درس "بيركلي" وسلاح المقاطعة../ خالد بركات*

مرة أخرى يحتدم الصراع والجدل بين "أنصار فلسطين" وأنصار الحركة الصهيونية في الجامعات والمعاهد الأمريكية. وهذه المرة في جامعة "بيركلي" بولاية كاليفورنيا، حيث تخوض الحركة الطلابية المناهضة للاحتلال الإسرائيلي معركة سياسية منذ شهور، وصارت مركز الاهتمام والضوء، سيما في الأسابيع القليلة الماضية.

حقق أنصار فلسطين نشر دعوة المقاطعة ومعاقبة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها، وتحالفوا مع قوى ولجان طلابية ونقابية أعلنت بوضوح أنها تناصر الحقوق الوطنية الفلسطينية وهي ممثلة في مجلس الطلبة ( بمعنى قوى تأخذ خطوة عملية في وضح النهار) لصالح حقوق الفلسطينيين...هذا على بساطته، مهم جدا.

وفي الفترة الأخيرة، كلما عقد مجلس الطلبة في الجامعة اجتماعه العادي وبحث مشروع القرار القاضي بسحب الاستثمارات التابعة لشركتين أمريكيتين في مجال التصنيع العسكري مع إسرائيل، يَحصد أنصار الحقوق الفلسطينية على ألأغلبية من الأصوات، لكنها أغلبية ليست كافية حتى الآن، ولم تؤهلهم لتحقيق نصر حاسم في الاجتماع الأخير، يوم الأربعاء 28 / ابريل /2010. نتائج التصويت جاءت أكثر قربا إلى تحقيق النصر، بفارق صوت واحد فقط، وهي على النحو التالي:
"13 مع القرار، 5 ضد، صوت واحد ممتنع.. الأصوات المطلوبة لنجاح القرار 14 صوتا"..

صحيح أن القرار لم ينجح، بفارق صوت، لكن ما حدث هو انتصار بلا جدال، فالهدف كما يقول الطلبة أنفسهم هو مواصلة المعركة مع الصهاينة العنصريين في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، وان تحقيق المزيد من الأصوات مستقبلا يعني بكل بساطة المزيد من العمل والتنظيم والحشد.

كما يلاحظ من نتائج التصويت أعلاه أن تحقيق الانتصارات الجزئية والصغيرة أمرا ممكنا وواقعيا. ولو تم عرض مشروع القرار في سنوات ما قبل الانتفاضة الثانية وقبل عملية التحشيد الإعلامي والسياسي ضد الحرب والاحتلال، لما تحققت هذه النتائج المبشرة.
كما يحسب لحملة المقاطعة وقيادتها في الوطن المحتل دورهم في التواصل مع القطاع الطلابي في الجامعات من خلال المحاضرات والمؤتمرات وتجاوب القوى اليسارية التقدمية مع بياناتها الصادرة من الوطن.

قام الطلبة في "بيركلي" بدور تنظيمي وقيادي رائع وعملوا بلا كلل، حققوا التواصل مع شرائح جديدة من اللجان الطلابية داخل الجامعة وخارجها، بحثوا عن القواسم المشتركة، وجدوها مع الطلبة السود، وأنصار البيئة ولجان الدفاع عن الحقوق المدنية والنقابية والنسوية..الخ. هذا التشابك النضالي – إذا جاز التعبير - وظفه الطلبة الفلسطينيون والعرب وأنصارهم في جامعة بيركلي لصالح قضاياهم وفي مقدمتها قضية المقاطعة، وهكذا حققوا مكاسب سياسية وإعلامية لصالح النضال الفلسطيني وترجمة شعار سحب الاستثمارات من إسرائيل بطريقة عملية وخلاقة.

إن هذه المواقع الأكاديمية الكبيرة والمرموقة محرمة على الفلسطينيين والعرب وأنصارهم، لكنها بفعل مقاومة الشعب الفلسطيني وصموده وبسبب تنظيم حملات التضامن والمقاطعة من جهة أخرى، تتحول إلى منابر للشعب الفلسطيني ويكون الاحتلال في القفص وموقع الدفاع.

يقف الطلبة من أنصار مقاطعة الكيان الإسرائيلي العنصري ويستنكرون المجازر الإسرائيلية ويعرّفون الطلبة الجدد والمحيط التربوي والثقافي الأمريكي بواقع ونضال الإنسان الفلسطيني ويكشفوا خطر "مشروع إسرائيل" الاستيطاني والاقتلاعي على المنطقة، بل وحتى على راهن ومستقبل الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا بالضبط ما يفسر سر الاهتمام البالغ لدوائر الخارجية الإسرائيلية وإرسالها القناصل والمبعوثين لحضور اجتماعات مجلس الطلبة في "بيركلي"!

يدرك أنصار إسرائيل في الولايات المتحدة معنى أن تنتشر "عدوى المقاطعة" إاذا نجحت في الجامعات والنقابات العمالية، إذ لا مفر من معركة سياسية وفكرية ينتصر فيها أنصار فلسطين في المؤسسات الشعبية المنظمة أولا وبالتعاون مع الحلفاء الطبيعيين للشعب الفلسطيني وخاصة القوى التقدمية في أوساط السود والشعوب والأقليات المضطهدة وأنصار العدالة من اليهود. هذه شروط أساسية تؤمن الانتقال من أسوار الجامعة إلى الشارع واستنهاض حملة شعبية أمريكية وأوروبية لا تعتمد فقط على النخبة المثقفة واليسارية والليبرالية وتنتقل إلى بيت الإنسان الأمريكي العادي، تلك مهمة جماعية وكبرى، تستدعي دورا متزايدا وأكبر للجالية الفلسطينية والعربية للمشاركة في حملة سحب الاستثمارات والمقاطعة.

لا يزال الصهاينة يركنون في خطابهم على ذات القصة المشروخة التقليدية عن "إسرائيل الصغيرة" التي تعيش في "محيط عربي كبير ومعاد ومتخلف، يملك الغاز والنفط ويكره اليهود"، أما النصف الثاني من "الخرفية الصهيونية" فهي كلمة واحدة أو اثنتين: "المحرقة والإرهاب"، هذه صورة مركبة ومستدخلة، عن ضحية مفتعلة ووهمية تعيش، فالصهيوني الرسمي يتقمص دور الضحية وهو يخاطب طلبة بيركلي، ويقول له يهودي آخر: إسرائيل ليست ممثلة شرعية لعذابات اليهود.. نحن والفلسطينيون ضحايا الإرهاب الصهيوني.

صورة اليهودي المظلوم دائما، والتي رسخها الإعلام الأمريكي الصهيوني ومؤسسة هوليوود في رأس الإنسان العادي وفق نهج مدروس ومنذ عشرات السنوات، هذه الصورة لم تعد "تخرط" في رأس الآلاف من الأمريكيين وبات توظيفها وتكرارها واجترارها يصل إلى حدود الملل ولا يفي حتى بالغرض الصهيوني، ولأن طالبا أمريكيا بدأ يسأل: ترى ما هي العلاقة بين المحرقة في ألمانيا وبناء الجدار الإسرائيلي العنصري في قلقيلية؟ ما هي العلاقة بين معاداة السامية والموقف الأخلاقي والإنساني والقانوني من مجزرة وقعت في قطاع غزة؟ تبدو العلاقة واضحة أكثر بين الـ"أف 16" وبين المجزرة الإسرائيلية، وبين أمريكا وبين احتلال عنصري يبني مستوطنات ليهود نيويورك وشيكاغو، صاروا "مواطنين" في لحظة واحدة، بينما يهدم الاحتلال بيوت العرب الفلسطينيين في القدس، ويمنع اللاجئين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في العودة غالى ديارهم ؟ كيف يمكن تبرير هذا الرياء؟ وإلى متى؟