الأردن وورقة مفاعل ديمونا../ واصل طه

بعد اكتشاف الأورانيوم بكميات كبيرة، أصبح الأردن يملك مادة هامة عوضته عن افتقاره لحقول بترول أو غاز، كما هو متواجد منه في دول عديدة في الخليج والمنطقة.

واستنادًا إلى هذه الثروة الطبيعية -الأورانيوم- وضعت الحكومة الأردنية مشروعًا متكاملاً من شأنه أن يشكل رافعة وقفزة نوعية للحياة الاقتصادية الأردنية، تعول الدولة عليه ليصبح عامودًا فقريًا في التطور والتقدم، ويلبي احتياجات الدولة المتزايدة المستقبلية.

ومن أجل الانطلاق به، أعدت الحكومة الأردنية مشروعًا نوويًا سلميًا تم عرضه بعد دراسته على المحافل المختصة في العديد من الدول التي أبدت استعدادها لتزويد الأردن بالمفاعلات النووية للأغراض السلمية، وعلى رأسها فرنسا وكوريا الجنوبية، اللتان أبدتا استعدادًا كاملاً لتزويد الأردن بها، أما الوكالة الدولية للطاقة الذرية فلم تبدِ معارضة للمشروع النووي الأردني، لأن باحثيها ومختصيها مقتنعون بأهداف ومرامي هذا المشروع استنادًا للوثائق التي عرضتها الأردن.

وبعد دحرجة المشروع وانكشافه ومعرفة العديد من الدول به، اكتشفت الأردن أن إسرائيل تسعى لعرقلته، وإفشال مساعيه لامتلاك التكنولوجيا النووية المتقدمة من خلال الضغط على كل من فرنسا وكوريا الجنوبية لوقف التعاون معها في هذا الصدد، مجندة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، الذي نجح إلى حد ما في تغيير الموقف الأميركي من المشروع الأردني النووي السلمي. فطرحت الولايات المتحدة بدائل مثل تخصيب الأورانيوم في الخارج، رفضها الأردن، وبذلك يبدو واضحًا أن مساعي إسرائيل لدى البيت الأبيض قد أعطت نتائج بعكس ما توقعت الأردن، فكان ذلك نزولاً عند رغبة إسرائيل واقتناعًا منها بأن هذا المشروع يتهدد أمنها ويتعارض مع الموقف الأميركي، الذي يرمي إلى المحافظة على احتكارها وامتيازها للأمر، باعتبار أن إسرائيل ترى من خلال ناموسها وقاموسها السياسيين مسًا في أمنها "بقرتها المقدسة" التي لا تُجيز لأحد أن يمسّها، بل تعطي لنفسها الحق في ذبح جميع "أبقار الناس" غير المقدسة في نظرها.

نفسية الإسرائيلي العادي المشبعة والمذوتة بالثقافة الصهيونية ترى بالعربي أيًا كان عدوًا، لا يمكن الوثوق به، وهذا نقطة في بحر النخب السياسية الصهيونية القيادية الغارقة في شكها وعقدها من كل مخطط عربي حتى لو كان من أجل التطوير الاقتصادي والاجتماعي، فهذه القيادة هي التي تدير ظهرها لمعاهدة السلام والعلاقات الطبيعية مع الأردن، وذلك بسعيها لإفشال المشروع النووي الأردني السلمي، الذي أوصل العلاقات الأردنية الإسرائيلية إلى الحضيض، حتى اخترق هذا الأمر الكواليس وأصبح علنيًا، بعد أن اتهم الملك عبد الله الثاني إسرائيل بالتدخل في الشؤون الداخلية لبلده وطالبها بالكف عن ذلك. هذه هي إستراتيجية المؤسسة الإسرائيلية الصهيونية. بتعاملها مع العرب عمومًا فالطبع يُغلب التطبع والأمثلة عديدة، مثل التدخل لدى دول منابع النيل للضغط على مصر، ودعم الأكراد في العراق على مرّ العقود الفائتة وحركات جنوب السودان الانفصالية ومحاولة الهيمنة السياسية على لبنان، ودعم الحزب الكردستاني التركي اليوم كوسيلة ضاغطة على الحكومة التركية التي تبدي مواقف مغايرة للسياسة الإسرائيلية.

الأردن يملك من الأوراق الضاغطة والهامة لوقف مساعي إسرائيل التي تستهدف مستقبله العلمي والاقتصادي والسياسي منها:

1. مفاعل ديمونا النووي، لا يبعد كثيرًا عن الحدود الأردنية، وهو محاذٍ للمناطق ا لبركانية التي تكونت بعد انشقاق الأرض في حقبة غابرة من الزمن (مما يعرف في علم الجغرافيا والجيولوجيا الشق الأفريقي الأسيوي).. ومن يتابع تطورات هذه المنطقة، وتعرضها لمخاطر التقلبات الطبوغرافية، بسبب الهزات الأرضية، يعلم أن هذه المنطقة هي من أكثر المناطق عرضة لهزات مختلفة الدرجات حسب سلم ريختر (متوقعة في كل لحظة)، قد تؤدي إلى تصدع في مفاعل ديمونا النووي فتنبعث منه الإشعاعات الذريّة فيكون الأردن أول ضحاياه على المستويين البشري والبيئي. إذن هناك خطر حقيقي يتهدد المملكة الأردنية، ومن حقها أن تقي نفسها من هذه الشرور الكامنة في وجود هذا المفاعل النووي الخطير بالقرب منها.

2. بالرغم من معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، ما زال العديد من السياسيين الإسرائيليين الذين شغلوا ويشغلون مناصب سياسية رسمية، يتغنون بمخطط الوطن البديل للفلسطينيين ويعنون الأردن -وذلك من أجل التهرب من دفع استحقاقات السلام والمفاوضات مع م. ت. ف، التي ترفض هذا المخطط جملة وتفصيلاً- دون الاكتراث باتفاقية السلام الموقعة عام 1994 في وادي عربة.

هذه الوقاحة الإسرائيلية، تتعدى حدود التعامل بين دولتين في حالة سلام موثق، وتطبيع كامل، ففي مثل هذا الموقف يصبح الأردن حرّا وغير مقيّد بأي اتفاق، طالما أن إسرائيل هي التي تنقض ولا تحترم الاتفاقيات، وتتجاوز أصول السلوك الدبلوماسي المرعي بين الدول، فتدخلها بهذا الشكل الفظ والعنجهية المفرطة، يفتح الباب أمام الأردن بالقيام بحملة سياسية واسعة لفضح توجهها المعادي لها والمغلف بسلام تسعى إسرائيل من خلاله، تجميل صورتها التي ظهرت على حقيقتها بعملها لعرقلة مشروع الأردن النووي السلمي وتمسكها بمخطط الوطن البديل.

3. المطالبة بشرق أوسط خالٍ من الأسلحة الذرية، والعمل من أجل إجبار إسرائيل كشف برنامجها النووي غير السلمي للمراقبة الدولية.

أما محاولة إسرائيل إفشال الأردن امتلاك الخبرة النووية العلمية للأغراض السلمية، كآلية تطويرية لاقتصادها ولخبراتها ينبع من صلب إستراتيجيتها بإبقاء العرب متخلفين في هذا المجال، كي تبقى هي المتفوقة والمتميزة به، لأن حصول الأردن على التكنولوجيا النووية أو سواها من الدول العربية يعني أنهم، (العرب) يخطون خطـًا نحو التطور والتقدم ويحدثون قفزة نوعية سوف تنهي احتكارها وامتيازها في هذا المجال. ولذلك دمرت إسرائيل المفاعل النووي العراقي عام 1980، وكذلك ما افترضت أنه مفاعل نووي في دير الزور في سورية، وهي تحاول إفشال الأردن بالحصول على التكنولوجيا النووية السلمية، فالنتيجة بالنسبة لها يجب أن تكون واحدة في جميع الحالات.

وعليه فإن مفاعل ديمونا (تشرنوبل اسرائيل) هي ورقة هامّة ورابحة إذا ما استعملت عربيًا وأردنيًا ضمن حملة دبلوماسية عالمية مُحكـَمة تخدم مصلحة الأردن والعرب. إذ تعتبر إسرائيل بعدم توقيعها على ميثاق عدم انتشار الأسلحة النووية دولة متمردة تضرب بعرض الحائط بالأمم المتحدة التي أقرت قيامها فهي تصنع ما تشاء نوويًا، دون مساءلة أو مراقبة دولية لمنشآتها الذرية المختلفة، بينما يصبح الأمر خطرًا يتهدد العالم عندما تريد أي دولة عربية أو إسلامية طرق هذا الباب سلميًا.

إسرائيل تجيز لنفسها أن تفعل ما تريد لحجب هذه التكنولوجيا عن الأردن وغيرها في المنطقة وهي بالمناسبة تلاقي دعمًا من الولايات المتحدة بإعطائها الضوء الأخضر لمشاريعها بينما تفرض الولايات المتحدة العقوبات على الآخرين وتعرقل برامجهم بطروحات بديلة، هدفها إجهاض أي مشروع نووي سلمي في المنطقة كي تبقى متحكمة بالموقف وتحرك معها كافة الخيوط.