عندما تتحوّل القوة إلى ضعف../ فواز طرابلسي

الملك عبد الله الذي يزور الولايات المتحدة حالياً (وقد التقى، أمس، الرئيس الأميركي) هو من حيث القوة المالية والسيطرة على أكبر مصدر ومستودع للنفط في العالم، ناهيك عن دور أرصدته في دعم الاقتصادات الأميركية والعالمية، أقوى حاكم عربي قادر على الضغط على الولايات المتحدة.

ولما كانت السعودية هي النظام العربي الأوثق ارتباطاً بالولايات المتحدة تاريخاً ومصالح، فهي النظام العربي الوحيد الذي يستطيع أن يوازن ولو بعض الشيء الضغوط التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية على الرئيس أوباما.

وليس من المبالغة ولا من قبيل الاستباق الظالم القول إنه، في ضوء ما هو معروف من السياسات السعودية، فسوف تمارس واشنطن على العاهل السعودي من الضغوط أكثر مما سوف يمارسه هو من ضغوط على صاحب البيت الأبيض.

ومع ذلك، فالرئيس الأميركي الذي قابله العاهل السعودي بالأمس، مثقل بمأزقين كبيرين في منطقة الشرق الأوسط الكبير.

دلّ عزل القائد الأميركي للقوات الحليفة في أفغانستان الجنرال ماك كريستال على ما يتعدى العقاب على كلام نقدي ضد الرئيس ليؤشر إلى العجز عن تحقيق أي نصر عسكري في أفغانستان، أطول حرب تخوضها الولايات المتحدة الأميركية في تاريخها. بدأ الغزو بغرض اعتقال أسامة بن لادن وتقديمه للمحاكمة بتهمة الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك. وها إن قادة
«القاعدة» يتبخترون بين أفغانستان وملاجئ آمنة في باكستان، ويعترف مدير وكالة الاستخبارات الأميركية بأنه فقد أثر بن لادن، منذ أيام «طورا بورا».

وليس من التفصيل القول إن خطر التنظيمات الإسلامية المتشددة، المتحالفة مع الطالبان، بات يهدد النظام الباكستاني ذاته. وفي أفغانستان ذاتها، ينمو نفوذ الطالبان، مستغلاً التزوير الانتخابي والفساد الحكومي للرئيس حميد كرزاي وبطانته، وتتصاعد خسائر جنود القوات الحليفة فيما تفشل حملات «تطهير» المناطق التي بدأت منذ شباط الماضي.

هكذا يجد الرئيس الأميركي نفسه أمام العجز عن تحقيق «انسحاب مشرّف» لقواته في الموعد المضروب لانسحابها في منتصف 2011، تتقاذفه ضغوط ونصائح متضاربة: تيار يدفع به إلى تحقيق نصر عسكري مستبشراً بتعيين الجنرال بتراوس، صاحب خطة التزخيم العسكري العراقية، علماً بأن بتراوس كان المسؤول المباشر عن ماك كريستال في التراتب القيادي، والقائد الذي أجاز له خطته الأفغانية. وتيار يمثله حميد كرزاي وتدعمه الحكومة الباكستانية، وأوساط في «الحلف الأطلسي»، يدعو لحل سياسي قائم على التعاون مع جناح معتدل من الطالبان في حكومة اتحاد وطني تمهّد للانسحاب.

يزداد الشبه بين حالتي أفغانستان والعراق، مع أن الأزمة الكبرى في أرض الرافدين تبدو الآن سياسية. نعني استعصاء تشكيل حكومة بعد النتائج غير الحاسمة للانتخابات النيابية الأخيرة. ولو أردنا التحليل المنطقي للتحالفات الإقليمية للفرقاء العراقيين، لكان من البديهي أن يتلاقى الموقف السعودي ـ السوري، الداعم لانخراط فريق واسع من القوى السنيّة في الحكم عن طريق تحالف «العراقية»، مع الموقف الأميركي، من أجل كسر حدة الوطأة التي تمارسها الكتلتان الشيعيتان، بميولهما الإيرانية، على السلطة. على أن الأمر ليس بمثل هذه البساطة على ما يبدو، فأوباما هنا أيضاً في موقف المتردد.

مهما يكن من أمر، فلا شك في أن إيران احتلت حيزاً مهماً من المحادثات بين الملك والرئيس. تخشى المملكة النفطية الحرب ضد إيران التي سوف تدور بعض رحاها في منطقة الجزيرة والخليج. لكنها تريد منع إيران من اكتساب السلاح النووي. لا تمانع في رفع العقوبات. بل ألقت بوزنها لمنع لبنان من التصويت ضد العقوبات الجديدة في مجلس الأمن. ومع ذلك، ففي الوقت الذي تغلق فيه تركيا أجواءها أمام الطيران الحربي الإسرائيلي، في تخفيض لافت للعلاقات بين البلدين بعد مجزرة «أسطول الحرية»، لا يزال يتردد صدى الخبر الذي أعلنته مصادر إعلامية بريطانية، وأكدته مصادر إسرائيلية، عن وجود إجازة سعودية لإسرائيل باستخدام مجالها الجوي في حال اتخاذ قرار ضرب أهداف داخل إيران.

والغريب أن الأنظار عربياً تتجه صوب إسرائيل عند الحديث عن احتمال الضربة العسكرية ضد إيران، في حين أن مركز القوة والقرار هو في واشنطن. فور إعلان العقوبات الجديدة على إيران، عبرت قناة السويس، بإجازة من دولة «الاعتدال» العربية الثانية، بوارج أميركية، مصحوبة ببارجة إسرائيلية، لتضييق الحصار على إيران. وقد تضاعفت الطاقة التدميرية للقوات الأميركية في المنطقة أربعة أضعاف منذ العام 2003. وعززت الولايات المتحدة قدراتها الهجومية بنوع خاص في قاعدتها العسكرية الضخمة في جزيرة دييغو غارسيا التي تؤوي غواصات ذرية مزودة بصواريخ «توماهوك» القادرة على حمل رؤوس نووية إضافة إلى عدة مئات من القنابل الضخمة «الخارقة التحصينات»، وهي أقوى قنابل الترسانة العسكرية الأميركية ما دون الأسلحة النووية. ويقدّر خبراء استراتيجيون أن القاذفات الأميركية والصواريخ البعيدة المدى قادرة على تدمير لا أقل من عشرة آلاف هدف في إيران خلال ساعات قليلة.

يوجد جواب من منطلق المصلحة العربية بصدد السلاح النووي الإيراني: هو المبادرة المصرية المتكررة حول شرق أوسط منزوع السلاح النووي. أعلنت السيدة كلينتون أن المبادرة المصرية ليس من المناسب طرحها حالياً. وزاد الرئيس أوباما بالقول إن لا معنى لمشروع شرق أوسط منزوع السلاح النووي إلا في إطار سلام شامل للنزاع العربي الإسرائيلي. فما الذي طرحه العاهل السعودي مع الرئيس أوباما؟

انعقد اللقاء السابق بين عبد الله وأوباما، عشية خطاب الرئيس الأميركي الشهير في القاهرة. يجدر التذكير بما تحقق من كلام أوباما المعسول في ذاك الخطاب. رد الرئيس الأميركي مبادرة السلام العربية على الطرف العربي مطالباً ببناء الثقة عن طريق خطوات تطبيع واسعة مع إسرائيل.

وحوّل موضوع الدولة الفلسطينية إلى موضوع استئناف المفاوضات شرط تجميد الاستيطان. وتراجع عن التجميد الشامل لصالح صيغة جزئية من التعليق وموقتة سوف تنتهي قريباً.

يتأبط العاهل السعودي مبادرة السلام العربية. والرئيس أوباما سوف يرغب إليه بأن تبادر العربية السعودية الى الدعوة إلى تأييد مفاوضات فلسطينية إسرائيلية مباشرة، تحديداً باسم تلك المبادرة. فأي مبادلة هي هذه؟

وكل هذا في وقت يعلن فيه أفيغدور ليبرمان أن لا دولة فلسطينية قبل العام 2012. معروف أن رئيس «إسرائيل بيتنا»، الذي يحاكَم بالفساد، يعلن بوضوح ما يضمره نتنياهو ومَن حوله. وهو لا يعني هنا تأجيل تحقيق الدولة. بل يُعلمنا أن إسرائيل تحتاج إلى عامين على الأقل لاستكمال تهويد القدس ودمج القدس الشرقية بالغربية وتحويل العرب فيها إلى لا أكثر من 15% من السكان، وتحوّل القدس الكبرى هذه إلى حاجز بين شطري الضفة الغربية.

وليس هذا هو أهم ما ورد ويرد عند ليبرمان. إنه يضيف ان لا حل للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي إلا بتبادل للأراضي والسكان. أي أنه يفصح لنا عن المعنى الفعلي لشعار الاعتراف العربي بإسرائيل بما هي الدولة اليهودية. أي حق إسرائيل في إجلاء من عليها من فلسطينيين إلى الضفة الغربية أو ما تبقى منها.

أين المبادرة العربية مما وصلت إليه مواصيل السياسات الإسرائيلية؟ وماذا يملك العاهل السعودي أن يقول لأوباما عن مصير مبادرته للسلام الشامل؟ لن يستلهم قرار البرلمان الكويتي الداعي إلى تعليقها. لعله سوف يستنجد بأوباما لتعويمها بتجديد الحديث عنها؟ مجرد الحديث.
"السفير"