تأجيل الانتخابات: إشارة ضعف وخضوع للفئوية../ هاني المصري

قبل دقائق قليلة من إقفال باب الترشح للانتخابات صدر قرار الحكومة بتأجيل الانتخابات الى أجل غير مسمى وبدون إبداء الأسباب. وزير الحكم المحلي فسر قرار التأجيل بأنه استجابة لنصائح عربية ودولية، أما محمد المدني عضومركزية "فتح" فقال انه استجابة لضغوط عربية ودولية.

حتى لحظة صدور قرار التأجيل كانت 500 قائمة قد قدمت ترشيحها، وجاء القرار ليمثل طعنة للديمقراطية وخضوعا للمصالح الفئوية.

لم أكن متحمساً لإجراء الانتخابات البلدية، لأن اجراءها في ظل الانقسام يمكن أن يعمق الانقسام، خصوصاً وأنها ستعقد في أجواء القمع والاعتقالات التي تمس بحرية ونزاهة الانتخابات.

رغم ما سبق لم أعارض إجراء الانتخابات لأنها محلية وليست عامة، ومن المفترض أن يكون البعد السياسي فيها محدوداً، وكونها استحقاقا ديمقراطيا قانونيا يعزز دور الشعب والمؤسسات، ولأن مقاطعة حركة حماس لها لا تعود لاجواء القمع أساساً، وانما لأسباب سياسية مثل أن الانتخابات ستعقد تحت إشراف حكومة غير شرعية، وأنها في ظل الانقسام، في حين كان بمقدور "حماس" أن تسمح باجراء الانتخابات في قطاع غزة، وتطالب بتوفير أجواء تضمن حرية ونزاهة الانتخابات في الضفة، واذا لم تتوفر تقاطع الانتخابات ومعها سيقاطع فصائل وقطاعات واسعة سياسية وشعبية.

إن الانتخابات المحلية يمكن أن تعقد في منطقة دون أخرى لأنها تجري في كل مدينة وبلدة وقرية على حدة، وهي لذلك توفر امكانية لاختيار أفضل مجالس محلية عبر صناديق الاقتراع، وخصوصاً ان وزارة الحكم المحلي وضعتنا عملياً امام خيار وحيد هو: إما الانتخابات للبلديات واما التعيينات.

ولا يجب أن يسمح تأجيل الانتخابات بالإمعان بتعيين مجالس محلية بل لا بد من التمديد للمجالس المنتخبة المسؤولة أمام ناخبيها لأن المعينين خاضعون لمن عينهم، وليس للشعب.

لم تنطل الحجج التي قدمت لتأجيل الانتخابات على أحد، بأنها من أجل توفير أفضل الأجواء لفك الحصار عن قطاع غزة ولتحقيق المصالحة الوطنية. فالقرار لا يتعلق أساساً بالحصار الخانق ولا بالمصالحة وإنما يرجع:

أولاً: إلى خشية حركة فتح، التي سيست الانتخابات المحلية أكثر مما ينبغي بكثير، وتدخلت القيادة بتفاصيل التفاصيل، ما أضر بالقيادات المحلية، من ان يؤدي إجراء الانتخابات إلى عدم فوزها بشكل ساحق، رغم عدم وجود منافسة كبيرة لها في ظل مقاطعة حركة حماس، وهذا إن حدث سيمس بقدرتها على قيادة وتمثيل الفلسطينين. فـ "فتح" اذا حصلت على 30% من الأصوات المشاركة في الانتخابات المتوقع ان تشكل 50 ــ 60% من الذين يحق لهم حق الانتخاب لا تستطيع أن تدعي بعد ذلك تمثيل الشعب الفلسطيني.

ثانياً : تفاقم الخلافات الداخلية داخل حركة فتح لدرجة تنذر بإمكانية حدوث انفجارات في أكثر من موقع، حيث واجهت القيادة صعوبةً كبيرة في اختبار قوائم "فتح" للانتخابات، حيث لم تستطع تشكيل قوائم في مناطق أو شكلت قوائم ثم اختلفت على ترتيب الأسماء أو واجهت معارضة تنظيمية وعائلية كبيرة، أو تم تشكيل قوائم منافسة لها يقودها أويشارك بها فتحاويون، ما ينذر بتشتيت الاصوات وخروج "فتح" بنتائج أقل من تلك التي يمكن ان تحصل عليها نظرياً.

ثالثاً: فشلت "فتح" بإقناع العديد من حلفائها من فصائل منظمة التحرير، ونسبة لا بأس بها من الشخصيات المستقلة بتشكيل قوائم ائتلافية وطنية، رغم أنها قدمت من أجل ذلك تنازلات كبيرة مثل أن يترأس القوائم ويشارك في عضويتها شخصيات مستقلة مهنية وذات خبرة وانتماء وتحظى باحترام شعبي. وسبب رفض الشخصيات والفصائل مثل الشعبية وحزب الشعب والمبادرة الوطنية لتشكيل قوائم وطنية انها تضرب مبدأ المنافسة وحق الشعب الفلسطيني باختيار ممثليه، وتمس بالتعددية وحرية كل طرف باختيار المشاركة بالطريقة التي يراها مناسبة.

كما أن تشكيل قوائم وطنية يكرس نظام "الكوتا" الفصائلي الذي فرض الفصائل على الشعب بقرارات فوقية وليس عبر الانتخابات. وهو قد يمنع إجراء الانتخابات لأنه قد يؤدي الى فوز القوائم الوطنية في العديد من المناطق بالتزكية.

إن الحكومة أخطأت مرتين: الأولى بالدعوة لإجراء الانتخابات بدون تشاور كاف وشامل مع جميع الفصائل والأحزاب، بما فيها حركتا "حماس" و"الجهاد الاسلامي"، وبلا دراسة واستعداد كاف وتوفير أجواء الحرية والنزاهة بعيداً عن القمع.

المرة الثانية، وهي الأسوأ بقرارها تأجيل الانتخابات بدون مبرر موضوعي، وفي اللحظة الأخيرة، وبلا تشاور مع القوى الاخرى، بدليل أنه حتى بعض الفصائل التي وافقت على المشاركة مع "فتح" بالقوائم الوطنية مثل الجبهة الديمقراطية و"فدا" رفضت قرار تأجيل الانتخابات.

إن "فتح" بتوفيرها الغطاء لقرار الحكومة بتأجيل الانتخابات، قدمت إشارة ضعف وظهرت مثل الذي يهزم نفسه بنفسه رغم عدم وجود منافس قوي. فهي ظهرت تخشى من الانتخابات وان نتائجها ستكون وبالاً عليها.
فلا يمكن أن تكون الانتخابات استحقاقاً ديمقراطياً رغم الانقسام تارة، وان تتحول بقدرة قادر الى عائق امام المصالحة تارة أخرى.

ولا يمكن أن يصبح التوافق الوطني عبر تشكيل قوائم وطنية مشتركة أهم من الديمقراطية تارة، وأن تكون النصائح اوالضغزط العربية والدولية لن تثنيها عن إجراء الانتخابات تارة ثانية، وأن يتم الاستجابة لها بدون تفسير أوتبرير تارة ثالثة.
إن ملف المصالحة الوطنية لم يشهد تغيراً جوهرياً فعلياً حتى الآن، حتى يمكن التذرع بأن التأجيل تم كرمال عيون المصالحة الوطنية.

إن الحكومة خسرت بقرار التأجيل لأنها طعنت الديمقراطية وخضعت لمطلب فئوي بالنسبة لمسألة جوهرية باهمية الانتخابات، ما يجعل الأمر يبدو كأن السلطة مزرعة خاصة، وليست مؤسسة وطنية ملك الجميع ومعنية ببناء المؤسسات وترسيخ الديمقراطية والاحتكام للشعب بوصفه مصدر السلطة والتشريع والصلاحيات.

لقد سقطت اللجنة المركزية لحركة فتح سقوطاً مدوياً في أول امتحان كبير تتعرض له بعد المؤتمر السادس. فـ "فتح" أثناء التحضير للانتخابات وبعد تأجيلها بدت مشتتة وكأنها لم تعقد مؤتمرها، ولم تتقدم فعلاً على طريق الاصلاح والتجديد والتغيير .

على قيادة "فتح" الجديدة وكوادرها وعناصرها أن تقف وتفكر وان تستخلص الدروس والعبر قبل فوات الأوان.
ان الديمقراطية ركن أساسي من أركان البيت الفلسطيني، مثلها مثل الشراكة الوطنية ويجب الحفاظ عليهما. ولكن هذا البيت ارتكز سابقاً ويجب أن يرتكز مرة أخرى على حجر أساس هو البرنامج الوطني، والذي أدى غيابه منذ سنوات إلى سيادة المصالح الخاصة والفردية على المصالح العامة، وحتى على مصالح الفصيل نفسه. فالسائد الآن " أنا أو الطوفان" .

وأخيراً، هناك مثل عربي حكيم يقول: رب ضارة نافعة، وهذا يعني أن قرار تأجيل الانتخابات على خطورته قد يساعد على تحقيق المصالحة الوطنية، هذا اذا توفرت النية والارادة الصادقة التي تعتبر ان المصالحة الوطنية ضرورة لا غنى عنها وليست خيارا من الخيارات، ومن يتنازل من أجلها يربح ويفوز بثقة الشعب!!