حصار غزة.. ومعركة كسب الرأي العام../ أحمد الحيلة*

لعب اللعب الرأي العام الدولي في الآونة الأخيرة دوراً بارزاً في معركة كسر الحصار عن غزة بشكل لافت، فمنذ نشوء الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين عام 1948، والصهاينة يحتكرون قدرة التأثير على الرأي العام الدولي وخاصة الغربي منه، من خلال العمل في مسارين متوازيين، الأول: عبر الترويج لـ "ديمقراطية" الدولة العبرية، وبأنها المدافع الوحيد في المنطقة عن حقوق الإنسان، والملتزم بالمعايير "الأخلاقية" للدول الغربية. أما المسار الثاني: فهو قيام الماكنة الإعلامية الدعائية الإسرائيلية بتشويه العالم العربي وفي مقدمته الشعب الفلسطيني، بوصفه شعباً إرهابياً معادياً للسلام، وعاشقاً للقتل والدم.

وللمحافظة على تلك الصورة النمطية المقلوبة في الوعي الغربي، وظّف الاحتلال الإسرائيلي عبر جماعات الضغط الصهيونية المنتشرة في أوروبا وأمريكا الشمالية، فزّاعة معاداة السامية وأسطورة المحرقة كسيف مسلط على رقاب المثقفين، والأكاديميين، والمؤسسات الغربية التي حاولت إعادة قراءة التاريخ (المحرقة) أو توجيه النقد لممارسات الاحتلال ضد الفلسطينيين بانتهاكها للاتفاقيات الدولية وخاصة في مجال حقوق الإنسان.

التغيير الذي حصل في وعي الرأي العام الغربي تجاه الاحتلال الإسرائيلي، كان نتيجة لنشاط الفلسطينيين ومعهم عدد كبير من الأصدقاء العرب والمسلمين وأحرار العالم، الذين نجحوا نسبياً في كسر الاحتكار الصهيوني لقدرة التأثير على الرأي العام الغربي، ساعدهم في ذلك معرفتهم بمدخلات الثقافة الغربية ومحددات الخطاب الغربي، ودخولهم على خط العمل المؤسسي الأهلي أو المدني في العواصم الغربية وتفاعلهم معه بشكل إيجابي، وهو القطاع الأكثر مصداقية وتأثيراً لدى الجمهور.

وفي موازاة ذلك فقد ازدادت معالم الغطرسة الصهيونية بانقلابها وتمردها على كل القيم الإنسانية الكونية، بارتكابها جريمة ضد الإنسانية عبر شاشات التلفزة العالمية في حربها المجنونة على قطاع غزة عام 2008-2009، فكانت تلك الحرب الحدث الأبرز في انقلاب الصورة، وفي تحريك الرأي العام العالمي ضد إسرائيل، عندما جابت جميع العواصم، وفي مقدمتها الغربية، مظاهرات حاشدة تندد بالاحتلال الإسرائيلي وممارساته الإرهابية ضد الفلسطينيين العزّل.

وقد تعزز هذا الاتجاه بعد صدور تقرير "غولدستون" الذي اتهم الاحتلال الإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، الأمر الذي أحدث تغيراً حقيقياً في نظرة قطاع عريض من الرأي العام الغربي تجاه إسرائيل.

ذلك التغير كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت المئات من النشطاء والسياسيين المنتسبين لنحو 40 دولة، لركوب أسطول الحرية بهدف كسر الحصار عن قطاع غزة..، حيث استقبلهم قراصنة النخبة الإسرائيلية المدججين بالسلاح، بالقتل والخطف في عرض المياه الدولية، الأمر الذي زاد من قناعة المشاركين والرأي العام الغربي بحقيقة الاحتلال الإسرائيلي، ككيان مارق وخارج عن القانون، ومنتهك لأبسط حقوق الإنسان.

هذا في المحصلة، وضع الاحتلال الإسرائيلي وقيادته العنصرية في حرج شديد، كما أحرج حلفاءه في الولايات المتحدة وأوروبا، الأمر الذي دفعهم إلى إعادة النظر في كيفية إدارة الحصار وتخفيفه، بتوسيع قائمة البضائع التي تدخل إلى قطاع غزة..، وذلك في موازاة أصوات دولية عدّة طالبت برفع الحصار نهائياً، ومحاسبة المعتدين على أسطول الحرية.

ذلك الواقع يدفعنا للإشارة إلى أهمية العمل على كسب الرأي العام الغربي، من خلال عرض حقائق الأمور، وكشف جرائم الاحتلال المتستر خلف الدعاية الصهيونية المزورة للتاريخ ولمجريات الأحداث.

إن معركة كسب الرأي العام، وخاصة في الغرب مازالت مفتوحة وهي في بدايتها، وعلى العرب والمسلمين وأنصار الحرية والعدالة، أن يشمروا عن سواعدهم لخوضها، وما حصار غزة الذي سينتهي يوماً ما إلا أحد ساحات المعركة، وهذا يستدعي تكثيف النشاط بتسيير المزيد من أساطيل الحرية دفاعاً عن الشعب الفلسطيني، ولكشف حقيقة إسرائيل ككيان إرهابي محتل.