الأتراك يدفعون الثمن../ عبد اللطيف مهنا

بدأ الأتراك في الأيام الأخيرة محاولة كبت غيظهم أكثر، وأخذوا في المزيد من التأني والكثير من التفكر وهم يعالجون ذيول مذبحة سفينة مرمرة وما جرى لأسطول الحرية. هم الآن منشغلون بفك رموز الرسائل المختلفة والمتعددة التي وصلت حتى الآن إلى بريدهم الوارد لهم من أكثر من جهة، والذي إن اختلفت عناوين سعاته فالجبهة المرسلة واحدة. أو هذا ما يميلون بحق، ونميل معهم، لاستخلاصه.

داخلياً، الأكراد ينشطون فجأة، والتوقيت لا يمكن لأنقرة إلا التوقف إزاءه. تصعيد عسكري لخلايا نائمة استيقظت مرة واحدة، وبعضه يأتي بكثافة عبر الحدود العراقية. الهجوم يطول أهدافاً ثابتة ومتحركة في العمق التركي. اسكندرون، شميندلي، خلقلي. وتوازيها تصريحات ملتهبة متوعدة لزعامات من حزب العمال الكردستاني، ويرفدهما هجوم إعلامي عالي اللهجة من زعماء الكتلة الكردية في البرلمان التركي على حكومة حزب العدالة والتنمية.

والأمر ذاته لكنه يأتي من موقع آخر، هو بقايا قلاع القوى الأتاتوركية، حزب الشعب الجمهوري، والحركة القومية. والجيب القضائي، أو ما نشهده من تحرك لثكنة دهاقنة العدالة العلمانية الأتاتوركية، الذي وصل حداً من التحدي أطلق سراح ضباط "أركينون" أو مؤامرة "المطرقة" المستهدفة للحزب الحاكم. وإذا ما أضيف إلى كل هذا سوابق عرفت عن العسكر قد تغذي الآن شكوكاً في تورطهم فيما جرى لإضعاف الأردوغانية الصاعدة، تكتمل أضلاع مثل هذا الثالوث المرتبطة مصالحه مع الغرب، أو الولايات المتحدة وإسرائيلها، والتي تحاول جاهدة المزايدة على حزب العدالة والتنمية وتحمّل سياساته المنفتحة على المحيط وعلى الأكراد مسؤولية ما جرى، ربما لدفعه إلى الخروج عن طوره رداً على هذه الاعتداءات، وبالتالي حصد المزيد من المكاسب جراء ما قد يرتكبه من أخطاء قد تنجم عن ردود غير مدروسة.

أردوغان، الذي رد بعنيف القول على المعارضة الملتقية في مواقفها مع أعدائه، وأشار، وهو يعلق على توقيت الهجمات الكردية، إلى الأيادي الخارجية، قال: إن "هذه الاعتداءات الإرهابية الأخيرة لا تحمل سوى معنى أن المنظمة الإرهابية لا تزال أداة بيد الدوائر التي تريد تصفية حساباتها مع تركيا"!

إذن، وصلت الرسائل. وهنا اتهام صريح وإن دون ذكر مباشر للجهات التي ترسلها، وإنما فيه ما يكفي ليؤشر إليها، والإعلام التركي مختلف المشارب والتوجهات اجتهد وفصل فيها وتحدث عنها وعددها، وغالبية الأتراك يعتقدون بصحة ما ذهب إليه إعلامهم... هذا داخلياً، فماذا عن ما هو خارجي؟

يقول نتنياهو: إن تركيا قد "بدأت بدفع أثمان في الحلبة الدولية". إذن، بدأ الهجوم المضاد على تركيا الأردوغانية، أو هذه الخارجة على تليد ذيليتها المعهودة للغرب أو للسياسة الأمريكية والإسرائيلية، والمرتكبة لخيار محذور التحول الإستراتيجي شرقاً. الأرمن عادوا لإطلاق النار في ناغورنو قره باخ، والكونغرس الأمريكي، يصف فعائل تركيا بـ"المخزية"، وإنها على ما فعلت سوف "تدفع الثمن".

الشراكة الأطلسية غضّت الطرف عما لحق بشريكها التركي في البحر المتوسط. وعضوية الاتحاد الأوروبي المنتظرة إلى مزيد من الانتظار، وتبدو وكأنها، كما يقولون، الأقرب من حلم إبليس بالجنة. وهناك في تركيا من يتحدثون عن المعلومات المشوهة التي تنقلها الطائرات التجسسية إسرائيلية المصدر، وعن حجب الأمريكان لمعلوماتهم الاستخباراتية حول تحركات المتمردين الأكراد عن الحليف التركي أو ما كان منسجماً مع ما كان مفترضاً بين حليفين... هناك من يعتقد في تركيا وخارجها أن جبهة بأطرافها الملتقية مصالحها داخلياً وخارجياً قد بدأت في إطلاق نيرانها في كل الإتجاهات، والمستهدف هو الأردوغانية بتجلياتها المتصاعدة والتي عليها لهذا أن تدفع الثمن، فالمطلوب بلا لبس أو مواربة هو إسقاط أردوغان أو احتوائه.

مثلاً، يلاحظ نتنياهو، أن "هناك تغييراً كبيراً حدث في تركيا مع صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم. هم ينفذون تغييرات داخلية في الحكم مقارنة مع ما كان قبل مئة عام"... وعليه، يرى وجوب أن مثل "هذا التغيير يؤدي إلى تراجع الوضع الداخلي في تركيا"، وهو يتفق مع روبرت غيتس وزير الحرب الأمريكي، الذي لم يتوفر لديه سبب للتحول التركي شرقاً، أو تركيا الساعية إلى تقاسم الثقافة والقيم والتاريخ والمصالح مع جوارها ومحيطها الطبيعي، سوى لوم الاتحاد الأوروبي الذي صد التهافت التركي لما هو أقرب من نصف القرن عن ولوج بوابة جنته المنشودة، وذلك عندما يقول نتنياهو: "منذ اللحظة التي أدركت فيها تركيا أنها لن تدخل الإتحاد الأوروبي، توجهت لقيادة العالم الإسلامي وأدى هذا إلى تعامل سلبي للغاية مع إسرائيل".

تركيا الأردوغانية، التي تعرضت لخديعة من قبل حليفها الأمريكي عندما شجعها أوباما على الاتفاق الثلاثي مع البرازيل وإيران حول حل معضلة الملف النووي الإيراني ليرفضه هو وغربه ويعاجله بتسديد ضربة العقوبات في مجلس الأمن الدولي، كانت قد تعرضت قبلها لخديعة أخرى من الإسرائيلي أولمرت قبل شنه الحرب على غزة، والآن وقد وصلت الأمور إلى حيث ما بعد مجزرة مرمرة، وحيث من المتوقع أن يسارع الأمريكان لمحاولة ابتزاز تركيا إسرائيلياً مقابل تعاونهم معها ضد الكردستاني، ما الذي سوف تفعله في مواجهة كل هذه الجبهة وامتداداتها، أو هذه التي فتحها ضدها تحولها وتصالحها مع هويتها الذي زاد من شعبية أردوغانها، وجازى حسن إدارتها لمصالحها فدر عليها معدل 6% من النمو الإقتصادي... ما هي خطواتها القادمة المتوقعة؟

هل ستتراجع بضعة خطوات مقابل كل خطوة تقدمتها أو سوف تتقدمها، أم أن مسيرتها، أو مسيرة حزب العدالة والتنمية تحديداً، وقد قطعت ما قطعت، محكوم عليها بالتقدم فحسب، وهي على استعداد لدفع ثمن خياراتها؟

قبل الإجابة، لابد لنا من ملاحظة أن الإرث الأتاتوركي الثقيل يحمّل العثمانيين الجدد أوزار وضع تركي مركّب شديد التعقيد، على الصعد الداخلية، والعلاقة مع إسرائيل، مع الغرب الأطلسي، مع الولايات المتحدة تحديداً، لابد وأن تحتاج مقاربته إلى المزيد من كبت الغيظ، والتفكر، أو الحكمة والتأني. على سبيل المثال، 59 اتفاقية مع إسرائيل منها 16 عسكرية وأمنية، وصفقات تسليحية معقودة تدفع تركيا بموجبها 7,5 مليار دولار لإسرائيل... إلى جانب المردود السياحي. بالمناسبة سارعت روسيا لإبداء استعدادها للحلول محل إسرائيل صفقاتياً إن لزم الأمر، والسياحة العربية إلى تركيا ازدادت 40%، والسائح العربي يقول الأتراك أنه ينفق ثلاثة أضعاف ما ينفقه الإسرائيلي...

إذن، وإذا كان التحول التركي، الذي كنا قد تحدثنا عنه في مقالات سابقة، هو حقيقي، ولعوامل عديدة، أيضاً كنا قد عددناها، ونرى أن لا رجعة عنه، فإلى أي مدى إذن سيكظم الأتراك غيظهم، وإلى أي حد سوف يتحلون بمزيد من الصبر أو الحنكة والتروي؟!

يجيب نتنياهو على مثل هذه الأسئلة، بشكل أو بآخر، عندما يتحدث عن التحولات الاستراتيجية المقلقة له وللغرب في المنطقة، فيقول: إن "كل من يتواجد في المعسكر البراغماتي يدرك أن التغييرات المقبلة ليست للأفضل".

...الأردوغانية مستهدفة، فالحالة التركية هي اليوم العلامة الفارقة في زمننا الأقرب بامتياز... فماذا عن العرب الذين يبدوا وكأنما الأتراك غدوا يدفعون الثمن نيابة عنهم؟!

بعض العرب، شعبياً ونخبوياً على الأقل، ينتظرون من أردوغان نسخة مكررة من محمد الفاتح. قد نعذرهم، لأنه ما أشبه اليوم بالبارحة، ما أشبهه بما كان من أيام في قرون قد خلت... هناك حقاً ما يغري هؤلاء بالخلط تعسفاً أو توهماً ما بين أردوغان والسلطان سليم الأول، إذ ربما يدفعهم إلى مثل هذا ما يبدو لهم من التشابه بين حال ربوعنا اليوم وحالها إبان الحقبة المملوكية!!!