افتراضية هدم الأقصى../ نواف الزرو

في ظل هستيريا الحملة الصهيونية السافرة على القدس والأقصى، "أنتج متطرفون يهود-مؤخرا- تسجيلا لواقع افتراضي يمثل تصورا لهدم المسجد الأقصى المبارك بالقدس وذلك من خلال قصفه جوا/ عن الجزيرة 15/5/2010 "، ويفيد التقرير أنه "يتم تداول هذا الشريط بين اليهود المتطرفين في مناسبات اجتماعية، في محاولة لإنشاء جيل يضع مسألة هدم الأقصى باعتبارها واحدا من أهدافه".

ويأتي هذا التسجيل الافتراضي بالتزامن مع مخططات إسرائيلية أخرى هدفها المس بالمسجد الأقصى سواء عبر حفر الأنفاق أو بناء الكنس اليهودية في محيطه. كما يأتي ضمن محاولات عديدة للمتطرفين لبناء الهيكل المزعوم مكان المسجد الأقصى. وقال مدير مركز الأبحاث الإسلامية بجامعة القدس مصطفى أبو صوي للجزيرة "إن المتطرفين يتمنون لأبنائهم عندما يبلغون سن الثالثة عشرة (سن النضوج لديهم) أن يصبحوا طيارين ليقوموا بقصف المسجد الأقصى وهدمه".

الحقيقة الكبيرة الصارخة إن هذا الواقع الافتراضي بالنسبة لهم، إنما ينتظر لحظة الانتقال إلى التطبيق وتحويله إلى حقيقة، فنحن عمليا في ظل مناخ صهيوني إرهابي تدميري متكرس، والمسألة ليست تصريحات عابرة لهذا الحاخام أو ذاك..!.

فقد أنتجت المؤسسة الدينية اليهودية عبر مدارسها وهيئاتها وتنظيماتها ومستنقعاتها المنتشرة على امتداد المجتمع اليهودي في فلسطين المحتلة على امتداد مسحتها التاريخية، ثقافة وعقلية عنصرية عدوانية دموية تدميرية ضد العرب ومقدساتهم، وضد الأقصى والصخرة مضاف إليهما المقدسات المسيحية أيضا وفي مقدمتها كنيسة القيامة.

كما فرخت مؤسساتهم ومدارسهم ومستوطناتهم الدينية المتعصبة مجموعة من التنظيمات والحركات الاستيطانية الإرهابية السرية والعلنية التي اقترفت مسلسلاً طويلاً متصلاً من الانتهاكات والجرائم ضد القدس وأهلها ومقدساتها، وكل ذلك تحت سمع وبصر وغطاء بل ومشاركة ودعم الجهات الرسمية الإسرائيلية حكومية وبرلمانية وعسكرية وأمنية وإدارية وذلك عبر مختلف الوزارات واللجان المتخصصة بشؤون القدس أو حتى غير المتخصصة.

وقد تكشفت هذه الثقافة والعقلية التدميرية المؤدلجة لديهم مبكرا جدا بعد العدوان والاحتلال عام/1967، حينما طلب الحاخام شلومو غورن كبير حاخامات الجيش الإسرائيلي آنذاك من الجنرال عوزي نركيس قائد المنطقة الوسطى – في يوم احتلال القدس واقتحام الحرم القدسي الشريف عام 1967 ، " العمل على نسف الصخرة والمسجد الأقصى للتخلص منهما مرة واحدة وإلى الأبد ".

والحقيقة الساطعة أيضاً أن الحاخام اليهودي غورن لم ينفرد بهذه العقلية التدميرية ضد الأماكن المقدسة، حيث أن عدد رجال الدين – الحاخامات – اليهود الذين شاركوه أفكاره ومعتقداته ونواياه أو ساروا عليها لاحقاً، ضخم، وقد تزايد وفرخ أعداداً أخرى وأخرى على مدى سنوات الاحتلال.

ونشير في السياق إلى ما كان غرشون سلوموم زعيم جماعة أمناء جبل الهيكل التي تسعى بلا توقف إلى هدم الأقصى المبارك قد أكد عليه قائلاً: "أن وضع حجر الأساس للهيكل يمثل بداية حقبة تاريخية جديدة، نريد أن نبدأ عهداً جديداً للخلاص اليهودي"، وكذلك إلى يوم فتح النفق الاحتلالي تحت الحرم القدس الشريف عام/1996، حيث أن نتنياهو أعلن كما هو معروف قائلاً: "لقد بدأ التاريخ اليهودي عند هذه الصخرة – مشيراً إلى صخرة كبيرة في النفق".

وقد استخلص زياد منى الباحث الفلسطيني في التوراة والتاريخ القديم المتصل بفلسطين في دراسة موثقة أعدها بهذا الصدد "إن النفق كان خطوة على طريق تعريض أسس القبلتين للهدم وإقامة مملكة إسرائيل الكبرى ... وإن إعادة بناء هيكل سليمان تشكل أساس وجود اليهودية المادي ولا معنى لكيان صهيوني دون الهيكل" .

ومن عهد غورن إلى الراهن في المشهد، فقد التقى الحاخام ألأميركي مانيس فريدمان مع غورن بعد اثنين وأربعين عاما إذ دعا إلى "قتل العرب رجالا ونساء وأطفالا، وتدمير مقدساتهم"، وذلك في رده على سؤال في عدد مايو/أيار-يونيو/حزيران 2009 من مجلة "مومنت" (Moment) الأميركية في قسم بعنوان "اسألوا الحاخامات". وقال في رد على سؤال عن كيفية معاملة اليهود لجيرانهم العرب "أنا لا أومن بالأخلاقيات الغربية التي تقول لا تقتلوا المدنيين أو الأطفال، ولا تدمروا الأماكن المقدسة، ولا تقاتلوا أثناء الأعياد ولا تقصفوا المقابر ولا تطلقوا النيران حتى يبدؤوا هم بذلك/ وكالات/ الجمعة 5 / 06 / 2009"، وأضاف فريدمان، وهو حاخام بمعهد "بياس تشانا" للدراسات اليهودية بولاية مينيسوتا أن "الطريقة الوحيدة لخوض حرب أخلاقية هي الطريقة اليهودية: دمروا مقدساتهم، واقتلوا رجالهم ونساءهم وأطفالهم ومواشيهم... فعند تدمير مقدساتهم سوف يتوقفون عن الاعتقاد بأن الرب إلى جانبهم".

وربما تكون نوايا الهدم بلغت ذروة جديدة لها في الآونة الأخيرة، والحكومة الإسرائيلية متواطئة تماما في ذلك، إذ كشف الكاتب إسرائيل هرئيل النقاب في هآرتس - 15/10/2009- عن أن الحكومة الإسرائيلية تراجعت في اللحظة الأخيرة عن نيتها هدم المساجد في جبل الهيكل، ولم تستغل الحج في عيد العرش لإقامة مراسم إرساء حجر الأساس للهيكل الثالث، وكذلك أجل إلى موعد أكثر مناسبة خوف انتفاضة ثالثة ترحيل عرب القدس وأم الفحم"، مضيفا: "ينبغي أن يسوى – حتى في هذا الحين المتأخر – بين مكانة اليهود والمسلمين (لا يشتمل ذلك بطبيعة الأمر على دخول اليهود المساجد) في جبل الهيكل، سيهدد العرب بالجهاد وستأتي تنديدات من كل صوب، لكن التصميم اليهودي سيجعل المسلمين ومؤيديهم اليهود يعتادون مع الوقت الواقع الجديد".

ومن هنا ليس صدفة أن رأينا ونرى حتى يومنا هذا مسلسل محاولات التدمير ضد الأماكن المقدسة بغية نسفها ومحوها من الوجود إلى الأبد.
ولا تقتصر عملية التخطيط والتدبير لاقتراف الجرائم وهدم الأماكن المقدسة على التنظيمات المشار إليها، إذ أشارت دراسة إلى" وجود نحو 125 جماعة يهودية متطرفة خمسها تخصصت في المساعي الرامية إلى هدم الأقصى وبناء الهيكل".

كما أشارت إلى أن السعار المتلهف لهدم الأقصى لم يقتصر على اليهود في الداخل والخارج، بل تعدى إلى "مسيحيين متعصبين مهووسين قادمين من الخارج"، وحسب ما ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" فإن بعضهم وصل من إيطاليا في مهمة مقدسة ومحدودة لهدم الأقصى.

إذن كل هذه الأجهزة الرسمية الإسرائيلية.. وكل هذه التنظيمات والحركات الإرهابية اليهودية السرية والعلنية تعمل وتسابق الزمن وتتسابق فيما بينها لاقتراف أكبر قدر من الانتهاكات والجرائم ضد المدينة المقدسة أولاً، وتتسابق فيما بينها على هدم الأقصى وبناء الهيكل اليهودي المزعوم.

فهناك إذن بلا تهويل، ثقافة وايديولوجيا صهيونية تستهدف هدم الأقصى المبارك، ولا تقتصر هذه الثقافة على بعض الحاخامات أو القيادات السياسية، بل إنها تنتشر مع سبق التخطيط لتصل إلى الأجيال الصهيونية الصاعدة.
تحتاج فلسطين والمدينة المقدسة والمقدسات والأقصى في مقدمها إلى تحركات عربية إسلامية جادة وحقيقية ومسؤولة وعلى مستوى تاريخي، وإلا تلك الافتراضية الصهيونية ستغدو أقرب ما يمكن إلى الواقع...؟!