"سمع يا ناس": "الرئيس" صرح تصريحا يهز الريح../ ناصر السهلي

كم شعرت بتأثر.. وصل حده، حين بقيت طيلة فجر يوم 27 أبريل أقلب الأخبار عبثا بحثا عن ترجمة دقيقة لمقابلة السيد محمود عباس مع القناة الثانية العبرية، بعض المواقع الإخبارية الفلسطينية وضعت ترجمة من تلك المقابلة مقتصرة على توجهات تلك المواقع فلم تسترسل.. ولأقول بصراحة لا مصداقية عندي لتلك الوكالات التي تدعي المصداقية والشفافية والمهنية ، لتجربة شخصية.. ليس الآن وقت فتح ملفاتها..

بصراحة "لعب الفأر بعبي" و وسوس لي عقلي أن لا أصدق إلا إذا تأكدت بنفسي، فقد كان الفأر دوما على حق في تجارب سابقة حين كانت تُبتر تلك المقابلات..

المهم، بلا طول سيرة ما كنت أحتاجه هو غوغل ليدلني على موقع هذه القناة العبرية.. دون منة من أحد.. استمتعت بدقائق المقابلة الثلاثة عشر مكررا إياها لأحفظ وأفهم على طريقة التكرار يعلم الشطار..

ما أذهلني أن المقابلة ليست كأية مقابلة يجريها "السيد الرئيس" مع أية قناة عربية ( فما بالك بالفلسطينية).. كدت أشد شعري وأنا أستمع وأراقب حركات الجسد.. فمُجري المقابلة الذي يتحدث العربية جاء إلى المقاطعة ليعرض في سؤاله الأول "مخاوف الإسرائيليين وشكوكهم من قدرة السلطة على إبرام اتفاقية وإفشال الانقلاب في غزة "..

ذهول.. نعم ذهول.. فقد ختمت مقالي السابق بالتالي: ما رأيكم لو قلت بأن " قيادتنا" تعيش منذ 18 عاما حالة امتحان عصيب.. نعم مثل امتحانات التلاميذ على مقاعد الدراسة".. لأكتشف في جواب السيد عباس أن قيادتنا حقا تعيش حالة "امتحان".. من يفرضها؟ هذا سؤال لا يلهمني كثيرا.. ولا يعنيني فهو أمر مرتبط بمن يقول أنه يتحمل مسؤولية القضية..

إليكم الجواب على لسان " سيادة الرئيس"لصحفي صهيوني: ليجربوننا.. فنحن باسم م. ت. ف جاهزون لاتفاق.. دعهم يجربوننا ( أي الشارع الإسرائيلي القلق جدا!)..
هل القصة قصة تجريب؟

يبدو أنها في الانزلاق نحو الفخ الصهيوني، لغة وممارسة، حالة صارت هي حالة الأمر الواقع في البحث عن لعبة الإقناع وإثارة إعجاب "المجتمع الصهيوني"..

وسوس لي عقلي أن أتخيل صحفي فلسطيني يجلس في مقابلة سيادته كما فعل هذا الصحفي من القناة الثانية ليسأله سؤالا معكوسا: ماذا تقول للشعب الفلسطيني الذي يظن بأنكم تقودون بنجاح حالة أمنية قمعية و سياسة فاشلة ومدمرة للحقوق الوطنية الثابتة؟

لو أن صحفيا فلسطينيا تجرأ وسأل "الرئيس" السؤال الذي طرحته عليه القناة الثانية العبرية "لماذا كنتم تفاوضون في السنوات الماضية والاستيطان مستمر، والآن تطالبون بوقفه، هل أصعدكم الأمريكان إلى أعالي الشجرة؟".. ( وهو سؤال تم طرحه حقا في مقابلته مع تلك القناة).
بالتأكيد سيكون الجواب جاهزا.. ومعروفا.. السائل سيصبح مُشككا بالحقوق الوطنية وبالقيادة وحكمتها.. بل يمكن أن يُتهم وبتهكم بأنه يجهل السياسة وما يدور..

أما الجواب للصحفي الصهيوني، فقد حمل المزيد من التأكيد حالة الفخ الذي تعيشه السياسة الرسمية الفلسطينية.. " لكن هناك خارطة الطريق".. أعترف بأنني ضحكت.. وأنا أستمع لأجوبة مثيرة للشفقة، وخصوصا حين تم سؤاله عن نتنياهو: هو منتخب من الشعب الإسرائيلي ويملك أغلبية واضحة في الكنيست وليس من حقي التدخل.. المسألة ليست حب وكره..

تخيلت ما عاناه ياسر عرفات في مسألة "لا يوجد شريك".. وفي الوقاحة الصهيونية المتدخلة في أدق تفاصيل الحالة السياسية الفلسطينية بما فيها ما يجب أن تكون عليه شعارات وهتافات المقاومة "السلمية".. ترى ما الذي يمنع "رئيسنا" من مواجهة المجتمع الصهيوني: أنتم من اختار هذا اليمين المتطرف وليبرمان وشاس ونتنياهو.. نحن نشعر بأنه هكذا حكومة تريد فرض سلام مفصل على مقاس تطرفها وهذا مرفوض من جانبنا وعليكم تحمل مسؤولياتكم"!

سيقول لي البعض: إنها موازين القوى!
نعم، موازين القوى واضحة في نموذج جنين الذي يهزأ منه حتى محافظها.. ونموذج نابلس ومناورات أمنية في رام الله.. نموذج يقول عنه عباس، جوابا على سؤال متعلق بهاجس "الأمن": نحن قبلنا بوجود طرف ثالث، من النيتو بقيادة أميركية ليس مهما العدد والمدة الزمنية.. ليكون في الجانب الفلسطيني ( أي على أراضي الدولة المستقبلية).. يكون هذا الطرف الثالث عندنا من أجل إعادة بناء الأجهزة الأمنية ومن أجل تطمين الجانب الإسرائيلي لأن هذا الطرف الثالث يستطيع ردع أي قوى وأية جهات تهدد الأمن الإسرائيلي!

تلك الإجابة تشير إلى العقلية التي تتحدث عن دولة مستقلة ذات سيادة وبنفس الوقت نكتشف أن المطلوب كيان أمني يهتم بأمن "الإسرائيليين".. أما أمن الفلسطينيين فليذهب إلى الجحيم !..
"صائب عريقات قال لا اتفاق بوجود "معاليه أدوميم" هكذا كان السؤال..
"يا سيدي نحن لم نصل لهذه النقطة بعد.. نحن اتفقنا على حدود 67 هي الأساس، تعالوا لنتفاهم على التبادلية بالقيمة والمثل".. هكذا كانت خلاصة الجواب..
يتحدث عباس عن خرائط حملها وخرائط رآها عن أولمرت، وهو بالطبع يتحدث عن أنه نشأت علاقة شخصية مع الأخير "فقد كنا نلتقي في بيته.."..

لعمري صرت الآن أكثر وعيا بأن لا أصدق واحدا ممن يقولون "ولا مستوطنة واحدة ستبقى على أراضي الدولة الفلسطينية".. ولن أصدق "كلها غير شرعية".. ليس لأنني أرى تشريعا وشرعنة لهذه المستعمرات عبر "التبادلية".. بل لأن من يفاوض وسقفه يقول مواربة: يا هلا بكم بيننا.. نرى ما تقومون به بتدمير البيوت، بيوت الفلسطينيين من جنين شمالا حتى الخليل جنوبا وإغراق قرانا بمياه الصرف الصحي.. أقول من يفاوض تحت سقف التبادلية السخيفة لا يمكنه أن يستمر بالضحك على شعبه بأن الاستيطان غير شرعي ولن تبقى مستوطنة واحدة..
"الحل كما ورد في خطة خارطة الطريق والمبادرة العربية.. وحل متفق عليه لا يُفرض عليكم.. حل عادل ومتفق عليه.. لا أعتقد أنه هناك مرونة في الدنيا بمثل هذه المرونة.. أنا لا أقول أريد أن أفرض عليك حلا.."

نعم، هذا الرئيس محق في أنه لا توجد مرونة وميوعة أكثر من تلك!.. يعني "صرصعوا راسنا" بالحديث عن القرار 194، وفجأة نكتشف بعد السؤال التالي ما هي قيمة حق العودة إذ يسأل الصحفي: " يعني معظم اللاجئين مش راح يرجعوا لبيوتهم وأملاكهم؟".. أولا تخيلوا أن الصحفي الإسرائيلي يتحدث عن بيوت وأملاك، بينما " الرئيس "يجيبه بعد ابتسامة وحركة جسد تخفي ما تخفي:
"أنا أقول حلا عادلا أتفق أنا وأنت عليه، ثم نتيجة الحل أنا أتعامل به مع الشعب الفلسطيني"..

لم أر مثل هذا الاستهبال الواضح لملايين الشعب الفلسطيني مثلما رأيت في هذه المقابلة، فمن منح "سيادته" أن يعطي ما لا يملكه، مهما كان شأنه وشأن من يسير في ركبه، لمن لا يستحقه أساسا؟ وأين تبخر برنامج المنظمة وحركة فتح فيما يخص "الحقوق التاريخية غير القابلة للتصرف".. ألا يعرف هؤلاء قانونية القرار 194 وأن كل هذا الكيان الصهيوني قائم على قرار من الأمم المتحدة بشرط اعترافها بهذا القرار؟؟.. هل يحق لأي كان من "الرؤوس الكبيرة" أن تشطب هذا الحق باسم "حل عادل ومتفق عليه".. يا سلام.. أية عدالة هذه ومرونة وسقطات متكررة تنفيذا لمشروع إعلامي وخطابي فاشل فشل سنوات استخدامه..
البعض سيقول لي: هذه سياسة!
ولسان حال الواقع يقول هذه تياسة واستهبال للعقول..
عبر عباس بكل وضوح عن حالة التخبط السياسي الارتجالي الذي تعيشه الساحة السياسية الفلسطينية.. ففي رده عن سؤال حول "إعلان فياض عن نيته بدولة فلسطينية في العام 2011 بدون اتفاق مع الإسرائيليين"، أسرع بالقول " لا.. لا.. نحن لا نريد عملا أحاديا.. نحن نحترم الاتفاقيات"..

هذا الرد المتناقض مع كل الصراخ اللفظي عن حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره وإقامة دولته هو أيضا وقوع في فخ "العمل الأحادي".. يعني ببساطة لو أن سلطة الحكم الذاتي عليها أن تستمر لثلاثة عقود أخرى كما هي عليه اليوم فستستمر وسيبقى الشعب وستبقى الأرض رهينة مزاجية ورضا الاحتلال.. ترى ألا يجب أن يتوقف الساسة في الطرف الفلسطيني عن محاولات إرضاء المجتمع الصهيوني والتذاكي على شعبهم بالشعارات العاطفية؟

هذا ليس سؤالا عسيرا.. فمن يعتبر إعلان دولة بعيدا عن قبول الاحتلال خطوة أحادية الجانب يقع في المطب مرة تلو مرة.. عدا عن أن كل الممارسات الاحتلالية اليومية هي خطوات منافية لكل الالتزام الفلسطيني الحديدي والفولاذي بقضايا التنسيق الأمني المخزي، فيبدو أن كل القانونيين الدوليين والعرب لا يفهمون كثيرا بنظر "سلطتنا" عن مسألة الدولة وتقرير المصير وتحميل المجتمع الدولي مسؤوليته في إنهاء احتلال أراضي دولة محتلة.. وكأننا حقا أمام حالة "الحياة مفاوضات"!

لا أفهم حقا كيف يمكن أن يصبح شاليط هما من هموم العمل الرئاسي ليطالب بأن يتسلمه بنفسه وإجراء صفقة "ترضي الجميع".. أي تناقض هذا بين الحرص على شاليط وفي الجانب الصهيوني؟.. لا أحد.. لا أحد يذكر نائل البرغوثي ولا حتى الرئيس بنفسه.. أي تناقض هذا والرئيس لا يطالب بإطلاق سراح ساسة منتخبون في "التشريعي"؟.. متى سمعنا اهتماما بمن يتم خطفهم من الفلسطينيين ومن هؤلاء الذين يتم إعدامهم أمام أهاليهم؟.. سيقول البعض، السلطة تضع الأسرى ضمن الأولويات.. لكنني أقول لم تكن مرة ضمن شروط التفاوض..
هذا أمر مفضوح لا يحتاج للتفصيل..

شيء مخز حقا أن لا يتحدث رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عن عربدة المستوطنين على امتداد الأراضي المحتلة وعن كل القمع والإذلال الذي يعيشه شعبه من الولجة إلى عراق بورين وكل خربة..

صحيح، لماذا أطرح هذا السؤال وسيادته يتحدث عن "المقاومة الشعبية" بطريقة كاريكاتورية تثير الاشمئزاز.. فبينما يقوم الاحتلال بالتنكيل وحماية العربدة الاستيطانية يريد عباس لشعبه أن لا ينجر إلى فخ الحجارة والرصاص، ولا أريد أن يقوم أحد بمظاهرة وبالتالي يصطدم بالعنف مع الإسرائيليين ( هذا ما قاله)..

ما هي المقاومة الشعبية عند الرئيس عباس؟
هي من النوع الفريد من نوعه.. اختراع تحت التجريب.. ليفعل الاحتلال والمستوطنون ما يريدون، لكنهم لن يستفزوننا ولا حتى بصرخة ألم وغضب.. لماذا؟ لأنهم يضعون لنا فخا.. يعني كل الأفخاخ تحتاج حكمة من نوع آخر.. تعايش مع الاحتلال مهما فعل.. لا تعطيه فرصة ليستفزك.. وبصراحة أكثر مباشرة، يبدو أن الحق هو على الشعب الفلسطيني الذي يقع في فخ الاستفزاز.. يعني مثلا إخطارات بهدم المنازل في سلوان ونابلس وجنين واقتحام القرى بقوات عسكرية وإعدام الناس بدم بارد وبالقرب من عاصمة الرئيس لا تحتاج أكثر من دورة في دوار المنارة تهتف الجماهير "فليسقط الاحتلال. وليتوقف عن قتلنا واعتقالنا وقرارات طردنا..إلخ" وربما مع بعض الخطب الرنانة يكفي بالغرض.. لأن الاحتلال عندها سيرتعد ويرتدع ويفر هاربا ولا يجتاح أو يعتدي على الأرض والشعب..

أسئلة لم يسألها الصحفي لسيادته، ترى ما الداعي لأن تتلقف أجهزتــ"ك" الأمنية كل أسير مفرج عنه أو مطارد لم يسلم نفسه؟.. ولماذا يهدد عزام الأحمد بوقف التنسيق الأمني بينما تقولون لشعبكم لا يوجد مثل هذا التنسيق؟.. ترى لماذا قلبك رقيق جدا تجاه معاناة أولمرت الجنائية وتتفرد مع أطراف فلسطينية بنظرية صارت أكثر قدسية عندك من القرآن.. لا لقاء قبل التوقيع؟؟

هل يقوم جيش الاحتلال بعملية وقائية واحدة بحق المستوطنين وسلاحهم المكدس للاعتداء على شعبك وممتلكاته؟.. تماما مثلما يريدكم الاحتلال أن تصبحوا قوات لحماية أمنه وعربدة مستوطنيه، أنتم تقعون في مطب تلو المطب.. ولا مصداقية في التاريخ لمن يقبل إملاءات محتليه بإفراغ حركة شعبه التحررية من مضمونها عبر التهديد والترغيب.. ولماذا لا تصارحون شعبكم كما تصارحون دولة الاحتلال كما جرى في المقابلة التي اشرنا إليها؟
-------------------------------------------------

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص