المشهد الفلسطيني في شوارع بيروت../ ظافر الخطيب*

استعاد الشارع البيروتي نبضه الفلسطيني لساعاتٍ من الزمن، ارتفعت فيه الألوان الفلسطينية وصدحت الأناشيد والشعارات لتلقي بهمها ووجعها في صدر بيروت عله يكون رحباً كما كان في السابق، إذ أنه من الصعب علينا أن نقبل أو أن نستوعب أن تكون بيروت بلا عشق فلسطيني وإن كان ممزوجاً ببعض الآهة وبعض التمرد.

على أن هذا النبض كان بلا روح.
على أن تلك الأناشيد والشعارات كانت بلا صدى.
وذلك ما لم يعتده الفلسطينيون، لم تألفه اليوميات على امتدادها وإن تهالكت عند المنعطفات الدولية والإقليمية، أو عند المطبات الفصائلية، أن يسيروا في طوافهم المستمر من محنة النكبة إلى محاجة العودة، بلا نبض مقاوم، ودون تردداتٍ لصدى النشيد أو الشعار. والنبض أو الصدى هنا قيمة أصيلة، بغيرها لا يكون الفلسطيني فلسطينياً.

وأمام مشهد الآلاف التي سارت في شوارع بيروت ترفض الظلم وتطرح العدالة بوجهها الحقوقي، فإنّ استعراض هذه الحركة من أجل البناء عليها يصبح واجباً ملزماً لكل المعنيين بالشأن الفلسطيني، كما يصبح الاستماع لوجهات النظر حتى وإن كانت معترضة واجباً ملزماً لا يمكن الفكاك منه، هذا على فرض أن الأرض التي ننطلق منها فلسطينية بامتياز بلا مؤثرات أو تدخلات ذاتية فردية، ذاتية فصائلية، إقليمية شقيقة أو معادية.

وتحت سقف القراءة لهذه الحركة الكبيرة، يمكن استخلاص نوعين من النقد:
لطالما خرجت الجماهير الفلسطينية ملبية نداء الواجب، لطالما ضجت شوارع المخيم بالمظاهرات، على مرّ تاريخ الصراع، وعليه كانت شوارع بيروت تتفاعل، بغير ترددٍ حتى في أصعب اللحظات، حين كانت تكتوي بسياط النظام الرافض لهذا الإلتزام تحت ضغط العلاقات والحساسيات.

وقد اتسمت هذه الحركات بكونها انفعالية عاطفية، تخرج للرفض، للتنديد، للاستنكار أو للتأييد تارةً، وترتبط أكثر بفكرة المقاومة، دون أي التفات للذات، فالكرامة لم تعنِ الحقوق، بل البحث عن الثأر والتحدي في مواجهة مصطلحات الهزيمة والخضوع، منطق الآخر بغير تحديد، وتارةً أخرى في تكريم شهيد سقط في ميدان المعركة، حينها كانت تشعر الجماهير أن من حق الشهيد عليها أن تفيه حقه بلحظة وداعٍ وتجديدٍ للبيعة، وهو ما كان يصنع النبض ويشكّل النشيد والهتاف.

لكن جماهير الوعي الفلسطيني المنفي لم تعتدِ على أن تخرج بحثاً عن حق إنساني، بل اعتادت أن تخرج كي تذكر بالحق الأصيل، ولما كان الأصل مرتبطاً على مستوى الوعي والذاكرة بالحركة المقاومة فإنه كان من الصعب عليها أن تخرج بنبض آخر. وهو ما يفرض محذوراً كبيراً قد يشكل منعطفاً خطيراً، يتمثل في القضم التدريجي للحق الأصيل للعودة، وهو ما يتطلب تحقيق التوازن بين الماضي بماهياته وحاجات الحاضر، بين الحق الأصيل بنبضه الثوري المقاوم وبين الحق الإنساني في العيش بكرامة، فلا تتحول جماهير الوعي الفلسطيني المنفي المنشد لحلم فلسطين إلى مجرد أحزمة بؤس وتسول. حتى الآن لم يجرِ التعامل مع معادلة التوازن بشكل جدي، و أغلب الظن أن انشدادنا يظل محكوماً بعقدة الطارئ الذي أدى إلى سيادة تيار اللاشيء سوى الفراغ.
بناءً على ما تقدّم يمكن رصد سمة الواقع الفلسطيني من خلال رصد التيارات المؤثرة فيه:

سيطرة "السياسي" و تهميش الآخر: لم تعد هذه السيطرة تستند إلى شرعية تاريخية أو حتى شعبية، خاصة بعد أن فشلت في تحقيق إنجازات سياسية، الشرعية الوحيدة التي تملكها هي شرعية ملء الفراغ وتقطيع الوقت، وبفعل الغياب الدائم عن القضايا الحقيقية وعدم قدرتها على حفظ التوازن بين النضال والمقاومة من جهة، بين احتياجات الواقع الفلسطيني وبؤس الانقسام الفلسطيني، فإنّها باتت بحكم المستقيلة من كل مهماتها.

حضور المجتمع المدني واستقالة الآخر السياسي: يمتلك المجتمع المدني شرعية جاذبة لكنها غير مؤصلة، لأنها تطرح نفسها بأفق سياسي مشوه حين بتداعى الآخر"السياسي"، ولما كان الوجود الفلسطيني في لبنان وفي غيره من الشتات يظل دائمًا في محل إعراب الحلول التصفوية في محل الإنهاء الشامل، فإن حركتها تظل محكومة بعقدة الشك والارتياب عند الفلسطيني، لذلك كانت حركات المجتمع المدني دائما ناقصة متحولة في تطورها إلى ما يشبه الفصائل عند الحضور وعند الغياب.

حضور الفراغ و غياب "السياسي" والمجتمع المدني: إن استقالة "السياسي" من مهماته، وعدم قدرة المجتمع المدني على الدخول في عمليات كاملة، فإن الفراغ يصبح سيد الموقف، معبراً عن نفسه من خلال سيطرة النزعات الفردية، وتحكّم العناصر غير المنضبطة، والتفكك الاجتماعي، والهجرة إلى الخارج، ونزوح الكفاءات والعناصر الفاعلة المؤثرة من داخل المخيم إلى الآخر الأكثر رحابة "اللبننة" في حالة فلسطينيي لبنان.

المؤثرات الأخرى: إن إنهاك الروح الفلسطينية المرتبطة بحالة النضال والمقاومة، يساهم مساهمة كبيرة في حضور مؤثرات غير فلسطينية، يسهل اختراق الأجهزة للواقع المجتمعي الفلسطيني، وفي ظل ضعف الممانعة وإعادة تعريف العلاقات بطريقة مكيافيلية (الغاية تبرر الوسيلة)، فإن شرائح اجتماعية تتشكل بعيدة عن الحالة الفلسطينية بوجه فلسطيني، ولما كانت هذه الشرائح تحظى بامتيازات معينة فإنها تتحول إلى دينامو مؤثر وفاعل في حركة المجتمع الفلسطيني.

إن وعي الواقع بكل تفاصيله يشكل ضرورة من أجل الخروج من حالة التيه، ومقدمة لإعادة صياغة الذات الفلسطينية، باستراتجية تعطي ما لله لله وما لقيصر لقيصر، وهو أمر مقدور عليه، وفق معادلة أنه لا مخيم بدون قضية، ولا قضية بدون ثقافة المقاومة، وحتى تتصلب الروح المقاومة عليها أن تتحرّك بماهياتها بحرية وكرامة، دون ذلك يكون الهوان والسقوط، بذلك نعيد لبيروت وغيرها من العواصم العربية النبض الفلسطيني المفعم بروح المقاومة ويكون الصدى كله فلسطين.