ست ملاحظات على زيارة وفد الـ48 إلى ليبيا/ زهير أندراوس

أوّل مرة أشعر بأنّ الحواجز بين العرب والعرب تحطمت، عندما وصلت إلى الجماهيرية برفقة أول وفدٍ من أراضي الـ48 يدخل إلى هذا الجزء العربيّ النابض، بدون جواز سفر، هكذا انتصر الحق وزهق الباطل، فنحن نحمل الجوازات الإسرائيلية، من منطلق مكرهاً أخاك لا بطل، ولأننّا لا نملك أيّ وسيلة أخرى لمواصلة الرباط في فلسطين، لكي نبقى على النار قابضين، رغم المعاناة والتمييز العنصري والقهر القومي اليومي، فلا وطن لنا، ونحن من رحم هذا الشعب انطلقنا إلى النور، وعلى الرغم من محاولات الدولة العبرية وبعض أعوانها في الداخل بأسرلتنا وعزلنا عن محيطنا العربيّ-الفلسطينيّ، وتشويه ثقافتنا، ما زلنا وسنبقى متمسكين بكل فخر واعتزاز وكبرياء بانتمائنا للأمة العربيّة. وعلى الرغم من ذلك، هناك العديد من الملاحظات التي نرى لزاماً على أنفسنا أن نُسجلها بعد عودة الوفد إلى أرض الوطن:

أولاً: أرى أنّ هذا المنصة هي المناسبة لأقول ما كنت أريد أن يسمعه الزعيم الليبي: في شهر حزيران (يونيو) القادم يُنهي قطاع غزة السنة الرابعة من الحصار الإجرامي المفروض عليه بسبب قيام المقاومة الفلسطينية بأسر جندي احتلال إسرائيلي، ماذا فعلت الأنظمة العربيّة، المعتدلة منها والمصنفة متطرفة، لكسر هذا الحصار؟ ماذا فعل الزعماء العرب من المحيط إلى الخليج من أجل إخراج سكان قطاع غزة من أبشع سجن في العالم؟ لماذا لم يقم أيّ زعيم عربي بزيارة القطاع المحاصر؟ أين التضامن والتعاضد العربيّين؟ كيف تسمحون باستباحة سكان القطاع بهذه الصورة البشعة والقذرة التي تفرضها دولة الاحتلال؟ لماذا لا تُقسّم الآلام والهموم بين أبناء الأمّة الواحدة؟ من قال إنّه يتحتم على الفلسطينيين في غزة أن يتحملوا كل هذا العذاب؟ أين المارد العربي؟

ثانياً: الأخ العقيد القذافي طالب أعضاء الوفد من فلسطينيي الـ48 بأن يتخذوا موقفاً من الصراع الدائر بين حركتي فتح وحماس، وهو محق في ذلك.

ثالثاً: علينا أن نقول لأبناء أمتنا العربيّة: زيارة عرب الداخل إلى ليبيا، التي لا تقيم أيّ نوعٍ من العلاقات مع الدولة العبرية، هي زيارة تاريخية وفق كل المعايير والمقاييس، هدفها التواصل بين أبناء الأمّة العربيّة، وليس زيارة تطبيعية بين الدولة إسرائيل وليبيا، وبالتالي نرى من المناسب أن نقول بدون لف أو دوران، لكل من يريد الاصطياد في المياه العكرة، ولجميع المنافقين والمهاترين: الإنسان العربيّ ليس بحاجة إلى تطبيع مع شقيقه العربيّ في أيّ مكان، كنّا وما زلنا وسنبقى الجزء النابض من الأمّة العربيّة والشعب الفلسطيني، شاء من شاء وأبى من أبى، ولا غضاضة في هذا السياق من لفت انتباه العديد: الزيارة حطّمت الحاجز الذي فرضه العرب علينا منذ النكبة، الزيارة دحضت إلى الأبد المقولة بأننّا إسرائيليون، الزيارة وجهت رسالة إلى الدولة العبرية التي تتعامل معنا من منطلقات عنصرية وعبر فوهة البندقية: نحن جزء لا يتجزأ من الأمّة العربيّة، ونرفض رفضاً باتاً التعامل معنا على أننّا إسرائيليون، ونطالب كل من تُسول له نفسه بالافتراء علينا بأن يراجع موقفه، فلسنا بحاجة إلى صكوك براءة، ولسنا بحاجة إلى شهادات في الوطنية والقومية.

مضافاً إلى ذلك، نحن لسنا دولة، نحن أقلية قومية، تمارس إسرائيل أبشع السياسات ضدّها، وقبل توجيه الاتهامات على الجميع، مع حفظ الألقاب، أن يسألوا: لماذا تقيم دول عربيةً علاقات مع إسرائيل؟ لماذا يتعانقون مع أركان الدولة العبرية، الذين يستقبلون في عدد من العواصم العربيّة سراً وعلناً. وبالمناسبة نوافق العقيد القذافي على ما قاله خلال الاجتماع مع الوفد: نتألم كما تتألمون، قدومكم إلى ليبيا خطوة شجاعة، ونريد إسماع صوتكم للعالم، لكي يكتشف زيف مزاعم الاحتلال بأنّه يراعي حقوق الإنسان، هذا الاحتلال القائم على إبادة الشعب الفلسطيني، والذي يقتل أبناء هذا الشعب لكي يُقدّمهم قرباناً في المعارك الانتخابية.

رابعاً: الوفد شُكّل لكي يمثل جميع روافد المجتمع العربيّ الفلسطيني في الداخل، النائبة حنين زعبي، من التجمع الوطني الديمقراطي، والتي نفتخر بها وبمواقفها المشرّفة، كانت المرأة الوحيدة ضمن تشكيلة الوفد، ولكن لم يتم منحها حق الكلام خلال اللقاء مع القذافي، وهذا الأمر بحد ذاته وصمة عار في جبين جميع أعضاء الوفد، لأنّ مناسبات تاريخية من هذا القبيل، تُحتّم على الجميع الترفع عن الخلافات والاجتهادات المختلفة، ومنح كل ذي حق حقه، ولا بدّ في هذا السياق أن نوضّح بشكل مباشر: لا ننحي باللائمة على المنظمين، بل يجب أن نتعلم درساً لكي لا نقع في نفس المطب، خصوصاً وأنّ المرأة هي نصف المجتمع، ولأنّ النائبة زعبي هي أول امرأة تصل إلى الكنيست الإسرائيلي ممثلة لحزب عربي قومي، ولأننّا، فكراً وممارسة، نريد أن تكون المرأة العربيّة الفلسطينية نبراساً نحتذي به في جميع أصقاع المعمورة، ورمزاً للمساواة والعدالة الاجتماعية والسياسية.

خامساً: وبمّا أنّ العقيد القذافي طالبنا أيضاً بتحديد موقفنا من القمة العربيّة ومن الزعماء العرب أيضاً، نجد من المناسب إبلاغه بأنّ الرئيس الفلسطيني، محمود عبّاس، هو الذي أطلق التصريح المشهور بأنّ الفلسطينيين في الدولة العبرية هم عرب إسرائيل، وهو الذي قال إنّ مواقفهم المتشجنة تعود سلباً على القضية الفلسطينية، وهذا الموقف المائع ليس مقبولاً على السواد الأعظم من فلسطينيي الـ48، وعلى الزعماء العرب، وفي مقدمتهم القذافي، أن يأخذوا على محمل من الجد والمسؤولية تداعيات هذا التصريح وأبعاده الخطيرة على الفلسطينيين وعلى العرب، لأنّ إسرائيل ستوظفه من أجل سلخنا عن محيطنا القومي والوطني والثقافي، أي أنّها ستستغل هذا التصريح لتبرير قمعنا ومواصلة الإدعاء بأننّا متطرفون، لقد حافظنا على هويتنا العربية الفلسطينية في ظروف حصار وعزلة داخل دولة لم نخترها، بل هي التي اقتلعت شعبنا واستوطنت أرضنا، وفي كل شعب تجد من يتساوق مع الدولة التي يعيش فيها ولو كانت غاصبة ومستعمرة، ولكن التيار الوطني اختار طريق النضال، ولم نكتف بالحفاظ على هويتنا العربية بل رفعنا، في الحركة الوطنية على الأقل، رايات الوحدة والعروبة.

سادساً: خلال تواجد الوفد في ليبيا باشرت جوقة المحرضين الإسرائيليين بإسماع صوتها النشاز، وبدأ أعضاؤها يطالبون بمحاكمة جميع أفراد الوفد لأنّهم وصلوا إلى دولة معادية لإسرائيل، أولاً نقول لهم يا أهلاً بالمعارك، فهذه المطالبة بمحاكمتنا تؤكد لنا مرّة أخرى على أنّ الحكومة الإسرائيلية الحالية والتي سبقتها والتي ستجيء بعدها، هي حكومة تغالي في التطرف والعنصرية، والتحقيق معنا أو محاكمتنا هو جزء لا يتجزأ من نضالنا في وطننا، وليس دولتنا، ونحن على استعداد لدفع ثمن تواصلنا مع أبناء جلدتنا، ثانياً، نقول للإسرائيليين، عليكم أن تعوا الحقيقة الدامغة: لا نرى بليبيا عدواً لنا، ولا نرى بأيّ دولة عربيّة عدواً، وإرهابكم لن يخيفنا، بل بالعكس سيزيدنا قوة وإصراراً، وسنواصل التواصل مع أبناء الأمّة العربيّة، لأنّ هذا واجبنا وهذا حقنا، و'لا يضيع حق وراءه مطالب'.