الحركة الوطنية والخيار البرلماني../ عوض عبد الفتاح

كلما اشتدت حملة التحريض الصهيونية ضد أعضاء الكنيست العرب أو بعضهم، يثور السؤال مجددًا، لماذا نحن العرب في الكنيست؟! يطلقه البعض في سياق ردة فعل عاطفية، وبعض آخر في إطار المساجلة الصحفية أو الأكاديمية، وبعض آخر لدواعي مبدئية – أيدلوجية.

هذا السؤل ليس حديثـًا، كما أنه لم يأتِ من فراغ. فهو مرتبط بطبيعة المشروع الكولونيالي الصهيوني، وبعلاقته مع أصحاب الأرض الأصليين. فالموقف الطبيعي التاريخي؛ الأيدلوجي – الثقافي هو ألا يكون ابن البلد المغتصب متماثلاً أو متماهيًا مع المشروع الكولونيالي أو أن لا يمنح الشرعية له. هذا الموقف عبرت عنه حركة الأرض منذ السنوات الأولى بعد النكبة، ودفعت ثمن ذلك من خلال قمعها وإخراجها عن القانون وإبعادها عن التواصل مع الناس. فقد كان لسان حالها يقول لا يعقل أن أقفز في لحظة الى برلمان كيان تأسس على أنقاض شعبي، ولم تجف بعد دماء الشهداء والجرحى. كما عبرت عنه لاحقًا حركة أبناء البلد التي كانت امتدادًا لتوجهات حركة الأرض الوطنية والقومية. يذكر أن حركة الأرض، حاولت لاحقًا (أوائل الستينيات) أن تعود الى العمل السياسي عبر تشكيل قائمة انتخابية للكنيست، بهدف إعادة الإتصال مع الناس. ولكن أيضًا أحبطت الدولة العبرية هذه المحاولة.

وأثناء تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي قبل عام 1995، طرح هذا السؤال مجددًا، أي حول جدوى الدخول في الكنيست. وقد اسغرق النقاش شهورا طويلة، وربما كانت المرة الأولى التي يحظى بها هذا الموضوع بهذا القدر من الاهتمام والدراسة المتعمقة ومن خلال الإحاطة بكافة جوانبه؛ الإيجابية والسلبية.. الفوائد والخسائر. وربما لا يعرف الكثيرون، أنه داخل حركة أبناء البلد لم يتوقف النقاش حول هذا الموضوع منذ أوائل الثمانينيات بل حصل انشقاق حول هذه المسألة. وحتى بعد أن حسمت الغالبية الساحقة من كوادر الحركة موقفها الرافض للكنيست، وسارت على هذا الخط حتى اوائل التسعينيات، ظل النقاش دائرًا ولم تـُقمع الأصوات المؤيدة، بل أعطيت الفرصة للتعبير عن رأيها (كانت أقلية ولكن نوعية – كان أبرزها الدكتور عمر سعيد الذي وضع ورقة مقابل ورقتي).

وجرت محاولة في أوائل التسعينيات، لإقامة جبهة غير برلمانية تشدد على الخط الوطني والقومي. بمبادرة حركة أبناء البلد وشخصيات من حركة الأرض كالمرحوم صالح برانسي والكاتب أحمد حسين وشخصيات وطنية أخرى.
ولكن هذه المحاولة فشلت، وعدنا الى التفكير مجددًا حول كيفية الخروج من المأزق الذي نجم عن وصول الانتفاضة الفلسطينية الأولى كانون الثاني 1987 الى طريق مسدود وعن اتفاقية أوسلو التي بددت الوحدة الوطنية الفلسطينية وكرست تشرذم الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية.

في هذه الأثناء أيضًا كان الدكتور عزمي بشارة ومعه مجموعة من اليساريين العرب في الداخل يبحث ويكوّن تنظيمًا جديدًا سمي ميثاق المساواة (عربي- يهودي) تقدم في مفهومه للمواطنة بصورة جذرية عن طرح الحزب الشيوعي الاسرائيلي. أيضًا هذه المحاولة تعثرت واندثرت قبل أن تنطلق لأسباب موضوعية وذاتية. لم تكن هذه المحاولات فشلاً مطلقًا، بل إنها هي التي مهّدت لميلاد الفكر الجديد والرؤية الجديدة القائلة بإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية أو التيار القومي داخل الخط الأخضر على أسس فكرية وتنظيمية حديثة. وهنا دخلت الحركة الوطنية في الداخل في نقاش حقيقي أدى الى تبني العمل البرلماني (في كنيست إسرائيل) إضافة إلى أساليب العمل الأساسية الأخرى، الشعبية والثقافية والأيدلوجية.

ومع أن حركة أبناء البلد لم تكن مركبًا أساسيًا من مركبات العمل السياسي التقليدي في البلاد، إلا أن تحول موقعها تجاه اعتماد الكنيست كان مستجدًا في الساحة السياسية العربية في الداخل، والذي ساهم بصورة كبيرة في الدفع بإطلاق مشروع إعادة البناء للحركة الوطنية وإقامة التجمع، وربما لأنه في تلك المرحلة، مرحلة ما بعد أوسلو تعرضت أطراف الحركة الوطنية لحالة من التشرذم خاصة بعد أن سقطت الحركة التقدمية في انتخابات الكنيست عام 1992 بقيادة المحامي محمد ميعاري الذي رفض ضغوط أسامة الباز مستشار الرئيس المصري آنذاك، والسيد محمود عباس – أبو مازن، اللذين مارسا الضغوط عليه لقبول التحالف في قائمة واحدة مع الحزب العربي الديمقراطي بزعامة عبد الوهاب دراوشة الذي كان خارجًا لتوّه من حزب العمل الاسرائيلي بعد أن قضى هناك معظم سنين عمره.

رفض محمد ميعاري أن يكون دراوشة زعيم قائمة وطنية، فخاض الانتخابات بقائمة الحركة التقدمية منفردة ولكنها لم تتعد نسبة الحسم. طبعًا كانت هناك أسباب تنظيمية وإدارية أخرى وراء اندثار هذه الحركة، ولكن ميعاري وقادة وكوادر أخرى من التقدمية كانوا من المبادرين المشاركين في تأسيس التجمع الى جانب أبناء البلد والدكتور عزمي بشارة ورفاقه.
لم يكن الحسم بهذا القرار أمرًا سهلاً. كان نقاشًا عسيرًا، وكاد يفضي الى انشقاقات أخرى. ولكن في نهاية المطاف حسم الأمر لصالح مشروع قومي لعرب الداخل.
لقد اكتشفنا، بصورة متأخرة، حجم وأبعاد التحولات الاجتماعية السياسية التي طرأت على مجتمع عرب الداخل منذ السبعينيات. والأهم انعكاساتها على سلوكهم السياسية وعلاقتهم بالدولة العبرية. هذا كان يعني أن التنظير والتبشير لم يعد يكفي، وليس كافيًا في كل الأحوال، للانتقال بالنضال الى مرحلة نوعية يتم فيها تحقيق إنجازات فعلية – ثقافية ومادية.

هذه التحولات على مدار عشرات السنين من الممارسات الاسرائيلية المعادية، وفي غياب انتصار عربي على إسرائيل، أدت إلى تغييرات في الذهنية العامة، وفي مقاربة الحياة اليومية بطريقة مختلفة؛ ليس فقط من أجل البقاء كما كان في الخمسينيات والستينيات، بل أدت إلى وعي بمطلب المواطنة الكاملة – وبأن يتحول البقاء أو العيش إلى عيش بكرامة وعلى أساس المساواة. وأصبح الناس (القسم الأكبر منهم) يبحثون عن أطر (قانونية) تمثلهم وتسعى إلى تحصيل حقوقهم في العمل، التعليم وفي جميع مجالات الحياة. لم يكن هذا التوجه بالمواطنة منعزلاً عن ارتفاع منسوب المشاعر الوطنية خاصة منذ يوم الأرض عام 1976. ولكن لم يكن هناك حركة وطنية منظمة تجمع بين اليومي والقومي بطريقة خلاقة ومتوازنة. حركة أبناء البلد كانت حركة صغيرة نسبيًا وفاعلة أساسًا في الجامعات وكانت حركة أيدلوجية صارمة، وهذا ما حال دون توسعها جماهيريًا. أما اختفاء التقدمية، فكان له أسباب أخرى، منها تحالفها (وذلك من أجل أن تضمن الوصول الى البرلمان) مع شخصيات اسرائيلية تؤيد دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع ولكنها غير معادية للصهيونية.

ولكن إقامة التقدمية شكل خطوة إلى الأمام فيما يتعلق بالربط بين المواطنة والهوية الوطنية ولكن هذا الربط ظل غير مبلور وقاصرًا عن تلبية طموحات عموم الحركة الوطنية.
أما حركة ميثاق المساواة برئاسة عزمي بشارة فكان أحد أسباب تعثرها واختفائها هو إغفالها للبعد القومي العربي، إذ كان الهدف على ما يبدو هو استقطاب جميع الشخصيات اليهودية الاسرائيلية اليسارية المعادية للصهيونية والتي تؤمن بدولة المواطنين. ولكن الذي جاء بالمعادلة المبلورة التي تحقق التوازن بين المواطنة والهوية القومية هو الدكتور عزمي بشارة.. والذي قدمها بلغة مبسطة ومحركة ومستنهضة للعقول والعواطف.

وهذا السبب بالذات الذي حفـّز قيادة حركة أبناء البلد على أن يستقر رأيها على تأييد عزمي بشارة مرشحًا أولاً للقائمة أي أن تكون مع الإجماع حول بشارة، وذلك قبل أن يُغيّر بعض قيادة الحركة رأيها وتقرر الترشح للكنيست. وهي خطوة، أي خطوة تغيير الموقف، كادت أن تعصف بالمشروع لولا حكمة الغالبية من قيادات الحركة وتمسكها برؤية الكل وعدم التوقف عند التفاصيل.

مما لا شك فيه أن أداء الدكتور عزمي بشارة وفكره القومي، والمقدرة اللافتة على مقارعة الصهيونية في الكنيست، كان عاملاً أساسيًا في زيادة القناعة لدى التجمع قيادة وكوادر، بجدوى الدخول الى الكنيست آنذاك. هذا أدى إلى بلورة الحركة الوطنية، استقطب أناس وطنيين كثيرين كانوا على الجدار، وكذلك أناسا كانوا يصوتوا للأحزاب الصهيونية. باختصار كان الكثير من الناس يحتاجون إلى إطار قانوني يمثلهم ويمثل حقوقهم اليومية ومشاعرهم الوطنية في آن. وهذا ما أتقنه التجمع الوطني في الميدان وما أتقنه عزمي بشارة كعضو وحيد عن التجمع لدورتين، منذ 1996-2003 قبل أن يُصبح للحزب ثلاثة مقاعد.
ينقسم الذين يثيرون موضوع الكنيست الى ثلاثة أقسام: الأول الذي ينساق مع اتهامات السلطة بأن أعضاء الكنيست متطرفون "ويزيدون العيار" وعليهم أن يكفوا عن الاشتغال بالقضية الفلسطينية، لأن ذلك يستقطب العداء للعرب على حدّ زعمهم، وأن يلتفتوا الى القضايا اليومية. القسم الثاني، يعتقد أن مجرد وجود تمثيل عربي في الكنيست هو تناقض صارخ مع الهوية الوطنية ولا يجوز شرعًا. وأن هذا يشكل غطاءً لاسرائيل ويصورها كأنها دولة ديمقراطية.

القسم الثالث: براغماتي، وهو جزء من أيّد البرلمان حتى فترة قريبًا يقول؛ إن العرب استنفذوا دورهم في الكنيست، ولم يعد جدوى من الوجود هناك بسبب الإنزياح الشديد نحو اليمين وعدم قدرة الأعضاء العرب على وقف أي من القوانين العنصرية التي تُسنّ في الكنيست، بسبب الأغلبية اليهودية الأوتوماتيكة. ويضيفون أن ذلك من شأنه أن يشكل خطوة احتجاجية صاخبة.

طبعًا هناك جزء من الناس غير مبالٍ ويخرج من مبالاته عبر حملة دعائية فاعلة، خاصة بعد أن يشهد كل مرة محاولات أحزاب صهيونية عديدة ورئيسية، في شطب وإخراج التجمع من الكنيست.

فيما يتعلق بالثاني والثالث، هناك شرعية لطرح هذه التساؤلات، ولا يجب الاستخفاف بها. ولكن ثبت رغم كل ذلك، بأنه بالإمكان فضح اسرائيل وديمقراطيتها وممارستها وتأليب المجتمع الدولي ضدها من خلال الكنيست وفي الوقت ذاته ممارسة النضال الشعبي. إنه في غياب عمل جماهيري صدامي وثورة شعبية عارمة لعرب الداخل ضد الدولة العبرية، وسياساتها، يُمكن أن نحول الكنيست الى منبر يلفت الأنظار الى حقيقة الدولة العبرية ويفضح بنيتها العنصرية، ويجند المجتمع الدولي ضدها. لم يكن ليتحوّل الهجوم على النائبة وعضو المكتب السياسي للتجمع، حنين زعبي لو أنها لم تكن عضو كنيست. إن قضيتها سلطت الأضواء على الدرك الذي وصلت اليه الدولة العبرية مع مواطنيها العرب. وكان عزمي بشارة تمكن أثناء وجوده في الكنيست، من إثارة اهتمام أوساط عالمية في الغرب الموالي لاسرائيل.

بعد انتخاب الحزب لعضو الكنيست تصبح الأضواء مسلطة عليه، أكثر من أي قائد حزبي آخر، وبذلك هو يتسلح بوسيلة دائمة للتأثير على جمهوره أو خارج جمهوره. ويبقى بطبيعة الحال، مستوى الأداء مرهون بقدرة العضو المنتخب وبمهاراته وباجتهاداته وبمدى قدرته على الحفاظ على التوازن بين هوية حزبه وبين الواقع المعاش. هذا من الفوائد التي يمكن أن يجنيها لصالح الجمهور أو القضية من كونه عضو كنيست
لا بالتأكيد لا. فالعرب في الداخل لا يأخذون شرعيتهم ولا شرعية نضالهم من كنيست اسرائيل، ولا من قوانين إسرائيل ولا هي مقدسة. وكل ذلك قابل للتغيير والاستبدال. لكن طالما وجد عرب الداخل أنفسهم في وضع لم يختاروه بأنفسهم بل فرض عليهم، فمن حقهم بل من واجبهم أن يبتكروا ويبدعوا المعادلات السياسية في هذا الإطار من التناقضات الصارخة لخدمة معركتهم ضد الصهيونية ومن أجل العيش الكريم.

بطبيعة الحال، للكنيست سلبيات أخرى، عدا التناقض الأيديولوجي، وهو انتشار ثقافة الكنيست عند بعض ممثلي العرب. هناك من يتمتع بوجوده هناك ولا يستطيع أن يعيش بدونه. مثال على ذلك أحمد الطيبي الذي يتسلق كل مرة على حزب ليوصله الى الكنيست، ويعيش في الأثير أكثر مما يعيش على الأرض، لأنه ليس أكثر من شخص ومعه حاشية، هذا فضلاً عن التعاقد القائم بينه وبين الساسة الإسرائيليين والمؤسسة الإسرائيلية.

على أية حال، أصبح المواطن العربي قادرًا على التمييز بين التهريج والاستعراضية والزيف، وبين من يحمل مشروعًا سياسيًا تلتف حوله الجماهير. وقد أكد اللقاء التلفزيوني (القناة الأولى الإسرائيلية) بين الطيبي وعضو الكنيست عن الليكود (أوفير أوكينوس) علاقة الود والحميمية مع هؤلاء الساسة، وأكد هذه العلاقة المشبوهة لمن كان يجهل أو يتجاهل. كل ذلك يؤكد الحاجة الى تنقية الساحة السياسية العربية في الداخل من هذه الأنماط.
طبعًا هناك أعضاء آخرون حولوا الكرسي إلى أيدلوجيا وقلة أخلاق.
رغم أهمية سؤال الكنيست، إلا أن الأهم هو ما هي استراتيجية عرب الداخل. قد يقول قائل مُجيبًا: البقاء والمساواة. ولكن هذا يبقى جوابا عاما، ولم يعد غموضه يصمد أمام تغوّل السياسة الاسرائيلية، وأمام ما تقتضيه من وضع تصورات ونقل هذه التصورات إلى أرض الواقع.

لقد تجاوز العرب في الداخل موضوع البقاء منذ زمن بعيد. وإن كانت أوساط كبيرة داخل المؤسسة الاسرائيلية تتحدث عن ضم سكان منطقة المثلث الى كيان البانتوستانات الذي أصبح جزءا من التصوّر النهائي للحركة الصهيوينة تجاه القضية الفلسطينية وعرب الداخل. المطروح على عرب الداخل، هو إما الولاء لدولة اسرائيل وتأدية الخدمة العسكرية أو البقاء على الهامش إلى أبد الدهر. والبقاء على الهامش يعني استمرار القمع والنهب، ومحاولات تفكيك الأقلية الفلسطينية داخل الدولة اليهودية. لأن هناك رفضا شعبيا عارما لمعادلة الولاء.

ما يجب أن يُطرح مجددًا هو أنه لم يعد بالإمكان مقاربة قضية عرب الداخل الوطنية بمعزل عن القضية الفلسطينية عمومًا، كما أنه لم يعد بالإمكان الخوض في النقاش حول استراتيجيات النضال عند عرب الداخل بمعزل عن النضال الوطني والديمقراطي – الفلسطيني العام ضد الاحتلال وضد الصهيونية بل ضد نظام الأبارتهايد الصهيوني.

إن الانتقال الى هذه المقاربة، لا يتم بضربة واحدة. ولا يجوز أن يتم بدون وضوح رؤية، وإن كنا نشهد تطورًا فعليًا وعمليًا ونظريًا في العلاقة الكفاحية بين عرب الداخل والضفة والقطاع في موضوع حصار غزة وحصار القدس وموضوع اللاجئين ويهودية الدولة.

ويترتب على هذا الانتقال إعادة نظر في تصورات وآليات وأساليب نضال وبنى حزبية قائمة. وموضوع الكنيست، هو ضمن هذه الآليات؛ آليات النضال، ولكن الكنيست ليست فقط آلية نضال بل لها بعد سياسي يتعلق فيما إذا كان العربي في الداخل أو حركته السياسية ستواصل قيادة نضاله على أساس المواطنة في دولة إسرائيل، والسعي إلى أن تكون هذه الدولة دولة المواطنين، إضافة إلى مواصلة رفع شعار دولة فلسطينية في الضفة والقطاع – التي تحولت إلى حالة افتراضية ومبتلعة داخل جسم الدولة اليهودية، أم تحوّله إلى نضال تحرري ديمقراطي يشمل كافة تجمعات الشعب الفلسطيني من أجل دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين.

لقد غذّت اسرائيل، دون أن تقصد، هذه التوجهات. ومهّدت لتحولات جذرية في واقع فلسطين الديمغراطي والجغرافي. وبما أن نصف سكان هذا البلد (فلسطين) عرب، ناهيك عن اللاجئين وغير مستعدين للاستسلام للمشروع الصهيوني، فإن كل الاحتمالات التاريخية تصبح واردة. ويبقى أمامنا كحركة وطنية في الداخل مهمة كيف نصوغ توجهاتنا وبرامجنا بحيث تتلاءم مع مقتضيات المرحلة، ولكن ايضًا مع خصوصية واقعنا، وإن كانت هذه الخصوصية تتعرض لتآكل أو لتغيّر بسبب السياسات الاسرائيلية الجديدة التي تنحو إلى إزالة الفروق بين المواطنين العرب وبقية الشعب الفلسطيني.

في هذه الأثناء، ترى الحركة الوطينة، التيار القومي تحديدًا بعدم جدوى تغيير الموقف من الكنيست، خاصة وأنها تمكنت من تحويله الى ساحة صراع ومواجهة مع الصهيونية، ومنفذ لكسب الرأي العام العالمي ضدها. إن الخطير في الأمر هو أن يتحوّل الكنيست إلى المنبر الأساسي. وهذا ليس في حساب التيار القومي ولن يكون. ويمكن النظر الى التجمع الوطني وإلى القوى التي تقاطع الكنيست، هل هو أقل منها راديكالية أو أقل منها نشاطًا وتأثيرًا، لا بل إن المؤسسة الإسرائيلية حولته منذ فترة طويلة إلى المستهدف الرئيسي والأول لأنه الأكثر جرأة على مواجهة الصهيونية.

التيار القومي منفتح على كل الاحتمالات ولا يقدس وسيلة من وسائل النضال. هكذا كان وهكذا سيكون.