الأزمة الفلسطينية والخيارات المفروضة../ علي جرادات

ثمة إجماع على أن جوهر الأزمة الفلسطينية سياسي بامتياز، ويتعلق بانعدام إمكانية الاتفاق السياسي مع إسرائيل حول "قضايا الوضع النهائي"، بل أكثر، فإنه لا يبدو في الأفق أن هنالك إمكانية لاتفاق سياسي ينهي احتلال العام 1967 وإقامة دولة فلسطينية سيادية مستقلة. ما يعني أن الأزمة الفلسطينية سابقة على الانقسام الفلسطيني الذي عمقها، وأعطاها أبعاداً كارثية.

لقد بدأت مظاهر الأزمة الفلسطينية تطفو على السطح أكثر فأكثر منذ انتهاء العمر الزمني لاتفاق (أوسلو) في أيار 1999، وتفاقمت في أعقاب فشل مفاوضات "الوضع النهائي" في كامب ديفيد تموز 2000. وقد جاءت الإنتفاضة الفلسطينية في أيلول 2000، والإجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية انعكاسا واقعياً لهذه الأزمة السياسية الناجمة عن الرفض الإسرائيلي لتلبية الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، ما برهن على أن مقدمات التوقيع على اتفاق سياسي لم تنضج بعد، وأن الإستعداد اللفظي للأحزاب الإسرائيلية حول الرغبة في التسوية السياسية لا يتجاوز كونه شكلا من أشكال كسب الغطاء لسياساتها والوقت لفرض معالم الحل الذي تريده، وتضليل التفاعل الدولي مع القضية الفلسطينية، الذي لم يرتقِ أصلاً إلى مستوى ممارسة الضغط على إسرائيل.

عليه، يتضح أن مفاوضات الحكومات الإسرائيلية على اختلافها الحزبي جاءت كروافع سياسية لإدارة الصراع مع الفلسطينيين، وتحويل الصراع" إلى مستوى إدارة نزاع ، علماً أن العالم قد اعتاد على هذا النمط من إدارة النزاعات، فقد باتت مألوفة ومتنوعة وتمتد على اتساع الكرة الأرضية، ما يساعد الإسرائيليين على التملص من اعتبارهم دولة محتلة، وإدراج نشاطاتهم العسكرية ضد الفلسطينيين في إطار ما بات يسمى "محاربة الإرهاب". وكل ذلك بهدف توفير الفرصة المريحة لتجسيد سياسة "الإنفصال عن الفلسطينيين" دون متاعب، علما أن للأحزاب الإسرائيلية قراءات متنوعة الشكل لهذه السياسة، ولكنها تتقاطع على مضمون متفق عليه ويتلخص في:

1: العمل على السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض الفلسطينية بأقل عدد من السكان الفلسطينيين.

2: التعايش مع كيان سياسي فلسطيني لا يعكس مضمون الدولة وفق ما يحدده القانون الدولي دون الاعتراض على تسميته دولة، شريطة أن لا يخرج عن إطار سيطرة إسرائيل.

ولعل حزب كاديما، هو الحزب الإسرائيلي الأوضح من بين الأحزاب الإسرائيلية في التعبير عن طبيعة هذا الإنفصال، إذ يقرأه على أنه خطوة باتجاه الحل الإنتقالي طويل الأمد، ويرافق بناء دولة بحدود مؤقتة خلف الجدار الفاصل، ويمكن تنفيذه بشريك فلسطيني أو بدونه في حال تعذر وجوده، مع محاولة إقناع العالم أن "قضايا الوضع النهائي" شائكة ومعقدة، وتحتاج إلى وقت كافٍ ومناخ ملائم لحلها.

أما حسب ليبرمان، فيشمل الإنفصال انفصالا جغرافياً وسكانياً يتيح بناء "دولة اليهود الخالصة"، ويمكن أن ينفذ بتبادل سكان المستوطنات مع الفلسطينيين خلف الخط الأخضر، أي بتبادل الأرض والسكان معاً، وإعادة اقتسام فلسطين، بما يعطي الفلسطينيين أقل مساحة ممكنة من الأرض.

ورغم أن التأييد لأطروحات ليبرمان غير معلن في سياسات الأحزاب الإسرائيلية الرئيسية الأخرى، إلا أنها تلاقي رواجاً لدى العديد من قادة هذه الأحزاب ورموزها، بل وتشكل الحل الذي يجسد مقولة "دولة اليهود"، والحلقة الأخيرة في سلسلة "خطة الإنطواء" أو الإنفصال من جانب واحد، التي بدأها شارون في غزة.

وبالتالي، فإن السياق الموضوعي لطابع العلاقة الإسرائيلية-الفلسطينية هو الصراع الذي يعلو ويهبط تبعاً لسياسات الاحتلال، وعليه فإن خيارات الواقع أمام الشعب الفلسطيني وقواه السياسية ليست كثيرة، علماً أن خيار الحفاظ على إدارة الصراع باستمرار التفاوض، لن يفضي إلى نتيجة، وبالتالي فإن القوى السياسية الفلسطينية تقف وجهاً لوجه أمام إما:

أولاً: الحفاظ على صيغة المناورة القائمة في إدارة الصراع.

ثانياً: الإعلان عن فشل المسار التفاوضي وتحميل إسرائيل المسؤولية عن ذلك ووقفه، والإعلان عن حدود الرابع من حزيران عام 1967 كخارطة للدولة الفلسطينية، ومطالبة العالم الاعتراف بهذه الحدود، والتوجه لمؤسسات الأمم المتحدة والمحافل الدولية كافة في إطار حملة دبلوماسية واسعة لإحراز اعتراف دول العالم بهذا الإعلان.

ثالثاً: وقف المفاوضات وتحميل مرجعيات عمليات التفاوض القائمة المسؤولية عن ذلك، والمطالبة بنقل ملف الصراع والقضية إلى الأمم المتحدة ومرجعياتها كإطار وقرارات، ومطالبة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه إلزام إسرائيل باحترام القانون الدولي واتفاقية جنيف وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية. وفي هذا الإطار يمكن طرح مسألة الإشراف الدولي المؤقت من قبل الأمم المتحدة على الأراضي المحتلة عام 1967 كافة بما في ذلك القدس، كمرحلة انتقالية يتم خلالها تمكين الشعب الفلسطيني من بناء مؤسساته وممارسة حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

رابعاً: الإعلان عن حلّ السلطة الفلسطينية بمعنى سحب توقيعات منظمة التحرير الفلسطينية من كل الاتفاقيات السابقة، بما يعيد لإسرائيل صفتها الحقيقية كدولة محتلة، عليها تحمل مسؤوليات احتلالها وتبعاته بكافة المعاني وفق ما نصت عليه اتفاقيات جنيف.

ومن الطبيعي القول: إن كافة الخيارات السابقة ما عدا الخيار الأول تتطلب أولاً وقبل أي شيء آخر نجاح مستوى متقدم للوحدة الوطنية ووحدة المؤسسات، أي إنهاء حالة الإنقسام القائم، أما استمرار حالة الإنقسام في ظل استمرار حالة الإشتباك المفتوح مع الإحتلال، فلا تعبر إلا عن اختلال في قراءة التوازن المطلوب بين تناقضات الصراع، وإغفال أن التناقض الرئيسي يبقى مع الإحتلال، الأمر الذي يحتاج إلى تصويب وتصحيح، وأن أية مماطلة أو تسويف في هذا المجال، إنما تثقل كاهل الشعب الفلسطيني بأعباء إضافية هو في غنى عنها، وتضعف قدرته على انتهاج خيارات صعبة ومفروضة. ولعل التوجه إلى أيٍ من الخيارات السابقة عدا الخيار الأول، في حال توفر شرط الوحدة الوطنية، يحتاج إلى إرادة وطنية عالية، فالمرحلة دقيقة وحساسة، والتغول الإسرائيلي بلغ حداً غير مسبوق، أطروحة وممارسة.