"القلب يحزن.. والعين تدمع يا لبنان"*../ نصر حامد أبو زيد

لبنان وطني، هل في ذلك أيّ مبالغة الآن؟ حين سُئل الأعرابي مَن أحبّ أبنائه إليه، قال: صغيرهم حتى يكبر، وغائبهم حتى يعود، ومريضهم حتى يشفى. وهل أنا إلّا أعرابي مهما اغتربت وشرقت أو غربت! أنا الأعرابي الذي ينتسب إلى أوطانه المحاصرة والمهدّدة، ولبنان بالإضافة إلى هذا كله هو الوطن الذي حمل ويحمل كلمتي بلا رقابة أو مصادرة. أول تلفزيون عربي سمح لي بالحديث مع أهلي وناسي في الوطن العربي كله على الهواء بلا مونتاج أو قص، كان إحدى القنوات اللبنانية.

المقاومة تحقّق انتصاراً مذهلاً يتبدّى على الأقل في تصديها للعدوان أكثر من أسابيع ثلاثة، وهذا أمر لم يحدث في أيّ حرب سابقة للعدو مع جيوشنا النظامية.

ويتبدّى انتصار المقاومة جلياً في تكبيدها العدو خسائر على أرضه وفي مدنه لم يسبق له تكبّدها في حروبه السابقة مع الجيوش العربية النظامية، لكنّ لبنان يحترق، هل يسعد المرء أم يأسى؟ مشاعر متناقضة، وغضب يصل إلى حد الجنون، ليس فقط من صمت العالم «المتقدم» ـ وهو جريمة لا تساويها كل جرائمه السابقة ضدنا ـ بل من حكّامنا الذين تبلّدت مشاعرهم ففقدوا آدميتهم.

هل يعقل أن يصدر عن مصر مثل هذا الذي صدر فأصابنا جميعاً بالعار! من قال إنّ مصر دافعت يوماً ما عن غير حدودها؟ ليست الحدود الجغرافية، بل الحدود الجغرافية لها عمق استراتيجي، من دون الدفاع عنه ما أسهل أن تُزال الحدود الجغرافية وتداس بأقدام الأعداء. عصر من الأكاذيب التي وجدت خواءً في العقول، فاستقرت حين قرر النظام المصري أن يحوّل البوصلة إلى الغرب الرأسمالي سياسياً وعسكرياً وثقافياً واجتماعياً ليحمي مصالحه كنظام تحالف مع بقايا الإقطاع. ذلك الإقطاع الذي قامت الثورة للقضاء عليه بسبب تحالفه مع الاستعمار، تحالفت بقايا الثورة مع بقايا الإقطاع، وجرى تسليم الوطن ـ مرةً أخرى ـ للاستعمار، حين أعلن أنّ كل الأوراق في يد أميركا.

في هذا العصر، أذاع النظام أنّ مصر دفعت الكثير من أجل العرب، وضحت كثيراً من أجل فلسطين، وآن لها أن تمسح يديها، وتتخلى عن هذه المسؤوليات.

زعم الزاعمون آنذاك أنّ «السلام» سيحقّق الرخاء، وأنّ أنهار العسل واللبن ستجري في الوادي، وأنّ كل شاب سيجد مسكناً ووظيفة وتأميناً صحياً بعد أن يتخرج من الجامعة أو المدرسة أو المعهد. جرت أنهار العسل واللبن لكن في فيلات المحظوظين، ووجد أبناؤهم المسكن والوظيفة والتأمين، بل والشهادة العالية جداً، ولكن من خلال حسابات بنوك الآباء المحظوظين.

الشعب المصري كله يعاني الآن أضعاف أضعاف ما كان يعانيه أيام الحروب، الحروب التي لم تكن دفاعاً عن أحد غير الشعب المصري، ولم تكن أبداً تضحية من أجل أحد إلا الكرامة الوطنية المصرية. الكرامة التي لا تتحقق إلا بمراعاة الدوائر الاستراتيجية الثلاث: الدائرة العربية، والدائرة الإسلامية، والدائرة الأفريقية.

إنّ أيّ نظام حاكم في مصر لا يدرك أنّ حماية حدود الوطن تبدأ من حماية عمقه الاستراتيجي في الشرق والغرب والشمال والجنوب، عليه أن يرحل، بل على الناس أن يزيلوه.

إن القَسَم الذي يقسمه الحاكم حين يتولى السلطة يشير إشارة واضحة إلى «حماية الوطن والدفاع عنه». لكنّ حكامنا الآن يتصورون أنّ علينا الانتظار حتى تدقّ أحذية العدو حدودنا الجغرافية، وهي حدود كما نعرف لا يملك جيشنا وحده حق حراستها.

لبنان يحترق، لولا صمود المقاومة لزال لبنان من الخريطة، ومصر النظام لا تكتفي بالتفرّج، بل تعلن بلا حياء أننا لن ندخل حرباً من أجل لبنان. لم يطالب أحد في لبنان بذلك، بل تواضعت إلى حد كبير توقّعهاتهم من الوطن الأم، لكنهم لم يتوقعوا أبداً هذا الإعلان الكارثة.

هل يمكن أن نلوم تواطؤ العالم الغربي السياسي بكامله ونحن هكذا في العار غارقون؟ نعم يجب أن نكشف لهذا العالم مقدار الزيف الذي اكتشفناه في أطروحاته: الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، تتبدّى هذه القيم الآن قيماً محلية، تسري في الداخل فقط. إنها حرية الإنسان الأبيض، والمساواة بين الأجناس البيضاء، وحقوق الإنسان الأبيض، هكذا بلا تزويق. فدم الفلسطيني واللبناني لا يساوي دم الإسرائيلي.

هكذا تتبدّى تحت الضوء الكاشف عنصرية الثقافة الممتدة فلسفياً إلى أرسطو. منذ ١١ أيلول (سبتمبر) والعالم الإسلامي السياسي والثقافي والديني يحاول جاهداً أن يشرح نفسه، أن يعتذر عن «إرهاب» المارقين عن قيمه الثقافية والدينية، وأن يفتح ذراعيه للحوار بدلاً من الصدام.

ومن قبل ١١ أيلول (سبتمبر) والعالم العربي يؤكّد أنه صار مع السلام من أجل السلام، وفي سبيل الرخاء للجميع.

ذهب الفلسطينيون إلى أوسلو، ووقّعوا معاهدات أخذتهم إلى كامب ديفيد ـ ما أدراك ما كامب ديفيد ـ ومنها إلى شرم الشيخ ولا فائدة. صمّم الغرب على أنّ يصم أذنيه عن سماع شرحنا، وأن تعمى بصيرته عن إرادتنا للسلام العادل، بل وعشقنا له، فأعلن الحرب على الإرهاب، غزا أفغانستان ثم العراق ليفرض الديموقراطية وحقوق الإنسان... إلخ.

الآن علينا أن نتجاوز محنة الغرب في ١١ سبتمبر، فقد وقفنا معه ضد الإرهاب، إيماناً منا بأن «الإرهاب» مرض خبيث يجب استئصاله، وحاولنا أن نشرح له أنّ للإرهاب أسباباً يجب أن تزال أولاً، وها نحن ندرك أنّ الإرهاب الذي يسعى الغرب إلى استئصاله هو نحن جميعاً، الإرهاب هو إرادتنا في التحرر والتقدم والمشاركة في صنع العالم.

على التاريخ أن يبدأ مجدداً من ١٢ تموز (يوليو) ٢٠٠٦ بدلاً من هذا التاريخ. على الغرب أن يتعلم كيف يعتذر، علينا نحن أن نلقّنه قيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان من منظور ثقافتنا غير العنصرية، الثقافة التي اتسعت تاريخياً لاحتواء ثقافة العالم حباً وتفاعلاً، لا كراهيةً وإقصاءً. إنها الحرب لا بديل عنها، لكنها ليست حرب الجيوش، بل حرب الشعوب ضد أعدائها في الداخل والخارج، ضد كل ما يعوق ازدهار العقل ونموّ قوة الإرادة، وتحقيق قيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان بالمعنى الذي يستحقه البشر جميعاً بلا تمييز. نحن مؤهّلون لذلك، إذا انخرطنا جميعاً في المقاومة ثقافةً وفكراً وأدباً وفناً. لا أعني ثقافة الهتاف ولا فكر الشعارات ولا الأدب والفن الهادفين بالمعنى الرث، بل أعني تحقّق شروط الفكر والثقافة والأدب والفن كما ينبغي أن تكون، فبهذه الشروط يمكن أن ننخرط جميعاً في المقاومة، وهذا الانخراط هو التأييد الحقيقي للمقاومة العسكرية المسلّحة في لبنان وفي فلسطين.