منظمة التحرير: جبهة وطنيه أم صنم للعبادة والتعاويذ؟../ خالد بركات*

شاهدت صورة فوتوغرافية، مشغولة بعناية فائقة على نظام " فوتو شوب"، يقف في إطارها السيد أبو مازن رئيس السلطة الفلسطينية وهو يرفع يده ويحي أنصاره في رام الله. وقد حجب ساعده شعارات ثلاث كانت في الماضي تدل على منظمة التحرير الفلسطينية، تقول: وحدة وطنية، تعبئة قومية، تحرير. وهذه الشعارات الثلاث غيبتها الصورة تماما، بقصد أو بدونه، لا اعرف، وليس مهما، المهم انه لم يبق من ذاك الشعار، في الواقع، أو في الصورة، غير اليافطة البائسة التي لا يكترث أحد لوجودها.

لقد حصل التخلي الفعلي والنهائي عن ثالوث الثورة الفلسطينية، الوحدة والتعبئة والتحرير إلى درجة سريالية، فهذه الشعارات هي شروط الانتصار على العدو الصهيوني، لكنها الآن باتت عناوين "للترّيقة" والتندر لأمين سر اللجنة التنفيذية! الذي يقول لنا: أي وحدة وطنية وأي تعبئة قومية وأي تحرير؟ يقول لك الموظف الفلسطيني الكبير، في المنظمة : نحن معنا خارطة الطريق ومعنا وعود أمريكا ومعنا أموال الدول المانحة ومعنا رضا دايتون. أنت ماذا تملك يا أخ؟

الذين يشغلون مواقعهم ومناصبهم الكبيرة في اللجنة التنفيذية للمنظمة وفي المجلس المركزي الفلسطيني ومؤسسات السلطة، هؤلاء لم ينتخبهم أحد، لم ينتخبهم أحد داخل تنظيماتهم أولا، باستثناء واحد أو اثنان ربما. ولم ينتخبوا في أطر شرعية وحقيقية. لا هم، ولا الإخوة خارج إطار المنظمة. وأكاد أجزم بالقول أن معظم "الشباب" في تنظيماتهم، لا يعرفون عنهم شيئا، عداك عن جماهير فلسطينية وعربية مليونية تحتار في فصائلنا، ولسان حال الناس يقول: خسارة! وتردد الناس، مع الراحل الكبير محمود درويش: أنت، وأخوك، أقل من واحد!!

منظمة التحرير الفلسطينية بنى مداميكها الأولى مناضلون ومناضلات كثر، وشارك في تأسيسها ورفع لوائها عشرات آلاف من الشباب الفلسطيني، شيدوا اتحاداتها ومؤسساتها الشعبية والنقابية والعسكرية، وفيها ناضل الطلاب والعمال والمهندسون والأطباء والعسكريون وغيرهم. ساهم في حفظ صورتها ومكانتها الطفل والمرأة والرجل والشيخ الكهل. ودفع الشعب الفلسطيني دم قلبه وفلذات الأكباد، لا من أجل المنظمة – المؤسسة، بل من أجل أن تنتصر الثورة الفلسطينية على اعدائها، ويشهد شعبنا تحرير فلسطين واقعا بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية. ولم يبخل الشعب على نفسه. في الشتات تحديدا، اعتبرت الجماهير الفلسطينية منظمة التحرير بيتا لها وملكا جماعيا، وصارت بمثابة الوطن المؤقت، في الثورة، إلى أن تعود!

بعد سنوات قليلة من إعادة تأسيسها على يد التنظيمات الفدائية، وتحديدا في العام 1974، صارت قيادة المنظمة ترى في الشعب اللاجئ عبئا عليها وتهرب من أوجاعه وأحلامه. تهرب من قلقه ومن سؤاله عن خط المقاومة والثورة وتسأله عن أحوال الوحدة الوطنية والمخيمات وعن العلاقة مع الأنظمة. الجواب الوحيد، في جعبة مسؤول المنظمة في الرد عليها كان ولا يزال "الدولة المستقلة"، فيما الجماهير لا تسأله عن دولة، بل عن وطن حر سعيد، تحرره وتعود إليه وتواصل بناءه، لم تسأله عن دولة ولا عن سلطة هجينة وعاجزة.

لكن زلم الثورة ظلت تردد تلك اللازمة "هدفنا هو الدولة المستقلة" حتى تماهت الدولة مع الوطن والحرية، ثم كبرت في رأس المسؤول وأضحت صنما من الوهم والخرافة يعبده ويعجنه ويشكله على هواه.

كان الشعب الفلسطيني يرى في منظمة التحرير هوية سياسية مقاتلة وجبهة وطنية موحدة في مواجهة العدو، وفي رسم علاقات الثورة مع الحليف والصديق، ولنصرة من ينتصر للعدالة في هذا الكون، وتأمل في منظمة تنتمي للأمة العربية أولا، لا لجامعة الأنظمة وبرامجها، وعرف الشعب معنى شعار التعبئة القومية وضرورة حشد كل طاقات الأمة في مواجهة عدو متفوق ومتغطرس وقوي. اعتبر انتماءه للأمة ضمانة للدفاع عنها والشرط الضروري لتحقيق الانتصار.

كان يذهب الفلسطيني للجماهير العربية ويدفع الثمن مرتين، أولا لأنه أدرك بالفطرة والوعي مسؤوليته التاريخية عن قضية كبرى تعني كل الأمة، وثانيا لأنه أدرك جوهر العلاقة بين قضيته الوطنية وسؤال الديمقراطية والحرية في وطنه العربي الكبير، وحين أعلن موقفه جهارا ولعن من تآمروا عليه، حاصرته الأنظمة. فلجأ للجماهير الشعبية يطلب دعمها ومساندتها ووجدها مقيدة ومشلولة، لكنه لم يفقد بصيرته وظل يرى فيها عمقه وخياره الاستراتيجي والطبيعي وخياره الوحيد.

قاتل واستشهد في مسيرة الثورة الفلسطينية، المئات من الشباب العربي. جاؤوا من كل صوب وحدب لنصرة المقاومة. كان يرى هؤلاء الشباب صورة الفدائي الفلسطيني وهو يقاتل بباسلة في الصف الأول أمام الحركة الصهيونية ويتمرد عليها. ونشر الفلسطيني، دون قصد ربما، عدوى السلاح ورائحة المقاومة والتمرد والثورة في كل أرجاء الوطن العربي والمعمورة. صارت ثورته مشروعا نقديا للواقع العربي وغياب العدالة وملجأ كل المقهورين والمعذبين. وقيل في صحيفة كويتية ذات مرة "كل فلسطيني يحتاج لمئة شرطي يراقبه، لكننا نحتاج لشرطي واحد لمراقبة مائة هندي أو باكستاني"! وفي ميزان الربح والخسارة وحسابات النفط انتصر النفط، وصار الفلسطيني عبئا على كاهل الأنظمة، تتأفف منه، ولا تريده.

الأنظمة التسلطية وجدت في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وليس المنظمة، حلها السحري ورداءً تستر به عجزها وعوراتها أمام جمهور يطلب الحرية ولم يمارس حقه في تقرير المصير. في بلدانها أولا، ووجد النظام العربي الرسمي في شخص المرحوم ياسر عرفات وسيطا مع ( فلسطين) و( القدس) و(الأقصى ) وممثلا شرعيا ووحيدا، يمكن احتمال ناره، حتى لو بالدفع "كاش" وفي الحال!

تجرّفت م ت ف من الداخل، والقلعة، تؤخذ من الداخل. وكان لرحيل عرفات ما يشبه إعلانا نهائيا عن مرحلة سياسية كاملة والسقوط المأساوي لتجربة منظمة التحرير كما عرفها الشعب الفلسطيني"، وهي مرحلة كاملة حملت السلبي والنبيل أيضا، ويجب الاستفادة من دروسها، خصوصا والشعب الفلسطيني يعيش حالة مركبة من الحصار والتفكيك، وقد شهد في رام الله وفي غزة كيف يكون الانقلاب بديلا عن الحوار والشرذمة بديلا عن الوحدة والعلاقات الوطنية والإنسانية. وقد شاهد بأم العين كيف جرت عملية الانقلاب على ياسر عرفات وهو الانقلاب على الانقلاب في الثورة الفلسطينية المعاصرة.

تتحول منظمة التحرير الفلسطينية إلى ملكية خاصة لدى من أدمنوا احتكار القرار والسلطة السياسية، لأنهم احتكروا المال والسلاح والحقيقة، والآن يضاف لتلك "الشرعية" الكاذبة، رضا أمريكا وقبول أو " انقسام " العدو الصهيوني حيالهم. هو نموذج فلسطيني سيئ يتمثل مدرسة ساداتية ( نسبة لأنور السادات ) في الفكر وفي السياسة والسلوك. وقد ترجمت كل شعاراتها وطقوسها الرثة داخل المؤسسة الفلسطينية الكبرى.

اليوم يتحالف "موظف" أو "خبير مالي محترف"، بروفيشينال، مع "وطني سابق" للدفاع عن (الدولة) التي صارت مشروعا شخصيا للسيد سلام فياض. هذا منطق مثلوم يتبناه مثقف فلسطيني عاجز على شكل سلطته التي تحتضنه، ويتشاطر على فقراء الشعب بالكلام عن العقلانية والواقعية السياسية وضرورة الالتزام بالاتفاقيات الدولية! فيما يعرف الناس أن العقل والواقع والقانون الدولي بريء منه.

يختار البعض طريق الدفاع عن قيادة هزيلة أكثر من دفاعهم عن الشعب وحق العودة وقوت البشر. ولم يتطاول السيد سلام فياض على حقوق اللاجئين أو يتبرع بها لصحفية إسرائيلية إلا بعد أن رأى الركب "الوطني" الذاهب قبله إلى الانحدار والهاوية. هذا المنظر، تداعي المنظمة وتحولها إلى مسخ، يغريه أكثر ويفتح شهيته لممارسة دور الطالب النجيب لدى دوائر العدو كي يمنحه الأخير أوسمة الرضا. وحين يتشاطر أكثر، ويسمع زفرة اللاجئين الغاضبة، يحتمي خلف جدار "المنظمة" والتي يمكنها ستر عورات الجميع !

السؤال الصعب هو هل يمكن استعادة (إعادة بناء ) منظمة التحرير الفلسطينية ؟ يشترط هذا الهدف تحرير المنظمة من الذين استوطنوا مؤسساتها وسلبوها قرارها ؟ فكرا وشخوصا ونهجا. إعادة بناء المنظمة عملية ممكنة بوصفها عملية نضالية طويلة وصعبة، تتحقق في الممارسة الكفاحية أولا. اذ ليس المطلوب بناء صنم فلسطيني نسميه منظمة التحرير، نعبده ونصلي له، بل خلق حالة وطنيه وثورية تدفع نحو الوحدة على الأرض وتنتج هيئات وطنيه شرعية ومنتخبة، تشرف على ما يتصل بشؤون الشعب وتمثله أمام الأمة والعالم. جبهة وطنيه موحدة تضم كل القوى والشخصيات والهيئات الوطنية دون انتظار الموافقة والشرعية من سلطة غير شرعية في رام الله!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018