البحث عن جنرال حرب../ د. جمال زحالقة

أثار الإعلان عن قرار وزير الأمن الإسرائيلي، إيهود براك، بعدم تمديد فترة تولي الميجر جنرال غابي اشكنازي، رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي سنة إضافية زوبعة سياسية في إسرائيل، واعتبرها البعض 'هزة أركان' في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. جاء ذلك، رغم أن اشكنازي عين، أصلاً، ولأول مرة، لمدة أربع سنوات، بعد أن درجت العادة على التعيين لمدة ثلاثة أعوم، يجري بعدها تمديد عام إضافي، ومن النادر جداً إضافة سنة خامسة. لم تثر الضجة بسبب عدم التمديد بحد ذاته، بل الإعلان عن ذلك بأسلوب كشف عمق الخلافات والتوتر في العلاقات بين اشكنازي وبراك.

رسمياً، جاء هذا الإعلان لدحض الشائعات، التي ترددت في وسائل الإعلام، عن وجود نية بتمديد فترة اشكنازي، ولكن الطريقة المهينة التي جرى فيها الإعلان عن الموضوع، هدفت إلى الحط من مكانة اشكنازي، الذي يحظى بشعبية واسعة، قد تهدد الموقع الذي يحتله ايهود باراك حالياً كرجل الأمن الإسرائيلي بلا منازع، خاصة بعد اختفاء شارون عن الساحة، وبعد انهيار مكانة القيادات العسكرية التي شاركت في الحرب على لبنان وفي مقدمتهم دان حلوتص، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق.

فتح هذا الإعلان الباب على مصراعيه للنقاش والتكهنات من سيكون رئيس الأركان الإسرائيلي القادم، ويرافق ذلك الحديث عن اختيار قائد عسكري له مؤهلات تلائم نوايا ومخططات الآلة العسكرية والتحديات التي تواجهها.

قبل الحرب الأولى على لبنان مثلاً، جرى نقاش هل الجيش بحاجة إلى مدير يقوم بعملية إعادة هيكلته وبناء مخططاته الإستراتيجية أم إلى قائد ميداني، وجرى اختيار رفائيل ايتان، رجل الحرب والقائد الميداني والمعروف بمواقفه المتطرفة، وكان له دور محوري في قرار الحرب وإدارتها وتوسيع مجالها. وكان تعيين دان حلوتص في حينه، رئيساً لأركان الجيش، لأنه من سلاح الطيران بهدف تحضير ضربات جوية لإيران إذا قررت إسرائيل ذلك. أما غابي اشكنازي، فقد استدعي من جديد، بعد أن ترك الجيش وتحول إلى الحياة المدنية، لإعادة بناء الجيش وترميم معنوياته التي انهارت نتيجة لفشل الحرب على لبنان.

تداولت وسائل الإعلام أسماء عدة جنرالات لخلافة اشكنازي، والملفت للانتباه أن كل النقاش هو من هو الأقدر على خوض الحرب فعلاً، وتأتي بعيداً عنها وبالدرجة الثانية مؤهلات بناء الجيش. يبدو أن الأوفر حظاً لتولي منصب قيادة أركان الجيش الإسرائيلي هو الجنرال جلانط، قائد المنطقة الجنوبية، الذي اثبت جدارته بنظر باراك ونتنياهو في الحرب الإجرامية على غزة. البحث عن جنرال لقيادة حرب ميدانية فعلية، وليس التحضير لها فقط، هو مؤشر على توقعات ومخططات حرب خلال السنوات المقبلة. هذا لا يعني ان الأمر حتمي، ولكن هناك مؤشرات أخرى تدل على جدية خطر الحرب، ومنها الزيادات الكبيرة في الميزانية العسكرية وعدم التعويل الإسرائيلي على ما يسمى بالعملية السلمية، إلا كتكتيك في إدارة الصراع. حتى الانتقادات التي وجهت لاشكنازي تدل على ذلك، فقد اتهم بأنه يهتم بالنظريات العسكرية أكثر من العمل العسكري الميداني.

تنتهي في بداية العام المقبل فترة ولاية معظم القيادات العسكرية الإسرائيلية، وسيجري استبدال قادة الموساد والشاباك والمخابرات العسكرية والمنطقة الجنوبية والشمالية للجيش وغيرهم، إضافة إلى تعيين قائد جديد للأركان. هناك من استنتج من ذلك بأن إسرائيل لن تخوض الحروب قبل ان تأخذ القيادات العسكرية مكانها. هذا الاستنتاج لا أساس له من الصحة، لان قرار الحرب لا يتعلق بأمور من هذا القبيل، وبإمكان باراك ونتنياهو أن يمددا فترة أي قائد عسكري لظروف طارئة إذا طرأت.

القيادة السياسية في اسرائيل تتعامل مع قضية قيادة الجيش على اساس أن احتمال الحرب وارد، لذا يجري البحث عن جنرال حرب.