مسرحية الإدانة والتسهيل../ علي جرادات*

كان من السذاجة السياسية الإعتقاد بأن يفضي الحراك السياسي دوليا وإقليمياً بعد جريمة الإعتداء الإسرائيلي على "أسطول الحرية" إلى رفع الحصار عن غزة دون إحراز إدانة دولية رسمية كاملة وحقيقية للجريمة الإسرائيلية من مجلس الأمن، وهذا بدوره لم يكن ممكناً دون توفر شرطين منفصلين ومتداخلين:

الأول: رفع سقف الموقف الرسمي العربي، والنافذ منه تحديداً، في مواجهة الصلف الإسرائيلي والإنحياز الأمريكي وما يدور في فلكه من قوى دولية وإقليمية نافذة.

الثاني: التقدم فلسطينياً بخطوات نوعية على صعيد إعادة توحيد الصف الداخلي، بعيداً عن، بل في مواجهة، معيقاته الدولية وتداخلاته الإقليمية.

إذ دون توفر هذين الشرطين لن يكون هناك لا كسر للحصار ولا رفع له، على ما بين مفردتي الكسر والرفع من فارق، ولن تفضي حالة التأييد الشعبي والرسمي المتنامية دوليا وإقليمياً لمطلب إنهاء الحصار، إلى أكثر من مسرحية "تخفيفه" التي أقدمت عليها الحكومة الإسرائيلية وباركها البيت الأبيض.

لذلك، ولأنه لم يجر حراك نوعي على صعيد الشرطين آنفي الذكر، فإنه لم يكن هنالك عامل دافع لإدانة كاملة لإسرائيل على جريمتها السافرة، وبالتالي فإنه لم يكن غريباً أن تتمخض تداعيات جريمة الإعتداء على "أسطول الحرية" عن أكثر مما تمخضت عنه، أي إدانة أمريكية شكلية للجريمة الإسرائيلية، وبالتالي "تخفيف شكلي للحصار" على المقاس الإسرائيلي الأمريكي، الأمر الذي يعيد للذاكرة طرفة فحواها: أن شاوياً للحم طالب فقيراً وقف بالقرب منه يلوك قطعة خبز بدفع دينار كثمن لقطعة لحم بدعوى أن الفقير لاك خبزته على رائحة شواء اللحم، وحين ذهبا إلى القاضي قراقوش الشهير بأحكامه العجيبة ليفصل بينهما، وبعد سماع دعوى كل منهما، أمر الفقير بدفع الدينار، وحين رد الفقير بأنه لا يملك سواه، رمى قراقوش بالدينار في صحن الشاوي وأعاد الدينار للفقير معتبراً أن رنة الدينار هي ثمن إشتمام الفقير لرائحة اللحم، من على قاعدة أن الإدانة الشكلية لا تفضي إلا إلى ثمناً شكلياً، وهي ذات القاعدة التي تصرف وفقها البيت الأبيض مع الجريمة الإسرائيلية، فإدانة شكلية للجريمة الإسرائيلية لم تكن لتتمخض إلا عن تخفيف شكلي للحصار، بما يجيز القول: "تمخض الجمل فولد فأراً".

والحقيقة أن لا غرابة في هذه النتيجة، بل هي تكرار ممجوج لما جرى قبل شهور في الضفة الغربية، فالحصاد الشكلي للمطالبة برفع الحصار عن غزة بعد تأجج التأييد الشعبي والرسمي دوليا وإقليمياً في أعقاب جريمة الإعتداء على "أسطول الحرية"، جاء بذات النتيجة التي حصدها الفلسطينيون في الضفة على صعيد المطالبة بوقف الإستيطان كشرط للعودة للمفاوضات، حين أصرت الحكومة الإسرائيلية على رفض هذا المطلب، وجوفته عبر مسرحية "التجميد الصوري المؤقت" التي باركها البيت الأبيض ضارباً عرض الحائط كل الرهانات الواهمة التي أعقبت تسلم أوباما لسدة الحكم في البيت الأبيض.

طريقة "التجميد الصوري المؤقت للإستيطان" في الضفة و"التخفيف الشكلي للحصار" في غزة، وبمباركة أمريكية في الحالتين، هي منهج إسرائيلي أمريكي قديم متجدد في التعامل مع المطالب الفلسطينية في إنهاء الإحتلال وتجلياته على كافة الصعد في كل من الضفة وغزة، ما يفرض على الفلسطينيين ضرورة الكف عن تجزئة مطالبهم وإقتصارها على الفروع، والإنتقال إلى توحيد هذه المطالب وتركيزها على الجذر، أي إنهاء الإحتلال، فتدمير غزة وحصارها وتقطيع أوصال الضفة وتكثيف الإستيطان فيها ومسابقة الزمن في إستكمال مخططات تهويد القدس وتفريغها من سكانها، ناهيك عن مواصلة عمليات القتل والإعتقال وتقييد الحركة... كلها فروع لجذر واحد إسمه الإحتلال وإستمراره، حتى ولو جاء بصيغة "عن بُعد" ودون ترسيم إنهاء السلطة الفلسطينية، التي جرى دثرها عملياً منذ إجتياح الضفة الغربية عام 2002.

لكن من الواضح أن أمر إعادة الأمور إلى نصابها بالعودة إلى تركيز الجهد الفلسطيني على الجذر، أي الإحتلال، لن يكون ممكناً وواقعياً دون توحيد الصف الفلسطيني وإنهاء ما يعانيه من حالة إنقسام عمودي كارثي، وهذا بدوره لن يكون ممكناً وواقعيا دون حدوث حراك نوعي على صعيد رفع سقف الموقف الرسمي العربي وإستخدام كافة أوراقه في الضغط على الموقف الأمريكي، وما يدور في فلكه من قوى دولية وإقليمية، بل أكثر من ذلك، فإن إستمرار الموقف الرسمي العربي على حاله، وكذا الإنقسام الفلسطيني، يمكن أن يقود إلى تأبيد فصل غزة عن الضفة تحت يافطات تبدو ظاهريا في مصلحة الفلسطينيين والإستجابة لبعض مطالبهم، وإلا ما معنى عدم إعتراض الإسرائيليين على فتح معبر رفح، حتى لو كان شاملا ودائما؟؟!!

إن الخطر آنف الذكر ليس خطراً وهمياً أو مفتعلاً، بل هو خطر حقيقي وداهم، ويمكن أن يتحول إلى حقيقة واقعة إذا واصل الفلسطينيون لعبة التعامل مع الفروع، أي تجليات الإحتلال، وعدم توحيد صفوفهم خلف المطالبة بإنهاء الإحتلال، فنضالاتهم وصمودهم وكل ما يمكن أن تحرزه من دعم شعبي ورسمي متنامي على المستويين الدولي والإقليمي، يمكن أن تصب بالنتيجة العملية في غير مصلحتهم، هذا بصرف النظر عن النوايا الحسنة التي ليس نادراً ما تقود أصحابها إلى بلاط جهنم، ذلك أن أية نضالات فلسطينية ميدانية وما تحرزه من تأييد ودعم يجب أن تصب في مجرى هدف سياسي ناظم، فحواه إنهاء الإحتلال، فـ"الحرب إمتداد للسياسة" وليس العكس، وقد كان هذا هو حال النضال الوطني الفلسطيني إلى أن وقعت كارثة الإنقسام العمودي في حزيران 2007، وبالتالي، فإنه لا يوجد إلا مدخل واحد وحيد لإعادة الأمور الفلسطينية إلى نصابها الصحيح، إنه مدخل إنهاء الإنقسام وإستعادة الوحدة، ودون ذلك لن يكون للنضالات الفلسطينية مهما تعاظمت وتعاظم معها تأييدها الدولي والإقليمي شعبيا ورسمياً، مردودا سياسيا ذا شأن، بل سيبقى يدور حول تسهيل شكلي هنا في الضفة وآخر هناك في غزة، إنما بعيداً عن المساس في الجوهر السياسي للمسألة، أي الإحتلال وإستمراه.

ولعل في تجربتي "التجميد الصوري المؤقت للإستيطان" في الضفة و"التخفيف الشكلي للحصار" في غزة، دليل واضح على هذا الصعيد، وهو ما يستوجب التوقف أمامه بجدية بهدف إستخلاص الدروس والعبر، ودون ذلك سيبقى الحال الفلسطيني يدور في تيه لن يجني إدانة حقيقية لإسرائيل على جرائم حربها المتواصلة، وبالقطع لن يحصد أكثر من تسهيل شكلي هنا وآخر هناك، هذا حتى لا نقول أن الحال الفلسطيني يمكن أن ينزلق إلى مخاطر السقوط في تأبيد إنفصال الضفة عن غزة، وهذا كما أسلفنا خطر وارد وحقيقي، وليس مجرد خطر وهمي مفتعل، فهل إتعظ كل مراهن على إمكانية إحراز مردود سياسي حقيقي على صعيد الخلاص من الإحتلال وتجلياته دون توفر شرطي رفع سقف الموقف الرسمي العربي وإعادة اللحمة للصف الوطني الفلسطيني؟؟!!!