خصوم أوباما يستعدون لموجة عنف جديدة../ جميل مطر

عادت لغة العنف تهيمن على الخطاب السياسي في الولايات المتحدة. أقصد هنا خطاب تيارات اليمين المحافظ واليمين الديني المتطرف، لا استبعد الخطاب السياسي الرسمي للحكومة الأميركية.

لاحظنا أنه بينما احتفظ أوباما إلى حد كبير بمستوى معقول من الاعتدال وواصل الحديث عن الحلول السلمية للمشكلات الداخلية والخارجية، فإن خطاب إدارته يتدرج نحو مزيد من عنف اللهجة عندما يتعرض للأوضاع في الأقاليم المكسيكية المتاخمة للولايات المتحدة، حيث تدور حرب فعلية بين ميليشيات مسلحة تابعة لعصابات تهريب المخدرات من ناحية، وبين القوات الحكومية المكسيكية، وقوات مرتزقة ومتطوعة من الولايات المتحدة من ناحية أخرى. وتساعد في هذه الحرب بوسائل أخرى وعلى نطاق واسع أجهزة أميركية متعددة.

نجد أيضا خطابا أميركيا لا يقل عنفا موازيا للحرب الدائرة في أفغانستان ومتعلقا بالخطط المعدة للتوسع فيها. يكاد أوباما يكون متمسكا بخطاب الرئيس بوش ومعظم توجهاته بالنسبة لهذه الحرب، بل في العام الأول من عهده نجحت المؤسسة العسكرية الأميركية في توسيع جبهات القتال لتشمل أجزاء واسعة من باكستان إلى جانب الأقاليم التي تدور فيها رحى الحرب بين قوات الأطلسي وقوات الطالبان في أفغانستان.

لاحظنا أيضا في الأيام الأخيرة، وبخاصة أثناء الإعداد لعقد مؤتمر قمة الإرهاب النووي في واشنطن، نية أوباما في تصعيد لهجة خطابه «الإيراني»، ولم تمض أيام على انتهاء عقد المؤتمر حتى كان البنتاغون يسرب وثيقة «سرية» تنشر الزعم أن واشنطن تواجه ورطة شديدة التعقيد، فهي لا تملك استراتيجية واضحة المعالم تجاه إيران في حال صعدت هذه الأخيرة جهودها لتطوير خبرتها النووية، وفي الوقت نفسه لن تتخلى عن قرارها إجبار إيران على التخلي عن سياساتها النووية.

المعنى واضح، أو هكذا يعتقد محللون أميركيون. تريد إدارة أوباما تحذير حلفائها بأنهم إذا لم يتدخلوا على الفور للضغط على إيران سياسيا واقتصاديا، فإن مسؤولية حرب جديدة في إيران تقع عليهم جميعا، ولا يخفي التلميح أن إسرائيل وليست فقط أميركا قد تجد انه في غياب استراتيجية بدائل للتعامل مع إيران يصبح من حقها اللجوء إلى أقصى درجات العنف للقضاء على القوة النووية الإيرانية.

لم يكن عبثا أو صدفة أن يركز أوباما في مؤتمر واشنطن على احتمالات نقل التكنولوجيا النووية ومنتجاتها إلى جماعات «إرهابية» في وقت يستعد فيه زعماء دول ناهضة للاجتماع في البرازيل، فيما بدأ يأخذ بالتدريج شكل مجموعة دولية جديدة قرر أعضاؤها سلفا ممارسة بعض التحفظات على الهيمنة الأميركية.

أعرف أن هناك من يقول ان ما يجمع هذه الدول هو شعورها بأن الهيمنة الأميركية تتهاوى ضعفا، وأن استمرار ضعفها سيخلق فراغا يهدد الاستقرار العالمي يجب الاستعداد لملء جانب منه، وأعرف آخرين يعتقدون أن هذه الجماعة تحاول تأمين مصالحها الدولية والإقليمية في حال اضطر أوباما أو غيره من قادة أميركا الى تصعيد ممارسة العنف لوقف تدهور وضع الهيمنة.

تصورت في مرحلة من المراحل أن اعتدال الخطاب الرسمي الأميركي ونزوعه نحو تشجيع نهج التفاوض سيؤدي بالتدريج إلى هبوط في مستوى العنف في الخطاب السياسي الداخلي المتبادل بين القوى السياسية والاجتماعية الأميركية.

يبدو أنه في أميركا أيضا كما في مصر يغلب الطبع على التطبع. إذ عاد الخطاب الداخلي إلى درجة من العنف أعلى بكثير من مستوى العنف الكلامي الذي كان سائدا خلال حكم الرئيس بوش رغم أنه مارس عنفا هائلا في الخارج أخفت صوت العنف الداخلي.

تابعنا مسيرة العنف في الولايات المتحدة خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات وكانت عالية المستوى ولاحظنا فترة هدوء نسبي بعد تفجيرات 11 سبتمبر، ونلاحظ الآن عودة مفاجئة وخطيرة إلى خطاب عنيف وتهديد بممارسات عنيفة ضد النواب الذين أيدوا أوباما وضد إعلاميين وأكاديميين يناصرون الفقراء والسود والعدل الاجتماعي.

نذكر فترة شهدت طقوس انتحارات جماعية نفذتها جماعات دينية متطرفة، واهتز لها العالم بأسره، نذكر كذلك الحادث الرهيب في مدينة «أوكلاهوما سيتي» في عام1995 عندما قامت جماعة يتزعمها تيموثي ماكفي بتفجير مبنى الأجهزة الفيدرالية والمعروف باسم مبنى ألفريد مارّا، وهو الانفجار الذي راح ضحيته 165 فردا بينهم عدد من الأطفال تركهم أهاليهم من موظفي المبنى في دار حضانة تابعة للدولة. وقد حوكم ماكفي وشريكه تيري نيكولس واعدم الأول في عام2001 بينما أدخل شريكه السجن.

كانت لهذا الحادث أصداؤه الواسعة لسببين على الأقل. السبب الأول، أنه كشف عن مدى انتشار الجماعات الدينية المتطرفة، وبعضها مخرب أكثر من كونه متطرفا، في أنحاء أميركا وبخاصة في مناطق السهول الوسطى. السبب الثاني أنه أعاد إلى الأذهان مسألة كراهية قطاع كبير من الأميركيين للحكومة الفيدرالية وما تمثله رغم السياسات اليمينية وبخاصة النقدية التي انتهجها الجمهوريون في عهدي ريغان وبوش الأب، تركزت الكراهية على أجهزة تحصيل الضرائب.

في ذلك الوقت كان العنف قد بدأ يتصاعد بشكل مطرد حول قضايا دينية واجتماعية، مثل رفض الإجهاض، وكانت الحادثة الأبرز قيام سكوت ريدر بقتل الطبيب جورج تلير في عيادة يديرها لعمليات الإجهاض... في هذه الحالة كما في حالة تفجير المبنى الفدرالي في أوكلاهوما سيتي، اتضح أن ريدر كان يقود مع آخرين ميليشيات مسلحة من مواطنين متحمسين وغاضبين «هدفهم الدفاع عن أميركا ضد غزو كائنات قادمة من عوالم أخرى في الفضاء تحالفت معهم الحكومة الفدرالية في واشنطن التي كانت قد تحالفت مع قوى معادية للديموقراطية الأميركية ونظامها الدستوري.

هذه القوى الأجنبية تسترت تحت اسم النظام العالمي الجديد». أذكر أنه قيل وقتها ان الميليشيات «الوطنية» المسلحة كانت مدربة للقتال ضد هجوم تستعد لشنه طائرات مروحية سوداء تحمل علم الأمم المتحدة تقوم بتدمير مؤسسات الدولة الدستورية.

يعتقد البعض من الذين قرأت لهم أو تحدثت معهم أن بوش الابن جاء معبرا بأسلوب دستوري وسياسي عن هذه التيارات والأفكار الدينية المتطرفة، بل إنه شخصيا كان نموذجا وقدوة وإنه أبقى جذوة التطرف مشتعلة بكثرة ما ردد من عبارات وأفكار دينية متزمتة.

كانت ممارسات بوش مثل اختيار بولتون لمهمة محاربة الأمم المتحدة من داخلها ومثل شن حرب عنيفة ضد أفغانستان وأخرى ضد العراق، إلى جانب تطورات أخرى في عهده، دفعت الجماعات المتطرفة في أميركا إلى التخلي نسبيا عن العنف المسلح ونقلت ضغوطها إلى داخل المؤسسات الحكومية واختصت البنتاغون وبعض كبار القادة العسكريين وتسللت إلى المدارس والجامعات. ويظن بعض أصحاب الرأي أن أحداث تفجير برجي التجارة في نيويورك وجناح من البنتاغون في 2001 نفثت بعض بخار العنف المخزون لدى القيادات اليمينية المتطرفة وأعادت توجيهها نحو الإسلام والعرب كأعداء أكثر إلحاحا من الكائنات القادمة من الفضاء وإن كان الهدف واحدا وهو تدمير المؤسسات الديموقراطية كما كان يردد الرئيس بوش.

هكذا احتلت أحداث 11/9 المكانة التي كانت تحتلها أحداث أوكلاهوما سيتي. كل منهما كان نموذجا لحالة قصوى من العنف هزت أركان أميركا. ولا أخفي أن فضولي وفضول بعض ممن أعرف عنه متابعته للشأن الأميركي أثارته حقيقة أنه على امتداد سنوات تسع أو عشر كاد يختفي من الوعي الأميركي حادث أوكلاهوما سيتي وغيره مثل جرائم الانتحار الجماعي وفظائع الميليشيات المسلحة المتطرفة، بينما يبرز فوق السطح وفي أعماق الوعي حادث 11/9 ربما لأنه وجد من يضخمه ويترجم بعض آثاره تدخلا خارجيا ينقل الغضب في الداخل بسبب اختلالات في النظام الاجتماعي والاقتصادي الأميركي إلى ساحات خارجية يمارس الأميركيون العنف فيها بكل الصور الممكنة.

سمعت آل غور نائب الرئيس كلينتون يتحدث في إحدى الفضائيات. كان الموضوع عودة العنف إلى الساحة السياسية الأميركية. فوجئت بأن الرجل لم يذكر عنف الشارع الأميركي في عقود ما قبل 9 سبتمبر 2001. العنف بحسب الكثير من السياسيين الأميركيين لم يوجد قبل 2001. لذلك يبدو الجميع مذهولين بالعنف الرهيب المنبعث من الخطاب السياسي الجديد لليمين المتطرف في أميركا هذه الأيام.

هناك اهتمام حقيقي، وقلق كذلك، من احتمال أن تتطور ظاهرة تيار «حفلات الشاي» إلى معارضة مخربة لاستقرار النظام وليس فقط معارضة لإدارة أوباما. هؤلاء عادوا يذكرون بثورة اليمين ضد تجاوزات الحكومة الفدرالية في الحقوق وضد القوة المتزايدة للدولة ممثلة في واشنطن على حساب استقلال الولايات وإراداتها، بمعنى آخر يعودون بالذاكرة إلى ما قبل 2001، يدفعهم نجاح أوباما في تمرير قانون الرعاية الصحية واستعداده لتنفيذ إصلاحات اجتماعية أخرى، وتشريعات ليبرالية أوسع تتعلق بالحق في الإجهاض وعلاقات المثليين.

«أوباما ليبرالي ويساري ومسلم وأسود»... هكذا تصنفه كعدو كامل العداء لجماعة حفلات الشاي التي لا تضم يساريين أو ليبراليين أو مسلمين أو سودا، وهكذا تستعد بخطاب سياسي شديد العنف لتعبئة جماهير اليمين والحزب الجمهوري للتأثير في انتخابات نوفمبر القادم.
"السفير"