي "المترجم بدقة" يقول فياض لهآرتس "وأنا لا يوجد لي مشكلة مع من يعتقد بأن إسرائيل هي ارض "التناخ" (التوراة) ولكن يوجد لكم الكثير من التلال والمساحات غير المأهولة لماذا لا تسكنون فيها وتعطونا إمكانية أن نعيش حياتنا؟!!.

بالإمكان قراءة ما نشرته هآرتس، وهنا أقتبس على لسان فياض:
"Related to the Zionist ethos, fine, Israel is a biblical country, there are lots of hilltops, lots of vacant space, why don't they use that, and let us get on with it?"

قبل الحديث عن مفردة الـ" تناخ" ( المترجمة بدقة!).. إليكم ما قاله فياض "إن المستوطنين لا يمثلون غالبية الإسرائيليين. واتهم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو بالخضوع للمستوطنين، الذين لا يمثلون الغالبية، التي يوجد للفلسطينيين قيم كونية مشتركة معهم، على حد تعبيره".. وأشدد على هذا التسويق البائس لمسألة " القيم الكونية"..

لأننا لو فحصنا ما قاله بالانكليزية عن أنه لا يوجد له مشكلة مع " الروح الصهيونية، والإيمان بأن إسرائيل هي أرض التوراة.. لديكم ما يكفي من التلال والمناطق غير المأهولة، لماذا لا يستعملوها هناك وتتركونا نعيش حياتنا".. فسنكتشف وبسرعة أن إسرائيل is a biblical country تعني " وطن/ أرض توراتية" ولكي لا يُقال أن السيد فياض لم يقدم نيابة عن المنظمة والشعب الفلسطيني اعترافا بخرافة وأسطورة "أرض إسرائيل" فقد قدمت لنا مفردة " تناخ" العبرية.. بحثت عنها فوجدتها على النحو التالي:
تورات نڤيئيم كتوڤيم
أي، شريعة ( التوراة/ الكتاب المقدس) وأنبياء وكتب..

وعلى ماذا تقوم أعمدة المشروع الصهيوني؟.. هو سؤال لم تتردد الحركة الصهيونية في الإجابة عليه.. لا في فلسطين المحتلة في عام 67 في الضفة ( لليوم يُطلقون عليها يهودا والسامرة) ولا في فلسطين المحتلة عام 48.. هذه ليست سقطة " تكنوقراطية" أبدا، فمن يدعي عكس ذلك ليدقق جيدا في عبارة " لديكم ما يكفي من التلال والمناطق غير المأهولة".. سيفهم بأنه بالتأكيد أن خللا ما وقع في "التكنوقراطيا"..

الحقيقة الساطعة هي أن أكثر من 20 % من "سكان أرض التوراة"(...) هم من أصحاب الأرض الأصليين، أصحاب وملاك هذه التلال والمساحات وهم لا يملكون سوى أقل من 2 % من أرضهم التاريخية.. هذا عدا عن أن عشرات الآلاف منهم يعيشون بالقرب من هذه المدن المدمرة والتلال المستعمرة عسكريا وممنوعون من العودة إليها.. هذا عدا أن الملاك الحقيقيين لهذه " المساحات" هم ملايين اللاجئين في المخيمات داخل وخارج أرض فلسطين.. الذين وبكل بساطة كان غاندي ولوثر كينغ سيذكرهما أكثر مما يفعله البعض ممن يريد لنا أن نصدق التشابه بين مقاومته " السلمية" ومقاومة المذكورين.. في نفس المقابلة تحدث فياض عن الرجلين..
بقيت حتى السابعة من صباح السبت 3 أبريل أدقق فيما قرأت، فوجدت نفسي أمام شخصية تشرعن للهرطقة الصهيونية باسم العقل والمعقول.. والاعتدال في مواجهة التطرف.. فالسيد فياض في ذات المقابلة وردا على السؤال التالي: " هل الطلبات الأمريكية من إسرائيل تدفعنا في الاتجاه الصحيح، وهل توافق على الادعاء بأن نهاية النزاع بيننا سيساهم بلجم إيران" يقول:
A: "The conflict of the region is not about us at all; it's between radicals and moderates
إذا النزاع في المنطقة هو بين المعتدلين و"المتطرفين".. يعني ببساطة بين معسكرين.. وعلى الطرفين تحمل المسؤولية.. يعني أن الشعب المُحتل عليه أيضا تحمل مسؤولية أنه مُحتل.. وأضاف أيضا شيئا جديدا جدا يكمن في أن الحل أيضا مصلحة قومية أميركية!
في إجابته على سؤال عما سيفعله لوقف " التحريض ضد إسرائيل" نقرأ إجابته المترجمة إلى العربية عبر وكالات أنباء مستقلة على النحو التالي:
"ج:التحريض يمكن أن يأخذ أشكالا مختلفة، مثل الأشياء التي تقال أو تلك التي تنفذ "الأعمال والأقوال" التحديات وهناك طرقا لمعالجة هذا الأمر ونحن نعالجه، القضية الأساسية أن نقيس الموضوع من خلال تساوي قيمة البشر وان ننظر إلى الغد وليس إلى الماضي هذه طريقة لدفع الحوار قدما بعيدا عن الأحلام المرتبطة بالروايات التاريخية حتى لا تتحول إلى كابوس هناك الكثير من العقبات وعلينا بذل قصارى الجهد لإزالتها" ( أضع الاقتباس دون تصحيح أو تدخل)..
الآن دعونا نقرأ الإجابة بالإنكليزية:
Q: What are you doing to stop incitement against Israel?

A: Incitement can take the form of many things - things said, things done, provocations - but there are ways for dealing with this. We are dealing with this. "

سيسأل البعض: لماذا أصر على وضع هذه المقارنات؟

لأن معظم الإجابات التي وضعت على لسان السيد فياض باللغة العربية تدل على مأزق كبير في الذهنية السياسية "التكنوقراطية".. بل سأسميها الكومبرادورية.. ذهنية لا ترى قدرة على مخاطبة جريئة وواضحة وبديهية بأن الشعب الذي تُحتل أرضه لا يوجد أمامه من سبيل سوى الصمود والمقاومة.. ولا كلمة واحدة قالها عن التحريض على الفلسطينيين والملصقات التي تدعوهم إلى الرحيل والمنشورات التي تهددهم في القدس والاعتداءات اليومية بتأييد الحاخامات والساسة من داخل المؤسسة واستشراء التطرف والعنف الفردي والجماعي حتى في استطلاعات الرأي!
نعم قال: "ولا احد يستطيع التشكيك بوجود علاقة تربط الأديان السماوية الثلاثة بالقدس، ولكن ممنوع أن يكون هذا الأمر "الدين" على جدول الأعمال اليومي بل هو صراع سياسي، ولا اعتقد بصدقية السماح للصراع بأن ينزلق إلى مجالات أخرى "دينية أو ثقافية " لان هذا سيكون خطأ ومضر..ا يوجد لنا حق بإقامة دولة فلسطينية على الأراضي التي احتلت عام 1967 بما في ذلك القدس الشرقية" .. على الأقل في الترجمة العربية لأجوبته دون تدخل مني..
صحيح أن الرجل ردد شعار القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.. كما يردده أي صحفي أو شبل من أشبال المخيمات..

نعم، تحدث عن غزة بأنه يمكن الانتهاء هناك من أشياء، تأخذ سنوات في الضفة خلال شهرين بحكم حرية الحركة داخل القطاع.. لكنه أبدا لم يقل كلمة واحدة عن رفع الحصار ومن يتحمل مسؤوليته..

نعم، قال الكثير عن أنه يملك مشروع " دولة فلسطينية في 2011".. مشروع الشعب صار مشروع الفرد.. على كل وحتى تستمر العجلة التي نعرفها وألفناها منذ 18 عاما فقد أردف :"في حال لم تقم الدولة لسبب ما في الموعد المخطط، فإن الحقائق على الأرض ستكون في صالح الفلسطينيين بحيث يفرض الواقع نفسه على العملية السياسية".

فهل حقا هذا هو مشروع الدولة؟؟ وهذه هي البدائل التي يملكها الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية؟.. ترى أين ذهبت رؤية بوش للدولة؟.. وأين بحث قادة الحركة الوطنية خطورة التفرد ومخططات المتنفذين على مجمل مستقبل شعبهم؟

نعم لم يقل السيد فياض ولا من حاول وضع الكلام في فمه من هي الجهة الفلسطينية التي خولته أن يحط من الحقوق الفلسطينية التاريخية والثابتة إلى هذا المستوى الذي لا يقبله حتى اليهود المعادون للصهيونية في هرطقة شرعنة توراتية الأرض.. فهل صار السيد فياض " الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني"؟.. سؤال يستحق الإجابة.. أو على الأقل التفكير به.. ولو على طريقة المهماتا غاندي ومارتن لوثر كينغ.. أو نيلسون مانديلا!