الحرب القادمة خيار إسرائيلي واع وليس مخرجا من مأزق../ خالد خليل

لم يكن في يوم من الأيام وضع أفضل من الوضع الحالي على المستويين العربي والفلسطيني الرسمي يتيح الفرصة أمام تحقيق "تسوية" لصالح إسرائيل.

فقد استطاعت الولايات المتحدة بعد القضاء على عرفات ومحاصرة حماس داخل غزة إتمام سيطرتها التامة على الوضع العربي الرسمي (باستثناء سورية وحزب الله وحماس)، وخلقت وضعًا فلسطينيًا جديدًا داخل الضفة الغربية أصبحت فيه السلطة الوطنية الفلسطينية أداة طيّعة بيدها على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنيّة. فسياسيًا تمّ الاتفاق مع السلطة على شكل ومضمون الحل للقضية الفلسطينية ضمن خطة أمريكية مفصّلة وتدريجية لبناء المؤسسات الفلسطينية تسير وفقا للتقارير الفلسطينية المنقولة على لسان رئيس الحكومة سلام فياض بخطوات حثيثة ومُرضية.

وقد عزّز الدعم الاقتصادي الكبير والمتميز للسلطة هذا العام نجاح هذه الخطة ونجاعتها، حيث وفقًا للتقارير الرسمية وصلت الميزانية الفلسطينية الرسمية إلى ما يقارب بليون دولار أمريكي، يشمل الهبات الأمريكية الرسمية وهِبات الاتحاد الأوروبي والدول المانحة الأخرى بما فيها دول الخليج العربي (نصف مليار دولار من الولايات المتحدة، 168 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي، والباقي من الدول الأخرى).

على المستوى الأمني أنجز دايتون بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي تحكم قبضتها اليوم على المرافق الأمنية الحيوية داخل الضفة الغربية، وتنسق مع إسرائيل فوقيًا وتحتيًا، أي على مستوى القيادات وفي الميدان.

هذه التغيرات في السلطة الفلسطينية انعكست أيضًا على مستوى الشارع الفلسطيني داخل الضفة الغربية من خلال تدعيم وبناء مؤسسات مجتمع مدني جديدة موالية ماليًا وبرنامجيًا للسلطة وصناديق الدعم التي تديرها أجهزة المخابرات الدولية والإقليمية وتعمل بشكلٍ انتقائي ومدروس يخدم برامجها وأهدافها. وفي مقدّمتها ما يسمى "مكافحة الإرهاب"، ونبذ المقاومة.

لقد تمكنت السلطة الفلسطينية من خلال استخدامها لقوة السلطة وسلطة المال فرض سطوتها على معظم مرافق الحياة في الضفة الغربية، وأصبح بمقدورها التحكم أيضًا بنبض الشارع الفلسطيني وحركته. وقد بينت أحداث القدس الأخيرة عمق هذه السيطرة، ليس من حيث فرض موالاة الناس المباشرة لها، وإنما من حيث إطفاء جذوة النضال الفلسطيني، وإبعاد الجمهور قدر الإمكان عن الاحتكاك والمواجهة مع الاحتلال، فرأينا مثلاً كيف لم تلقَ دعوة حماس إلى انتفاضة ثالثة تجاوبًا يذكر من قبل قطاعات الشعب الفلسطيني المختلفة.

هذه الحالة الفلسطينية بقيادة الثنائي عباس- فياض هي بمثابة الوضع الأمثل للإسرائيليين من أجل انجاز تسوية تخدم بشكلٍ أساسي المصالح الإسرائيلية.

من الواضح أن أي حساب منطقي سليم مبني على أساس المصالح الاقتصادية والسياسية وحتى الأمنية فيما يتعلق بالساحة الفلسطينية من شأنه أن يقود إلى هذا الاستنتاج.

إذن لماذا تعطل إسرائيل مشروع التسوية مع الفلسطينيين وتختلق الأزمة تلو الأزمة كلما سنحت الفرصة لإجراء تقدم في مسارها؟! لا نعتقد أنّ ذلك يندرج فقط في دائرة المناورة السياسية من أجل تحصيل المزيد من التنازلات الفلسطينية، وإنما أساسًا يندرج في كون التسوية حاليًا ليست في أولويات الإستراتيجية الإسرائيلية، حيث أنّ ولوج مسار التسوية يترتب عليه استحقاقات من شأنها إعاقة تنفيذ الإستراتيجية الإسرائيلية الحقيقية، التي تبلورت في أعقاب حرب 2006، ومن أهم عناصر هذه الإستراتيجية الحفاظ على قيمة التفوق الاستراتيجي أولاً، واستعادة هيبة الردع التي هزّتها تلك الحرب ثانيًا، ليتسنى بالتالي فرض معادلة القوة العسكرية كصمام أمان للهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية على المنطقة برمتها.

حتى الآن استطاعت إسرائيل خلق توازنات جديدة في المنطقة من خلال تجنيد النظام العربي الرسمي في مواجهة الخطر القادم من إيران، التي نجحت بدورها في إبرام حلف استراتيجي مع سوريا والمقاومة في لبنان وفلسطين وماضية أيضًا في تحسين علاقاتها مع تركيا التي ترفض أن تكون على الحياد في معمان الصراعات الإقليمية الآخذة بالتمدد.

فتركيا صديقة أمريكا والعضو في حلف الناتو ترفض في الوقت ذاته نظرية التفوق الإسرائيلي وتتطلع إلى تطوير مصالحها ودورها الإقليمي الذي تستحق، ضمن لعبة توازنات القوة الإقليمية.

إسرائيل ترى أنها في سباق مع الزمن وتعمل جاهدة من أجل وقف هذه التطورات الدراماتيكية على الساحة الإقليمية، وتعتبرها أهم بكثير من قضية التسوية مع الفلسطينيين، بل تعتبر نفسها قابضة على ديناميكية هذه التسوية وتستطيع تمريرها متى تشاء.

خلال السنوات الماضية (بعد حرب 2006) أنجزت إسرائيل عسكريًا بناء "القبة الحديدية"، وأجرت أكبر مناورات في تاريخها مع الجيش الأمريكي، قبل أشهر، تتويجًا لذاك الانجاز. وقد بدأت بعد عيد الفصح مباشرةً بتوزيع الكمامات الواقية على المواطنين بشكل متزامن في جميع أنحاء البلاد، وهذه عملية قد تنتهي خلال شهر أو اثنين على الأكثر، ولن تستمر حتى نهاية العام القادم، كما أوردت تقارير صحفية سابقة.

إسرائيل تعلم أن أعداءها لن يبادروا بشن حرب عليها وأنهم ليسوا معنيين في هذه الحرب في الظروف الراهنة، وهي توزع الكمامات الواقية ليس تخوفًا من صواريخ حماس المنطلقة من غزة. الصواريخ المؤرقة بالنسبة لإسرائيل هي تلك المنطلقة من لبنان أو سوريا أو إيران.

ونتنياهو علاوة على كونه يمثل الرأسمال الإسرائيلي الأكثر جشعًا، ويستمتع برؤية تجارة السلاح تنتعش، يعلم أن حربًا تكون فيها الغلبة لإسرائيل من شأنها إنعاش الاقتصاد الإسرائيلي وفتح أسواق جديدة إضافة إلى طموحه الشخصي بأن يكون البطل الإسرائيلي الأبرز من حيث استعادة هيبة الردع وفرض معادلة التفوق الإسرائيلي المطلق في المنطقة. والتخلص بالتالي من مآزق إسرائيل التي خلقتها الدبلوماسية الإسرائيلية الموبوءة بليبرمان.

ويعتقد نتنياهو أن التسوية مع الفلسطينيين لن تعطيه الزخم المطلوب في تحقيق هذه الأهداف، وأنّ التسوية مع سوريا لن تمر إلا وفقًا للشروط السورية العادلة باستعادة كل الجولان.

الحرب حسب الرؤية الإسرائيلية ليست مخرجا من مأزق، بل هي خيار واع واستنتاج مدروس أفرزته دروس حرب تموز. وكعادتها ستختلق إسرائيل الذرائع اللازمة للمواجهة القادمة لتظهرها في مظهر الضحية المعتدى عليها بغية كسب معركة الرأي العام.

السيناريو الذي أوردته نيويورك تايمز هذا الأسبوع حول مواجهة مع إيران تشترك فيها سورية وحزب الله قد يكون منسقا مع الموساد ضمن حملة دعائية منظمة للحرب القادمة. ومن المستحيل أن تقدم إسرائيل على خطوة إستراتيجية مثل ضرب إيران أو لبنان أو سورية كما يعرض السيناريو المذكور دون قرار أمريكي. ومن المستبعد أن يكون الرد الإيراني ضعيفا كما يصفه هذا السيناريو.

يبدو أن الاجتماعات المكثفة في الآونة الأخيرة بين القيادات الإسرائيلية والأمريكية والتي شملت أعلى المستويات العسكرية والأمنية، والتي أعلن عنها أنها لمناقشة وضع التسوية مع الفلسطينيين، يبدو أنها ناقشت هذا الموضوع على هامش مناقشات الخطط الأمنية الإقليمية بما في ذلك المواجهة القادمة التي من المتوقع أن تحصل حتما قبل إجراء تسوية.

من وجهة النظر الإسرائيلية ستكون هذه المواجهة مرتبطة بوجودها كـ"الدولة الأقوى" في المنطقة، وستكون وجودية أيضا بالنسبة للمقاومة ولمحور السوري الإيراني.