المال والنفوذ../ د.عبد الرحيم كتانة*

لم يفاجأ الشارع الفلسطيني بما خلص إليه اجتماع المجلس الثوري لحركة فتح الذي انعقد في رام الله في الفترة الممتدة من 24- 27 نيسان الجاري. فقد سبق الاجتماع المذكور تسريبات جمة تتحدث عن حالة غضب تسود الشارع الفتحاوي نتيجة سيطرة سلام فياض على المال وياسر عبد ربه على الإعلام.
وفعلا صدقت التوقعات، فقد كانت هذه أهم النقاط التي أثارها أعضاء الثوري في الاجتماع المذكور حسب ما رشح عنهم.

الحقيقة أن المال والإعلام هما عناصر قوة أي نظام عبر التاريخ وفي الحاضر، والمستقبل على ما يبدو. وقد فهم الحكام هذه البديهية جيدا، ولا بأس من الإشارة إلى أن الراحل ياسر عرفات أمسك بخيوط المال، وأحكم سيطرته على الساحة الفلسطينية طيلة ما يقارب الأربعين عاما، ولم تتضعضع سلطته إلا عندما أجبر على التخلي عن حقيبة المالية للدكتور سلام فياض (والكل يعرف هذه الحقيقة) وعن رئاسة الوزراء قبل المالية لصالح من هم في السلطة الآن.

وعندما كانت فتح تقود السلطة ويمسك معظم قياداتها بالمناصب الوزارية، منذ تأسيس أول حكومة حتى حصار عرفات، لم يبق عضو لجنة مركزية أو ثوري إلا وأصبح وزيرا أو محافظا أو قائدا لجهاز امني أو سفيرا (وذلك أضعف الإيمان)- هل يستطيع احد أن ينكر هذه الحقيقة؟ وهل حققت القضية الفلسطينية أي اختراق يذكر عندما كانوا وزراء؟ إذن ما الجديد حتى تثار هذه الضجة؟

الجديد أن سلام فياض الذي حصل (حزبه)على 1% من أصوات الناخبين أصبح رئيسا للوزراء دون تصديق التشريعي المغيب. وأمسك بالمال وبالتالي بالإعلام، وأصبح من يمسك بالقرار مما يسحب البساط من تحت أرجل فتح، التي باتت تخشى (بدون مال) من فقدانها عناصر قوتها وسيطرتها على الشارع الفلسطيني بشكل عام و الفتحاوي بشكل خاص وبالتالي طارت الامتيازات!!!

إن أبناء فتح لا يستطيعون أن يستوعبوا هذه الحقيقة الجديدة، لأنهم يعتبرون أنفسهم التنظيم الأهم في الضفة الغربية (وهذا صحيح إلى حد ما)، ويعتبرون أنفسهم أصحاب المشروع الوطني وحماته. وما دام الأمر كذلك فيجب أن يبقى مفتاح الخزانة في جيوبهم.

والحقيقة أنه في خضم هذا الهرج، تم القفز عن مسألتين في غاية الأهمية :
الاولى أن من يقرر أين يجب أن يكون المال لا هو سلام فياض ولا هو أبو مازن، لأن من يعطي المال هو من يقرر بأيدي من يجب أن يبقى. وعلى من يريد حقيبة المالية ليصرف منها كما يشاء عليه أن يقدم أوراق اعتماد للمانحين أفضل من أوراق سلام فياض!!!
والثانية أن أي مشروع سياسي جدي لم تتم مناقشته في اجتماع الثوري سوى بعض الإدانات والتمنيات، وفي ظل المأزق التي وصلت إليه الحياة (مفاوضات) فإن مشروعا إنقاذيا كان يجب أن يستحوذ على جلسات الاجتماع وليس مشروعا ماليا.

فهل قضية فلسطين تم تقزيمها إلى هذا الحد: من يمسك المالية والمحاسبة ومن يصبح وزيرا؟ هل بقي شيء من القدس والأرض والشعب لنتصارع على كرسي وزارة وعلى خزينة أموال مشروطة؟ وبشكل أدق، هل سيطرة فتح على الخزينة كفيلة بإنهاء الانقسام ورفع الحصار عن غزة وإعادة القدس واللاجئين؟ ألهذا الحد وصل بنا الجنون والاستهتار؟
وهذا لا يعني أنني من أنصار سلام فياض ولا غيره.

حسنا، سيقولون لنا لقد أكد الاجتماع على رفض استئناف المفاوضات إلا بوقف الاستيطان، أما نتنياهو وميتشل يقولون العكس، فمن نصدق؟ الجواب واضح.. مرة أخرى من يعطي المال هو من يقرر ما دمنا أسرى الراتب والامتيازات.