أفق جديد لتوسيع الجبهة العالمية../ عوض عبد الفتاح

لم تعد إسرائيل معنية بأن يحترمها العالم، بل أن يخافها فقط. تمتعت طيلة الوقت بغطاء القوى الدولية الغربية الرسمية، وتعاطف أوساط شعبية كبيرة مضللة. فقد حظي غزوها لفلسطين وارتكابها لجريمة تشتيت شعب بأكمله، باعتراف دولي رسمي. وواصلت تمتعها بهذا الدعم والترويج لها باعتبارها دولة "التنوير والديمقراطية" في الشرق "العربي المستبد"، في الوقت الذي كان حوالي نصف شعب فلسطين مطرودا خارج وطنه، وأيضًا في الوقت الذي بقي في داخل حدودها من الفلسطينيين يرزحون تحت حكم عسكري ونظام محكم من السيطرة والقمع، والنهب المكثف لمواردهم – أرضهم ومياههم وبيوتهم، ولأملاك اللاجئين، وذلك حتى عام 1966.

هكذا رسخت اسرائيل نفسها كدولة يهودية صهيونية، وضمنت أغلبية يهودية عددية تنتخب قيادة صهيونية، تضمن حكم قيادة يهودية صهيونية عبر صناديق الإقتراع، بفضل الطرد الجماعي لأصحاب الأرض وإغواء مواطنين من أمريكا ودول أوروبية وعربية يدينون بالديانة اليهودية لهجر أوطانهم الأصلية ليحلوا محل المطرودين من أبناء الشعب الأصلي – شعب فلسطين. لقد رفض قادتها فكرة دولة ديمقراطية علمانية في فلسطين يعيش فيها العرب واليهود، الفكرة التي ساندها عدد من المفكرين والمثقفين اليهود في الثلاثينيات والأربعينيات.

لم يكن ليضيرها شيء أن تنفتح قليلاً على المواطنين العرب الذين فرضت عليهم المواطنة الإسرائيلية داخل حدودها، بعد أن تعززت ثقتها بنفسها بفضل انتصارها عام 67، واحتلالها ما تبقى من فلسطين وأراضي عربية أخرى. فقد زاد الدعم الغربي لها.

هذا الإحتلال من جهة، ونمو الحركة الوطنية الفلسطينية المقاتلة من جهة أخرى، فتح عيون العالم على إسرائيل.. وتحولت، لأسباب كثيرة، مسألة الصراع ضد إسرائيل محصورة في احتلال 22% من فلسطين. وأصبح التأريخ للصراع (الغزو) عام 67 بدل عام 48، عملية تضليل واسع النطاق، وتعميه منهجية على الحقائق. القلائل جدًا في الغرب، بل قوى هامشية وداخل المجتمع اليهودي وفلسطين، ظلوا متمسكين ومدركين لبنية إسرائيل الحقيقية، باعتبارها مجتمعا استيطانيا اقتلاعيا وعنصريا. قبل أن تشن حربها العدوانية على ثلاث دول عربية بعد 19 عاما من إقامتها، وزرع المستوطنات فيها ونهب خيراتها بصورة منهجية. كما ظلوا متمسكين بالرؤية والتحليل السليم لعلاقة إسرائيل بأوروبا وبعدها بالولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها علاقة تحالف عضوي تندرج ضمن الإستراتيجية الإمبريالية الساعية إلى ضمان الهيمنة على الشرق العربي والأوسط كمنفذ وقاعدة للسيطرة على إدارة العالم. أي أن إسرائيل قاعدة غربية – أمريكية تقوم بدورين: الدور الأول تجميع يهود العالم في فلسطين كحل صهيوني للمسألة اليهودية في أوروبا، والدور الثاني خدمة الإستراتيجية الإمبريالية الشاملة للطبقة السياسية والرأسمالية الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية.

عوامل كثيرة أفضت إلى المأزق الذي تتخبط فيه إسرائيل في السنوات القليلة الماضية، أهمها بالطبع عدم استسلام الشعوب العربية وحركاتها المقاومة، سواء في فلسطين أو في لبنان، و في العراق وفي نمو وتصاعد الدور التركي في التصدي للتوجهات الإسرائيلية التوسعية والعدائية.

وقد ثبت حتى الآن أن قدوم حكومات إسرائيلية أكثر تطرفًا لا تخرج إسرائيل من أزمتها فحسب، بل تفاقمها. فتوجه المجتمع الإسرائيلي عام 2001 لانتخاب شارون كشخصية دموية وقوية في نظر هذا المجتمع، لم تؤدّ إلى إنهاء الانتفاضة الثانية رغم كل ما نفذه من اجتياح وجرائم حرب، بل أضطر إلى فك الإرتباط مع قطاع غزة وهجر فكرة الخيار الأردني بعدما تبيّن له أن شعب فلسطين مهما استسلمت قياداته المتنفذة والمعول عليها أمريكيًا، فإنه لن يهجر الأرض. كما أن هذه الحكومات المغالية في التطرف لم تردع المقاومة اللبنانية من مواصلة تعزيز قوتها وصولاً إلى إحباط العدو الإسرائيلي عام 2006. كما أن الحصار الإجرامي المفروض على قطاع غزة، والعدوان عام 2008-2009، لم يجبرا حركة المقاومة حماس على الاستسلام.

إسرائيل ترى وتقرأ التغيّر في معادلة القوة في محيطها العربي والإسلامي. وهي تقرأ أن المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الجديد قد ترنّح تحت ضربات المقاومة العراقية، وأُجهز عليه بعد هزيمة إسرائيل المدعومة أمريكيا في لبنان، وبعد نجاح سوريا في فك الحصار عنها، وتشكل الحلف الشرقي – سوريا – حزب الله – إيران وظهور بدايات لتفكك محور الإعتدال العربي – أو الأصح معسكر الإنحطاط العربي كما يسميه أنيس النقاش. في هذا المحور هناك من أصبح يخطب ودّ سوريا وحزب الله. بل بدأت تخرج أصوات من الولايات المتحدة تميل إلى عدم اعتبار حزب الله حزبا إرهابيا – كل ذلك نتاج الصمود والمقاومة، وانطلاق المبادرة من طلائع هامة في هذه الأمة.

إذا كانت إسرائيل تقرأ وتدرك كل هذا التحول فلماذا تواصل جنونها؟ لماذا تواصل تحدي حتى حليفها الرئيس أوباما، فتبني في القدس والضفة وتطرد المواطنين الفلسطينيين من مدينتهم، وتعبث فيها خرابًا لتبني على أنقاضها مدينة يهودية تـُختلق أسطورتها من الخرافات ومن ظلام الغيبيات اليهودية؟. ولماذا تتجرأ على اقتحام أسطول الحرية وتنفذ مذبحة بحق نشطاء سلام من مختلف دول العالم؟.

هل لأنها لا تزال تدرك أنها ستحظى بتغطية غربية وأمريكية على جرائمها، أو لأن هناك مجانين يقودون الدولة كما كتب النائب الإسرائيلي السابق يوسي سريد في مقال عنونه "سبعة مجانين يقودون الدولة"؟. والمقصود اللجنة السباعية الحكومية التي يقودها بنيامين نتنياهو وإيهود باراك.

لا شك أن هناك نوعية جديدة من القيادة الإسرائيلية أقل كفاءة من القيادات القديمة. وهذا انعكاس لمجمل التحولات في المجتمع الإسرائيلي الذي تمرّ فيه منذ العقدين الماضيين، والمتمثل في التحوّل الحاد نحو اليمين – اليمين القومي واليمين الديني والمتطرف.

ولكن التحوّل الأهم هو عودة وتجدد المقاومة الفلسطينية والعربية بمفرداتها الأصلية وبأشكالها المختلفة، داخل فلسطين وفي المحيط.. وما أفرزته من تغيّر في الذهنية الشعبية الفلسطينية والعربية. ومع أنه بدا للحظة ما وكأن معسكر الإنحطاط سيكون حبل النجاة لإسرائيل، لكن سرعان ما بدأ يتصدع بعد ترتيب علاقة سوريا مع لبنان ودخول حزب الله إلى الحكومة، وبعد القمة الثلاثية في دمشق، وما تمخض عنها من قرارات، ودخول تركيا في المعادلة.

تستمد إسرائيل ثقتها من الأيدلوجيا الصهيونية واعتقادها بأن فلسطين مكانها الطبيعي. ثانيًا، والأهم هو استنادها إلى الدعم الأمريكي المطلق الذي لولاه لما استمرت إسرائيل بسياساتها العدوانية والكولونيالية أكثر من ذلك. ثانيًا، انحطاط النظام العربي، بغالبيته، الذي لم يفشل فقط في تحرير فلسطين، ولا في تحقيق وحدة الوطن العربي، بل في بناء دولة – دولة المواطنة والقانون والرفاه. طبعًا نُميّز بين دول سعى قادتها بصدق ونبل لمواجهة الصهيونية والإمبريالية ولكنهم أخفقوا لأسباب ذاتية، ولأسباب تتعلق بحجم العدوان الخارجي. وهؤلاء القادة لا نضعهم في مصاف الحكام الذين ارتبط حكمهم بالحماية الأمريكية والغربية.

اعتقدت عصابة المحافظين الجدد بزعامة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش وقادة الدولة العبرية أن غزو العراق عام 2003، سيسدل الستار على ما تبقى من نفس مقاوم في هذه الأمة، وأن المنطقة العربية ومحيطها ستصبح مرتعًا للتحالف الأمريكي-الصهيوني. ولكن المقاومة العراقية، لم تكن مفاجئة لهذا التحالف فحسب بل كانت أيضًا مفاجئة لأنظمة الإنحطاط العربي، وكان هذا على ما يبدو صاعقًا ومذهلاً لهؤلاء، وربما للكثير من الثوريين المحيطين.

وبالفعل، فإن انطلاق المقاومة العراقية بعد أسابيع قليلة من الغزو، وتحدي الغزو في زمن انهيار وغياب المراكز (كالإتحاد السوفييتي سابقًا) التي كانت تدعم حركات المقاومة في العالم، إما من منطلقات ايدلوجية أو مصلحية، كان غير متصور قبل ذلك. فقد انفلت عقال أمريكا بعد تفردها على الساحة الدولية. وقد اختارت أمريكا عنوانًا لغزوها الوحشي لهذا البلد العربي الهام "الصدمة والترويع" Shock and Awe، ليس فقط لترويع البلد المستهدف مباشرة بل لإخافة وترويع الآخرين وحتى حلفائها.

ومع ذلك كله لا تزال إسرائيل تتوهم بأنه ما زال بالإمكان ترويع الشعوب، في حين أن الإمبراطورية الأمريكية التي هي أكبر وأقوى منها بمئات المرات بدأت تسلم بالمعطيات الجديدة وتتراجع عن حروبها الإستباقية والترويعية وتغيّر تكتيكاتها.

مغزى صمود غزة

ألا يجدر التفكير، بمغزى ومعاني وأبعاد صمود أهالي قطاع غزة وحركات المقاومة هناك رغم الحصار والتجويع. نستطيع أن نتحدث الكثير عن عيوب حكم حماس وأخطائها، ولكن تبقى مسألة لا يجوز الحياد عنها، أو التقليل من أثرها هو أن صمود 1.5 مليون فلسطيني محاصرين في 360 كيلومترا مربعا، يتعرضون لأبشع حصار في التاريخ، ولأشد الحروب ضدهم، وصمود قياداتهم ورفضها التنازل سياسيًا، من المفترض أن يكون عظة للعرب قبل أن يكون رسالة لإسرائيل والغرب.

إن إصرار أبطال أسطول الحرية على الوصول إلى مشارف سواحل قطاع غزة، والاستعداد لمواجهة التهديد والمجهول، لم يكن ليحصل لولا صمود أهالي القطاع. لماذا لا يأتون إلى رام الله! هل الضفة محررة، أليست محتلة ومحاصرة، أليست مقسمة! أليست مزروعة بالاستيطان الإسرائيلي، ألا تجري ملاحقة المقاومين وقتلهم، هل كان هؤلاء المناضلون لو نجح انقلاب محمد دحلان على حكومة حماس المنتخبة سيأتون إلى شواطئ غزة ويُعاد طرح قضية الاحتلال الإسرائيلي على جدول أعمال الشعوب. هل كان هؤلاء سيأتون لو امتدت سلطة دايتون إلى قطاع غزة.. وأُخمد نفس الرفض والمقاومة نهائيًا.

التصرف الإسرائيلي لا يختلف كثيرًا عن أنظمة الاضطهاد والقهر والاحتلال، عندما تشعر أنها دخلت في أزمة حقيقية، أو أنها دخلت مرحلة نهايتها. من أشكال هذا التصرف مبادرات الاحتواء والتضليل، وكذلك زيادة الاعتماد على القوة بصورة غير عقلانية – أي تكون نزقة ومتسرعة وغير مدروسة وتعبّر عن هستيريا. هكذا كانت السنوات القليلة التي سبقت سقوط نظام الأبارتهايد.

إسرائيل ترى تمامًا ما يحيطها من تبدلات، ولكنها لن تستنتج النتائج بالسرعة التي يتوقعها البعض، سيحتاج الأمر إلى سنوات طويلة من النضال العسير والزاخر بالتضحيات. ولكن ما نحن بصدده الآن هو أفق جديد من الكفاح ضد نظام الأبارتهايد الصهيوني.. تتسع فيه جبهة عالمية مناصرة للحق وتدخل في معادلتها عناصر جديدة... تسعى إلى تحقيق العدالة في هذه المنطقة من العالم التي يتأثر بها العالم بأسره.

لقد مثل أسطور الحرية والهجوم الإسرائيلي الدموي على أبطاله رمزيًا هذه الجبهة العالمية المنضوي في داخلها أحرار العالم وممثلون من الشعوب العربية عن كافة تجمعات الشعب الفلسطيني، بما فيها عرب الـ48 الذي لا يزال معظم أعضاء وفدهم معتقلين، وسيفتح الهجوم الإسرائيلي الدموي عليه وإراقة دماء عشرات الشهداء والجرحى الباب واسعًا للمبادرات الخلاقة لمحاصرة الحصار، ومحاصرة نظام الإحتلال الصهيوني وأول المطالبين بهذه المبادرات هم الفلسطينيون والعرب.. أصحاب القضية المباشرة.