قراءة في محاضرة د .عزمي بشارة في مركز الخليج للدراسات../ وليد حاج عبد القادر

بداية لا أحد ينكر موسوعية د. عزمي بشارة ومداركه المتدفقة والمتألقة ـ عربيا ـ لا بل وتجليه الواضح كمفكر ذي رؤية ومشروع لأفق عربي، خصوصا وأن محاضرته التي ألقاها بمركز الخليج للدراسات كانت بعنوان ـ هل من أفق لمشروع عربي. ( لمزيد من الإطلاع يمكن العودة الى جريدة الخليج العدد 11317 الجمعة 14 / 5 / 2010 صفحة 28 و 29).

وقد أبدع بكل ما تحتويه هذه الكلمة من معنى في وصفه العلاقة الجدلية بين عجز النظام السياسي ـ أي نظام ـ في الدفاع عن المواطن والوطن العربي ".. إن النظام السياسي العاجز عن الدفاع عن حقوق المواطن وكرامته هو نفسه النظام العاجز عن الدفاع عن الوطن العربي، والرافض للإنضواء في إطار للأمن القومي العربي، إنه النظام السياسي الرسمي العربي الذي لا يعترف أصلا بالوطن العربي مفهوما وممارسة إلا لإغراض التحريض الطائفي والمذهبي".

وبدا واضحا وصريحا إن مع نفسه أو توجهه القومي العربي أو العروبي ـ كما سنرى لاحقا ـ وقد توضحت رؤيته وتجلت بصراحة متناهية لا بل رأى.. "وترتبط مهمة تجديد الفكر العربي بمشروع بناء الأمة وببلورة برامج وتحديد مطالب تكون مفهومة للناس".. ومن هنا حاولت مرارا أن أمارس ـ كواحد من الناس ـ كرديتي لا بل حاولت تقمص منطق ذاك ـ الأمازيغي ـ في "تيزي اوزو" أو مراكش وأولئك القابعين نضالا منذ عشرات السنين في جنوب السودان ـ أقول ـ حاولت أن أتقمص ردة الفعل.. والأصح أصرخ بما أحسست به وأنا أقرأ بشغف ما قاله المبدع حقا ـ عربياـ والمفكر الذي لا أخفي إعجابي به..ولكن بكل أسف : بان لي الإغتراب وبعنف عن مشروعه الفكري الرائد والجائز لا بل الممتاز لأمة عربية واحدة أو متوحدة.. الخ.

يقول د. بشارة: "لا شك أن غياب مفهوم الحقوق والضمانات الإجتماعية.. وإعاقة الديمقراطية وتقييد الحريات السياسية ومسألة الهوية العربية في مواجهة التفتت العشائري والطائفي كلها قضايا مترابطة متواشجة تتعلق بحياة البشر اليومية وبمستقبل أبنائهم... وما يصح بشأن فلسطين يصح بشأن العراق، وبشأن كل أرض عربية محتلة نتيجة للعجز العربي في الدفاع عن تكامل هذا الوطن أو نتيجة لتواطؤ دولة عربية ضد دولة عربية أو شعب عربي آخر. كل أرض عربية محتلة هي قضية العرب، ومركزية فلسطين نابعة من أنها عنصر أساسي في الهوية والوعي العربيين، ولأن استعمارها استيطاني يرمي إلى الديمومة ويعاد تصميم المنطقة على قياسه" (؟؟ !! الإشارات مني).

وللحق فقد أبدع من جديد في توصيفه وتشخيصه للنظام.. أي نظام.. "وللكن من حيث المبدأ لا يمكن التوقع من نظام يضطهد شعبه أن يحمل خيرا لشعب آخر..". وبالرغم من كل هذا الإبداع وبالرغم من كل محاولاتي الشخصية في ممارسة كرديتي أو تصور رد فعل الآخرين والدائمين إقامتهم على أرضهم وبالرغم من فهمي أو استيعابي المتواضع لمفاهيم وطروحات المفكر د. عزمي بشارة إلا أن الوضوح كان سائدا في طرحه العربي/ العروبي، وإن بدا على خلاف الطرح أو الفعل الممارس من قبل أنظمة القهر والإستبداد.. طريقة أخرى نحو التذويب والإنحلال القوموي الآخر ـ الكردي والبربري والإفريقي ـ في بوتقة القومية العروبية ـ ثقافيا ومن ثم اضمحلالا تاما ولا بأس للعرب أو العروبة أن تناضل لا بل أن تجعل واحدة من مهامها الجسام خطر التجزئة أو ما نسميها نحن ـ اتفاقية سايكس بيكو ـ وأن يحاول الكرد ـ مثلا ـ في التوجه نحو تحقيق مشروعهم القومي/ النهضوي على شاكلة طرحه القومي الذاتوي.. فنراه يقول: "لم تنجح الدولة العربية القطرية نفسها في إقامة أي نوع من الوحدة العربية.. ولم تنجح أيضا في بناء أمة المواطنين على المستوى الداخلي أي على مستوى الدولة القطرية.، ويلاحظ المواطن العربي بأسى كيف تجرى محاولات لتفتيت دول عربية أو تقسيمها فدراليا كما هي حالات العراق والسودان واليمن والصومال. كما يلاحظ تحولات أخرى تنم عن فشل الدولة في التحول إلى أمة".؟؟ !!

والسؤال الذي يطرح نفسه بمرارة واختصار على مفكر بقامة د. عزمي بشارة: هل الشعب الكردي في جزأيه الملحقين بدولتين عربيتين وكذلك شعب جنوب السودان أو البرابرة.. هم كأهل الطوائف إن في الصومال أو حوثيو اليمن مثلا؟!!.. وبالتالي هل هم / تلك الشعوب / قد وفدت واستوطنت وبالتالي أيها الدكتور العزيز.. أين هي مبدأيتك وحق الشعوب في تقرير مصيرها؟!!.. أم أنها مفصلة ـ وأعني حق تقرير المصير ـ لسكان هونولولو وجزر القمر وما بعد القمر من مريخ ومشتري، وخصوصا الذاكرة ما زالت تضج بقضية اريتيرية واثيوبيا ايام زمان ؟ !!..

وليستمر الدكتور بشارة في تنصيصه، والحق هنا بدت لا أدري!!، أهو الخلط المتعمد في مفهوم العشيرة أو الطائفة / المذهب فيريد المحاضر تسويقها.. أم لعلها عسر في الفهم وقد تلبسنا أم لعله إضمحلال لا بل ونفي وجود شعب أو شعوب وأمم أخرى أجبرتها الجغراقية كما التاريخ أن تتوائم وتتجاور لا بل وتلحق أو تضم إلى دولة أو دول عربية فتسعى هذه ـ القبليات ـ تجاوزا وانسجاما مع طروحات د. بشارة فتبحث عن آليات لإنجاز مشروعها القومي فتشكل أحزابا ومنظمات وتقود صراعات مسلحة على شاكلة ثورات وانتفاضات.. الخ. فيقول د. بشارة: " وبتسييس هذه الأخيرة من جديد في ظل فشل الدولة في تأسيس دولة المواطنين طرأ تغير حاد في وظيفتها التعاضدية.. إذ تم تشويه هذه الإنتماءات وهذه الجماعات الأهلية من خلال أدلجتها وتسييسها.. ولكن مع تآكل مصادر شرعية الدولة التقليدية والأيديولوجية وتراجع قدرتها على تقديم الخدمات والضمانات الإجتماعية بما فيها الحفاظ على الأمن ضد العدوان الخارجي. سيطرت الجماعات الأهلية على المجتمع والمؤسسات في العلاقة مع الدولة ومع الجماعات الأهلية الأخرى، وزالت حواجز كانت الدولة والثقافة السائدة تضعها وتعيق الجهود التي بذلتها نخب سياسية وقيادات لبعث المذهبية السياسية مستغلة التعددية المذهبية القائمة ومستثمرة تغير وظيفتها، وما لبثت هذه الكيانات المذهبية السياسية والعشائر السياسية أن تحولت إلى قوى سياسية تفتت الدولة القطرية".

ويؤكد د. بشارة: "وتتجلى نتائج ذلك بشكل خاص في الحالات التي تضعف فيها الدولة نتيجة ضربة خارجية أو تتزعزع هيبتها... وقد أطلق النذير لجميع الدول العربية التي تجنبت توطيد الإنتماء للأمة العربية ولم تنجح في الوقت ذاته في بناء دولة المواطنين ولم تحاول أصلا بناء انتماء على أساس مجتمع المواطنين". ومن هنا كان ردنا ونقاشاتنا مع طروحات السادة أصحاب مبادرات المواطنة هكذا!!.. في دولة محكومة لا بل ومصكوكة بقرارات قومية عربية ربانية!! فبالله عن أية مواطنة وفي أي وطن ستتكرمون بها على يتامى التاريخ والجغرافيا!!؟؟..

إذا كان مفكر وبوزن الدكتور عزمي بشارة يختزل الحق والإنتماء لا بل تاريخ وجغرافية وديمغرافية المنطقة بتشكلاتها السلالية وبهذه النمطية المبتذلة.. أن يسقط ـ وبقصد ـ من مفاهيمه وهذه التصورات المطروحة: حقوق شعوب حكمت عليها التاريخ وبحكم الجغرافية كما وحكمت على شعبه العربي أن يتجزأ فيسعى هو جاهدا ينظر ويؤطر الجهود في سبيل تجاوز هذا المفروض السيئ، وبالتالي يعتبره فعلا مناضلا وثوريا، وبالتالي يسقط هذا الحق عن غيره !!..

هلا كلف المفكر الكبير نفسه قليلا ورجع إلى تاريخ هذه الشعوب قبل سايكس بيكو مثلا ـ بالنسبة للكرد ـ هل اطلع أو سمع بانتفاضات البدرخانيين مثلا منذ عام 1845م؟ والثورات المتتالية..عبيدالله النهري. .سمكو.. البارزانيين.. وصولا إلى ثورة الشيخ أو الملك محمود الحفيد وإعلانه مملكة كردستان.. ومن ثم مخاضات الحرب الكونية الأولى ومفاوضات الوفد الكردي ومن ثم انتزاعهم لاتفاقية سيفر عام 1920 وما تلاها من مؤامرة الدول الكبرى وتركية الأتاتوركية فكان اتفاق لوزان سيء الصيت والذي لا يقل في بشاعته عن وعد بلفور..

تلك الإتفاقات وحاضنتها الأساسية ـ اتفاقية سايكس بيكو ـ التي رسمت حدود المنطقة بما يشبه ـ الطابو ـ وإن بدا منخورا وهشا، وبالطبع كانت من نتائجها الكارثية ترسيخ التقسيم بحق الكرد وكردستان، وذلك بضمها وإلحاقها بأربع دول، وبالتالي انطلقت شرارة النضال القومي الكردي سواء مع القادمين الجدد ـ الاستعمار الأوروبي ـ مرورا بالإنتفاضات القديمة الجديدة إن مع الترك أو الفرس، فكانت ثورة الشيخ سعيد بيران 1925 وما تلاها من ثورات متتالية ومستمرة في كردستان تركية، وانتفاضات الكرد المتعددة في كردستان العراق، وكذلك كرد إيران إلى أن تمخضت مع أواخر الحرب الكونية الثانية فأنتجت جمهورية مهاباد الفتية والتي قمعت وبطريق معروفة ومكشوفة.

وبالرغم من أنني لست هنا بصدد سرد تاريخي لثورات وانتفاضات الكرد في كردستان، وإنما هي عمليا كتذكير لجزء هام من تاريخ شعب جاور العرب، وساهم وقدم الكثير للعديد من قضاياهم. وشاء التاريخ كما أسلفنا سابقا أن يضم ـ بضم الياء ـ جزأين منها إلى دولتين عربيتين، فيتجاهل الدكتور عزمي بشارة كل هذه الحقائق والمعطيات في توصيفه وتحليله لتركيبات الدول العربية ـ العراق مثلا ـ فيقحم الجميع في خانة المذهبية والعشائرية..الخ..

فيتمم د.بشارة: "لقد بدا في الكثير من الحالات أن دولة الإستبداد على سطوتها الظاهرة تشكل قشرة هشة فحالما تتصدع داخليا أو تزال بالإحتلال الخارجي يعود المجتمع إلى بناه التقليدية من مرحلة ما قبل بناء الأمة ليكتشف بنى تشوهت وتغيرت وظيفتها ما يؤدي إلى صراعات سيطرة ونفوذ والى استحضار مسيس لعمليات ثأر قديمة وغيرها من أدوات سياسات الهوية التي يعاد اكتشافها أو تصنع وتركب لكي تكون أداة تحشيد تتجاوز المصالح الاقتصادية والإجتماعية وتدفع الناس بالهوية والغريزة للالتفاف حول سياسات قطاعية وسياسات هوية تفتيتية".

ومن جديد ـهناـ وممارسة لحقي في كرديتي أسأل د.عزمي بخصوص العراق وكردستان ـ ها ـ مثلا :.. فمنذ متى كان هذا العراق موحدا سوى بفعل القنابل والدبابات؟.. وهل غاب عن بال الدكتور القدير ـ لا مجاملة ـ أرتال الشهداء والمؤنفلين وأكداس الأشلاء المتراكمة بفعل الكيمياء الملعونة.. آلاف الأرامل واليتامى ومئات الألوف ممن تقطعت بهم السبل في أصقاع العالم يجترحون الآلام ومآسي النفي؟ هل نسي الدكتور أو لعله لم يطلع على قصائد الراحل محمود درويش وهو يتغنى ألما على كردستان وشعبها!!.. تلك الكلمات التي كانت في فترة ما بلسما لنا ككرد من ناطق بالعربية التي نكوى باسمها ونارها!!.. وذلك كتكفير وجداني وفضح لجرائم أنظمة مارست الإبادة المنظمة بكل معانيها..

وبكل بساطة يطرح هذا السؤال على المفكر القدير: ما قوله في ممارسات السلطة السورية الآن وتطبيقاتها الجبرية منها والهندسية في المنطقة الكردية ؟.. أما سمع الدكتور عزمي بالمرسوم 49 وبما سبقه وتلاه بدءا من إنكار وجود الشعب الكردي، ومرورا بمباشرة التنفيذ الفعلي لتعريب المنطقة الكردية، وبالتالي دفع الكرد عنوة إلى الهجرة من مناطقهم، وقد بدأت هذه السياسة تنفذ عمليا من خلال الإستيلاء على الأراضي الزراعية للفلاحين الكرد بعد تجريدهم من ملكيتها.. وبالمناسبة فقد توأمت الحكومات السورية بين معظم قرى وبلدات فلسطين ـ توأمتها ـ بالإسم.. نعم بدلت اسماءها الكردية بأخرى عربية فلسطينية.. فيا لها من حيفا ويافا.. دير ياسين والقدس..الجليل..الخ..

د. بشارة: ما تسرده في العمق العربي نكاد نجزم معك وبالعشرة على صوابيتها. أما ـ الطوارف ـ واعني بها الشعوب الملحقة قسرا بالأمة العربية والتي عجزت كافة ممارسات القمع والضغط والحملات العسكرية منها والأمنية بهدف تذويبها وبالتالي تعريبها وفشلت، فتبدأ الآن تغريبات عروبية وبأشكال وآليات أخرى وبطرق متعددة، وتبدو مساهمة مفكر كبير وبوزن الدكتور عزمي بشارة ـ وبأسف ـ في رسم خطة أو برنامج عمل في سبيل هكذا أمر.

فلنتابع شروحاته حول مفهوم القومية والعروبة يقول: "في ظل حالة التشرذم العربي وضعف المقومات المادية لبناء الأمة العربية والضربة القاصمة والمتمثلة بالتقسيم الإستعماري في دول بلورت قياداتها مصالح قطرية لنفسها عوّض التيار القومي العربي عن هذا النقص بكثافة الأيديولوجية القومية وبالبعد الإرادوي الحركي. كانت هذه متطلبات مرحلة ولكنها حملت في طياتها أخطار تحويل القومية إلى ايديولوجية شمولية بدلا أن تكون ـ يعني القومية من عندي ـ مجرد أساس لبناء الأمة والدولة ذات السيادة كما تضمنت في ثناياها التقليل من شأن المواطنة والحياة المدنية بعد الإستقلال بانتظار الوحدة العربية، وقد ثبت أن تأجيل المهام هذه إلى أن تتحقق الوحدة، حتى حين حكمت أحزاب قومية عربية، أودى بالمهمتين وألحق الضرر البالغ بالتيار القومي العربي وبعلاقاته مع التيارات الأخرى".

ويتابع: "ونشأ وضع باتت فيه القوى الخصم للقومية العربية تتعامل معها كمجرد ايديولوجية بمعنى الوعي الزائف وبلغ هؤلاء حد إنكار وجود قومية عربية خارج ايديولوجية الأحزاب تصلح أساسا لتشكل الأمة، وهو ما لا ينكرونه على شعب من الشعوب ولا حتى على مجتمع استيطاني مثل ـ إسرائيل". ولكن مع هذا يصر الدكتور بشارة ومن يسير على منواله في إنكار حق ووجود شعوب متاخمة ومتداخلة مع تاريخ وجغرافية العرب، وهي تناضل وتعمل المستحيل في سبيل الحفاظ على ذاتها القومية المهددة دائما وبفعل ممارسات أنظمة الإستبداد.

وهنا في هذه المرحلة بالضبط يدخل د.بشارة في صلب مشروعه القومي العروبي والمتقاطع أصلا مع مشاريع النهضة القومية المطروحة من قبل أحزاب حركة القوميين العرب، وبالتالي طروحاتهم البديلة، لسد ما عجزت أنظمة القمع بممارساتها من تطبيقها.

يقول د. عزمي: ".. وضاق الهامش حتى بات كل من يعرف نفسه كعربي في نظرهم قوميا عربيا، لأنهم ينكرون على العرب حتى حق تعريف أنفسهم ـ ؟؟ !! ـ كعرب". وهنا أسأل من هم أولئك وبالتالي ألم تمارس تلك السياسة بحق الكرد في كردستان العراق سابقا وما تزال تمارس بحق الكرد في سورية؟

يتابع د. بشارة: "وقد أدى انحلال المشاريع القطرية إلى تركيبات سكانية طائفية عشائرية وجهوية سافرة أو كامنة ـ ؟؟ !! مني ـ والى تحول المطابقة بين العروبة والهوية العربية إلى نبوءة تحقق ذاتها ـ ؟؟ ـ فقد بات التأكيد على العربية في وجه الطائفية والمذهبية والعشائرية والجهوية موقفا عروبيا. أن تكون عروبيا في أيامنا يعني أن تتخذ الهوية العربية نقيضا لتسييس الهويات التفتيتية. أن تكون عروبيا يعني في أيامنا أن تكون بشكل واع عربي الهوية".

هذا بالضبط ما ينادي ويبشر به المفكر الدكتور عزمي بشارة متجاهلا تماما، وبعبارة أوضح يداخل بين مفاهيم طائفية ومذهبية وبشكل مبهم اتجاهات تفتيتية. فأين هي طروحات حق الأمم والشعوب في تقريرمصيرها!!.. حق الآخرين الذين ألحقوا قسرا بهذه الدولة أو تلك!! هل هكذا ببساطة نختزلها فنسلخها عن جذورها وبالتالي نضمها ـ وبشكل واع ـ إلى هوية عربية؟.. حقا إنها مواقف مأثورة من مفكر ومناضل وهب حياته لقضية شعبه، ولكن وللأسف الشديد في زحمة النضال يتناسى حقوق شعوب أخرى ياما ناصرته فردا وقضية.

ويتابع دكتورنا العزيز في سرد مشروعه قائلا: "... ولا يعني المشروع العربي الديمقراطي جعل الإنتماء للقومية أساس المواطنة بل يعني أن العروبة أساس حق تقرير المصير وبناء الدولة ـ اللهم لا تهكم!! من عندي ـ.. وهذا التصريح بالضبط من قبل د. بشارة صريح وواضح ولا يحتاج إلى أي تعليق أو توضيح فلنتابع معه: ".. فلا بد بعد الإستقلال من الفصل بين المواطنة والأصل الإثني أو الديني أو القومي. تقوم الدولة على أساس قومي يتلخص بتسييس الإنتماء الثقافي وعلى حق تقرير المصير. والقومية كأساس لبناء الدولة هي أمر طبيعي في الدول غير الإستيطانية، ولكن لا بد أن تقوم علاقة الفرد بالدولة على أساس المواطنة",

ويقدر للدكتور هذا السياق النظري الرائع وكذلك يفهم من كلماته وبوضوح تام قصده من الدولة الإستيطانية، ولكن السؤال هو لم التعميم؟ وبصورة أوضح أين هو الموقف من بقية الشعوب ـ وأؤكد مجددا ـ الكردية.. الأمازيغ، الأفارقة.. ومرد كل هذه التقاطعات والإستفهامات من قبلنا هي حيثيات مشروع الدكتور عزمي بشارة، فهاهو يقول: "العروبة انتماء ثقافي تاريخي متشكل ومتغير باستمرار وهي ليست انتماء عرقيا. ومن هنا فلا حدود لغنى الشعوب التي انتمت إلى العروبة لغة وثقافة وقومية في النهاية. ولكن لا بد أن يقر أي مشروع عربي ديمقراطي بالمواطنة المتساوية للعرب ولمن يعرفون أنفسهم بغير عرب ويشكلون كتلا تاريخية في مناطق محددة، ولا بد أن يعترف بخصوصية ثقافتهم ولغتهم في حال توافرها ـ يا للكرم الحاتمي.. مني ـ ولا شك أن الإنفتاح العربي الإنساني في ظروف المواطنة المتساوية من شأنه أن يدمج الجميع.. إن العضوية في الدولة الوطنية تعني المواطنة المتساوية، أكان المواطن عربيا أم غير عربي",

هذه ببساطة وجهة نظر وآفاق المشروع العربي الذي يطلقه ويبشر به د. عزمي بشارة.. مشروع لجذب ومن ثم تذويب ما لم تستطع الأنظمة من تطبيقه. وكلمة حق هنا لابد من أن تقال :.. نعم إن هذا المشروع يتقاطع في خطوط عريضة مع مشاريع أو برنامج النهضة القومية العربية فلا عجب أن ينهج السيد عوني فرسخ، وفي مقالة له، وأيضا بجريدة الخليج السبت رقم 11318 تاريخ 15 / 5 / 2010 صفحة 14 وبعنوان ـ ضرورة التجدد الحضاري العربي ووسائله ـ فيقول: "..وبحيث أن تقر شعوب الهلال الخصيب ووادي النيل والشمال الإفريقي لم تسهم فقط في تبلور الأمة العربية على أساس الانتماء الحضاري وليس الإنتساب السلالي، وإنما أسهم أيضا في إثراء الحضارة العربية بما تراكم لدى هذه الشعوب من قيم حضارية... ومن توصيات المشروع النهضوي العربي.. انتهاء النزاع في أوساط النخبة بين العروبة والإسلام وإعادة إدراك الهوية في بعدها التركيبي الجامع للحدين. على قاعدة أن الإسلام بتراثه العقدي والحضاري قد زود العرب بمشروع تاريخي منذ الدعوة، وقادهم إلى تأسيس دولة وحضارة كبيرتين. فيما كان العرب هم الذين حملوا الإسلام إلى العالم فبات كونيا، واليوم ما أحوج العرب إلى الطاقة الروحية الهائلة التي تحتويها الإسلام في معركتهم للتحرر والوحدة والتقدم.. وما أحوج الإسلام إلى دور تؤديه العروبة مشروعا تحرريا إنسانيا من أجل التعايش مع العالم والحوار وتعظيم القيم الإنسانية المشتركة.. كما يوصي المشروع حماية التنوع الثقافي في المجتمع العربي باعتباره عامل إخصاب وإغناء للثقافة العربية ينبغي استثماره وليس عامل انقسام أو تهديد ينبغي وأده باسم الوحدة الثقافية وذلك دون إخلال بضرورة العمل على تعظيم القواسم الثقافية العربية المشتركة".

ومما ورد يتضح معنى الملامح الأساسية لمشاريع آفاق أو نهضة قومية عربية، وإن بدا بعض التناقض بين التصوريين او أقله أن د.بشارة صريح وواضح في تصوراته ففي مجال اللغة يقول: "أما في بلادنا فلا يقتصر التهديد بالتفتيت على استهداف الأمة وحدها بل يمس وحدة الدولة القطرية ذاتها، فلا بد من الحفاظ على اللغة العربية كلغة تدريس في المدرسة والجامعة على حد سواء".

ويستشهد د.بشارة بالتجربة الإسرائيلية فيقول: "وكذلك فعل الكيان الإستيطاني الإسرائيلي إذ وحد اللغة العبرية وصهر جميع القوميات بواسطة اللغة والجيش في لغة عبرية واحدة هي لغة التدريس الوحيدة لا الرئيسية في إسرائيل".

ويضيف: "إن الإعتقاد في التخلي عن اللغة القومية لصالح غيرها في التدريس وفي التعامل اليومي عند بعض الفئات الإجتماعية يفقد الأمة طريق التطور الأكيد نحو المعاصرة والحداثة ويحل محلها فقدان الهوية من دون اكتساب أخرى فتخرج نخب هجينة... مقلدة مستهلكة تحاكي غيرها دون إبداع". وفي هذا صدق الدكتور فنحن أيضا جد مقتنعون بأننا بتخلينا عن شخصيتنا القومية ولغتنا الأساس لأمسينا لا عربا أصبحنا ولا كردا بقينا..

وفي تلخيصه الشديد للواقع العربي وعلاقته بالجوار يقول د.بشارة: "في المنطقة مشاريع لدول ثلاث: تركيا وإيران وحتى ـ إسرائيل ـ أما الدول العربية فتكتفي بمشاريع أنظمة لا يتوافر لدينا.. مفاهيم للأمن القومي المشترك أو المصالح المشتركة ناهيك بإتحاد أو وحدة عربيين. كما لم يتم حتى الآن الانطلاق من حقيقة مهمة هي أنه على العرب أن يعيشوا مع الجيران الأتراك والإيرانيين الذين لن يذهبوا إلى أي مكان. ومن الأفضل أن تكون هذه العلاقة علاقة صداقة وتعاون لا علاقة عداء"، خصوصا وأن الدكتور عزمي بشارة قد ضمن حذف الكرد من المعادلة ـ معادلة الجوار ـ وذلك بتذويبهم في بوتقة الأمة / القومية / العربية / العروبية، وبالتالي عساهم الترك والفرس أيضا أن ينحوا نفس المنحى..

حقا د. بشارة: بقدر إعجابي بك مناضلا متشبثا بقضايا شعبك الفلسطيني.. أصبتني بإحباط في الموقف هكذا من قضايا شعوب شاء التاريخ بتراجيديته أن يربط مصيرهم بكم.. ولتسمح لي أيها الدكتور العزيز أن أعدل هذا الشطر من قولك: حقا أن من لا يقر بحق الآخرين في تقرير مصيرهم لن يستطيع البتة أن يطالب بحق شعبه في تقرير المصير..