من نسف فندق الملك داوود إلى مهاجمة قافلة الحرية../ ماجد كيالي

تنفرد إسرائيل عن غيرها من الدول بميزات نوعية عديدة، فهي الدولة الوحيدة التي نشأت، في القرن العشرين، من علاقة الصفر بين الديمغرافيا والجغرافيا (بما يتعلق بمواطنيها اليهود)، وهي المكان الوحيد الذي نشأت فيه مؤسسات الدولة قبل الدولة ذاتها.

وهي الدولة الوحيدة التي قامت على أساس تهجير أصحاب الأرض الأصليين (الفلسطينيين)، وتغييبهم من المكان والزمان.

وهي، أيضا، الدولة الوحيدة التي لم ترسّم حدودها الجغرافية ـ السياسية بعد. فوق كل ذلك فهذه الدولة هي الوحيدة من نوعها التي تعيش في عداء مع جوارها، والتي تشعر أيضا بانتمائها لمحيط آخر غير المحيط الذي تعيش به.

بحكم هذه الميزات باتت إسرائيل بمثابة دولة لاحدود برية لها، لكونها مقطوعة عن مجالها الأرضي، وباتت تعرف بكونها "جزيرة"، غربية (وغريبة) في المنطقة، أو بكونها مجرد "حاملة طائرات" برية، بحكم دورها العسكري/ العدواني في الشرق الأوسط.

أيضا ثمة نوع من التفرد في إدراك إسرائيل لأمنها القومي، وهو أيضا يختلف عن إدراك الدول الأخرى لهذا المفهوم. ففي حال الدول العادية فإن مفهوم الأمن القومي يتأسس على صون الحدود، والدفاع عن السيادة على الأرض والموارد، وحفظ أمن المواطنين. أما بالنسبة لإسرائيل، فأمنها القومي، فضلا عن ما تقدم، ينبع من مفهوم هجومي، وليس من مجرد مفهوم دفاعي. وهو مفهوم لا يتعلق فقط بالتطورات العسكرية على الحدود، وإنما يرتبط أيضا بالتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في عواصم الدول المجاورة، وعواصم الإقليم. وهو لا يرتبط باعتراف الآخرين بهذه الدولة، فحسب، وإنما أيضا بحقها التاريخي و"الرباني" والأخلاقي بالوجود.

وعند الدول الأخرى فإن الصراع يدور على شكل وجود الدولة وحدودها، أما في ادراك إسرائيل فإن الصراع معها يتعلق بوجودها من أساسه. وبينما تعتبر خسارة حرب بالنسبة لدولة ما مسألة جولة، فإن إسرائيل تعتبر الحرب التي تخسرها بمثابة أخر الحروب بالنسبة لها.

ولعل هذا يفسر سيادة مفاهيم من نوع "الردع"، واحتكار التسلح النووي، والتفوق العسكري (في المجال التقليدي) على مجموع الدول المحيطة، في مفهوم إسرائيل لأمنها القومي. كما يشمل هذا المفهوم فرض رواية إسرائيل لتاريخ المنطقة وجغرافيتها، والاعتراف بها كدولة يهودية على وجه التحديد، وليس فقط مجرد الاعتراف أو القبول العربي بوجودها كدولة.

وعلى أساس هذا المفهوم انتهجت إسرائيل منذ قيامها سياسة الضربة الاستباقية، واعتمدت سياسة "إرهاب الدولة"، مستغلة في ذلك صورتها في الغرب كضحية للممارسات الفاشية (إبان الحرب العالمية الثانية)، وادعائها بتهديد العرب لوجودها، ورفضهم الاعتراف بها، وتغطية الولايات المتحدة لسياساتها.

في هذا الإطار يمكن سوق الكثير من الممارسات التي تصنف إسرائيل في خانة الدول الإرهابية، فقبل قيامها، مثلا، قامت عصابات "شتيرن" و"ارغون" بشن عديد من الهجمات على الجيش البريطاني، ضمنها نسف فندق الملك داوود حيث مقر القيادة البريطانية في فلسطين (1946)، ما أدى إلى مصرع حوالي مئة من البريطانيين والعرب، وكذا إعدام عدد من الضباط والجنود البريطانيين شنقا، وذلك للضغط من اجل رفع القيود عن قدوم المزيد من المهاجرين اليهود إلى فلسطين (1945ـ1948). وهذه العصابات قامت أيضا باغتيال الكونت برنادوت (1948) الوسيط الأممي (السويدي) لمجرد دوره في استصدار القرار 194 (القاضي بحق العودة للاجئين) في الأمم المتحدة. وهي التي كانت اغتالت اللورد موين الوزير والمبعوث البريطاني (القاهرة 1944).

ثم أن هذه العصابات ارتكبت عشرات المجازر لإرهاب الفلسطينيين، ودفعهم لمغادرة أرضهم وممتلكاتهم (1948)، ما أدى إلى محو اربعمئة قرية فلسطينية، وإفراغ مدن الساحل من سكانها الفلسطينيين لصالح المستوطنين اليهود.

وبعد قيامها فإن هذه الدولة لم تتورع عن خطف الطائرات المدنية (مثلا السورية 1954)، وهي تعمدت إسقاط طائرة ركاب ليبية (1973). كما إنها انتهجت سياسة الاغتيالات ضد القياديين والنشطاء والمثقفين الفلسطينيين والقائمة طويلة من اغتيال الشهيد غسان كنفاني (1972) إلى اغتيال الرئيس ياسر عرفات (2004)؛ بالقتل المباشر وبالصواريخ وبالتفجير بعبوة أو بطرد بريدي أو بالسم، داخل الأراضي المحتلة وفي عواصم العالم (قبرص ومالطا وباريس وروما).

فوق ذلك ففي سجل هذه الدولة عديد من العمليات الإرهابية ضد المدنيين في تونس والأردن وسورية والإمارات (جريمة اغتيال المبحوح) ولبنان (قانا مثلا) ومصر (مدرسة بحر البقر ومصنع أبو زعبل، والعمليات التي حسبت ضمن فضحية لافون (1954 مثلا)، ؛ هذا إضافة إلى مجازرها ضد الفلسطينيين في القدس وجنين ونابلس والخليل ورفح وجباليا ومجمل مناطق غزة.

وضمن سلسلة عمليات الإرهاب هذه ثمة لإسرائيل حكاية طويلة مع القتل في البحر، فهي، مثلا، قامت بعملية إنزال في بحر بيروت في مهمة أدت لاغتيال ثلاثة من القادة الفلسطينيين البارزين (1973)، هم أبو يوسف النجار وكمال ناصر وكمال عدوان، وفي إنزال آخر في تونس (1988) تمكنت من اغتيال القائد الفلسطيني خليل الوزير (أبو جهاد).

وفي هذا الإطار يمكن احتساب هجومها على قافلة الحرية، ما أدى إلى مصرع 9 من النشطاء الأتراك المتعاطفين مع شعب فلسطين. فوق كل ذلك فإن عمليات الإرهاب الإسرائيلية، من البحر، طاولت، أيضا، إغراق الباخرة الأمريكية "ليبرتي" (1967)، وهي سفينة استخباراتية، ما أسفر عن مصرع 34 جنديا أميركيا، وإصابة 170 آخرين.

وبمناسبة القتل الإسرائيلي في البحر، أو من البحر، يمكن أن نذكّر هنا، أيضا، بأعمال الإرهاب التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، ضد السفن المحملة بمهاجرين يهود، لإثارة الرأي العام العالمي على بريطانيا (الدولة المنتدبة على فلسطين) لحضها على فتح أبواب الهجرة اليهودية إلى هذه البلاد على مصراعيها. وفي هذا الإطار قامت عصابات "الهاغاناه" (التي شكلت نواة الجيش الإسرائيلي فيما بعد) بتفجير باخرتين محملتين بمهاجرين يهودا، لايحملون تصاريح هجرة، وقامت سلطات الانتداب بمنعهم من النزول، الأولى هي الباخرة "باتريا" (25/11/1940)، وقتل منها 240 يهودياً، قرب ميناء حيفا، والثانية وهي الباخرة "ستروما، التي أغرقت (24/2/1942)، قرب ميناء اسطمبول، وقتل فيها 700 يهودي. ومعلوم أن دافيد بن غوريون أول رئيس حكومة في إسرائيل أمر بنسف الباخرة "ألتالينا" (20/6/1948) وإغراقها في البحر، مع حمولتها، للاشتباه بأنها كانت تحمل على متنها أسلحة لجماعة "حيروت"، المنافسة لحزب بن غوريون، ما أدى إلى غرق 15 يهودياً.

لكن وصمة الإرهاب التي تحيط بإسرائيل لا تقتصر على عمليات القتل المباشر فقط، فما هو الإرهاب حقا إن لم يكن يشمل محاولة محو شعب أخر، أو إزاحته من المكان والزمان، أو السيطرة عليه بوسائل القوة العاتية والاحتلال الغاشم؟ وإذا كانت القتل الإسرائيلي من البحر يبعث رسالة مفادها أن إسرائيل يحق لها ما لايحق لغيرها، وأنها معفية من المحاسبة ومن القانون الدولي، فإن ردة الفعل الدولية على القرصنة الإسرائيلية تشي بأن العالم سئم ترهات إسرائيل، وأن هذه الدولة التي أفلتت من الحساب مرارا لن تفلت هذه المرة، مايعني أن زمن الاستثناء الإسرائيلي انتهى.