قامات لن تحنيها الزنازين../ د.باسل غطّاس

ماذا يريد “الشاباك” الإسرائيلي من أمير مخول وعمر سعيد؟! هل ثمّة فعلاً من يعتقد في أروقة المخابرات الإسرائيلية أنهّما” جاسوسان” لجهة أجنبية أو تعاملا مع “العدو” و”أمّداه بالمعلومات”. بالطبع لا، وهم أول العارفين بهذا الهراء الأشبه بالهلوسة حتى لو كتب في لائحة اتهام على أوراق الدولة الرسمية.

ما يريده “الشاباك” فعلاً هو إعادة ترسيم حدود دائرة العمل السياسي للأقلية القومية خارج قوانين اللعبة التي وضعها النظام السياسي الديموقراطي القائم. هذا كان جوهر قضية عزمي بشارة وهذه هي القضية التي نواجهها اليوم، وفي الحالتين القضية ليست قضية أفراد أو حتى أحزاب بل هي همٌّ مشترك لكل الفلسطينيين في الداخل.

طبعا إعادة ترسيم الحدود بالنسبة لـ “الشاباك” ضرورية عندما يعتقد هو أنَّ العرب تجاوزوا حدود الدائرة المسموح لهم اللعب بداخلها حتى ولو استخدموا قوانين اللعبة المتفق عليها. و”العصا السحرية” التي يمتلكها “الشاباك” ويصنع بها ما يشاء هي العصا الأمنية التي يستلها من دون عناء أو جهد كبيرين، وهي سحرية ليست علينا بل على المحاكم وجهاز القضاء الإسرائيلي الذي يقع في “شباك” الساحر بسهولة فيصبح مدانًا حتى تثبت براءته.

لا جديد في كل ما تقدم، وهذا هو عمليًا ما جاء في تصريحات رئيس الشاباك يوفال ديسكين سيئة الصيت.

الجديد هو قرار واضح بأن تستخدم هذه العصا الأمنية ضد قيادات سياسية للجماهير العربية حتى لو كانت منتخبة جمهور وتتمتع بموقع جماهيري واحترام محلي وعالمي.

الرسالة واضحة: لا أحد محصن في وجه السوط الأمني، نحن أسياد المكان، نسحبكم من فراش النوم، ونعتقلكم مثل المجرمين أمام عيون أطفالكم، ونزجكم في الزنازين ونمنع عنكم لقاء المحامين. لن يشفع لكم موقع علمي أو شعبي أو جماهيري. سنمرغكم في التراب ونجعلكم عبرة لباقي القيادات والأجيال القادمة. إلعبوا فقط داخل الدائرة التي نرسمها لكم.

هذه الدائرة تضيق باستمرار مع ضيق فسحة العمل الديموقراطي تحت وطأة اليمين واليمن المتطرف الذين أصبحا في مركز الخارطة السياسية في إسرائيل.

إنَّ الخطأ الذي يقع فيه جهاز المخابرات الإسرائيلي نابع من غباء بنيوي “يتمتع” به كل نظام قمعي واستيطاني على وجه الخصوص في العالم، والذي بموجبه لا حدود لتأثير القوة، وأن سيّد المكان قادر على كل شيء. هو لا يعرف مثلا أنه كلما اعتقد أنة يحاول كسر قامات القادة والنشطاء السياسيين في أروقة المعتقلات والزنازين، تزداد قاماتهم عنفوانا وعزة حتى تطال السماء.

وحتى لو “نجح” تحت التعذيب والضغط بأخذ “اعتراف” ما أو إلصاق تهمة ما فإن هذا النجاح هو الفشل بعينه لأنه في ذات الوقت يتحول المعتقل في الانفرادي أو على كرسي التحقيق “التعذيب” إلى بطل في عيون شعبه ويصبح هو المثل للأجيال القادمة من الناشطين السياسيين الشباب.

مع اتضاح إصرار الشاباك على تنفيذ سياسة مبرمجة لتنفيذ تهديدات ديسكين، وأن قضية ملاحقة قائد سياسي مثل عزمي بشارة لم تكن قضية فردية (هناك من ذهب إلى حد تحميله مسؤوليتها، ومن الممكن أن تظهر أصوات مشابهه هذه المرة أيضا)، هناك درسان أساسيان قديمان أيضا قدم الظلم والقمع وقدم الكفاح من أجل التحرر من نيرهما ولكننا كشعب علينا أن نذكرهما ونطبقهما وهذا ليس مفهومًا ضمنًا وفقط إذا استطعنا تطبيقهما أيضا بإصرار وبحزم نستطيع ردع الشاباك من المضي في تنفيذ مخططاته.

الدرس الأول هو الرد الجماعي والموحد وعلى أعلى مستوى وبمشاركة فاعلة من القيادات كافة وعلى مدار الساعة. من الضروري وبشكل فوري بروز دور لجنة المتابعة العليا وحتى انعقادها بشكل دائم ودعوتها لنشاطات عديدة قطرية حتى الإضراب العام. هنا لا مجال للتراجع والنظر للموضوع كقضية فردية أو حزبية في أحسن الأحوال. هنا لا تنفع ضريبة كلامية في التضامن والاستنكار وكفى الله المؤمنين شر القتال. بناء عليه أيضا يستوجب تنظيم النضال والرد الجماهيري وهذا بحد ذاته مثقف ومجند للشارع العربي، ويرسل رسالة واضحة للشاباك والحكومة تقول إننا لا نخاف ولن نسمح بتقييد حرية العمل السياسي، وبأنه إذا جرى التمادي في ضرب وتقييد هذه الحرية فلدينا خيارات أخرى منها رفض المشاركة في اللعبة أصلا.

أما الدرس الثاني فهو ضرورة الالتفات إلى الأشخاص أنفسهم وعائلاتهم وتقديم كافة أنواع الدعم والتضامن والاهتمام ومتابعة هذه المسيرة التي قد تطول. ولهذه المسيرة ثمن باهظ يدفعه في هذه الحالة أمير وعمر أولا وعائلاتهما. واجبنا الأخلاقي والإنساني والسياسي مشاركتهما والوقوف معهما وتخفيف وطأة معاناتهما بما استطعنا إلى ذلك سبيلا.