التحالفات الإقليمية وضروراتها../ بلال الحسن

تعيش المنطقة العربية حاليا حالة جدل صاخب حول ما يسمى بالقوى الإقليمية والسياسة الإقليمية. وتعني هذه الأمور بشكل محسوس كلا من إيران وتركيا والعرب، إذ تنشأ بينهم حالة حذر قلقة تنبئ بقليل من احتمالات التحالف، وبكثير من حالات الاختلاف وربما الصدام والمواجهة.

والسؤال الأساسي هنا، هل يمكن تجاوز هذا الوضع نحو وضع آخر أفضل؟ ولا يمكن بالطبع إيجاد جواب حاسم يقول بحتمية السير في هذا الاتجاه أو ذاك، ولكن السياسة هي في أحيان كثيرة قرار يرسم إراديا. وهنا لا بد أن نستذكر جملة من المسائل: لماذا القوى الإقليمية؟ وهل من المفيد نشوء تحالفات إقليمية؟ وماذا لو كان هناك اختلاف في التوجهات بين بعض الأطراف الإقليمية كما هو الحال مع إيران؟

لا بد أن نتوقف أولا عند ظاهرة القوى الإقليمية، فالقوى الثلاث: إيران وتركيا والعرب، موجودة تاريخيا، ومن ضمن حالة من التوحد الحضاري الذي صنعته الحضارة الإسلامية، ويفترض بهذا التوحد الحضاري أن يكون عامل تقريب بين القوى الثلاث، ولكن السياسة تدخل أحيانا فتفرق بدل أن تجمع على الرغم من التوحد الحضاري.

حدث هذا مع إيران الشاه، وهو يحدث حاليا مع إيران رجال الدين. وحدث هذا مع تركيا الأطلسية، التي دفعت مصر الناصرية مثلا إلى التقارب مع اليونان للوقوف في وجه تركيا. بينما تحاول تركيا الراهنة أن تنهج سياسة جديدة، تعلن فيها عن هويتها التركية - الإسلامية، وتقرر في الوقت نفسه أن تنفتح على العالم العربي بدلا من العالم الغربي، وإن كان هذا الأمر لا يزال في بداياته، ولم يترجم بعد في كل مناحي الحياة السياسية.

أما بالنسبة للعرب، حيث هم دول وليسوا دولة واحدة، فقد نشأت أحيانا علاقات ود مع إيران أو مع تركيا، بينما نشأت في الوقت نفسه علاقات تباعد مع إيران أو تركيا.

حدث كل هذا في مرحلة سياسة القطبين السوفياتي والأميركي، حيث السياسة الدولية الفاعلة تتقرر من قبلهما، وتجد القوى الإقليمية نفسها مجبرة على اختيار الانحياز إلى سياسات هذا القطب أو ذاك. ولكن الوضع الراهن يختلف جذريا عن تلك المرحلة، فنحن نعيش مرحلة القطب الواحد الأميركي، ولكونه قطبا واحدا فهو لا يسيطر مباشرة إلا في المناطق التي يختار أن يسيطر فيها، وهذا يعني أن مناطق عديدة في العالم تبقى بعيدة عن إطار السيطرة المباشرة. كما أن الاتساع الجغرافي، وعدم القدرة - أو عدم الرغبة - الأميركية في السيطرة الكلية، يجعل الدول الفاعلة في إقليمها، كبيرة كانت أم صغيرة، دولا قادرة على بناء قوة إقليمية تؤثر في محيطها.

بمعنى آخر.. إن القوى الإقليمية موجودة دائما، ولكن التأثير الإقليمي، أو بناء قوة إقليمية متعددة الأطراف، سمة من سمات القرن الحادي والعشرين. ولهذا توجد في منطقتنا قوى ثلاث: إيران وتركيا والعرب، مؤهلة لتشكيل قوة إقليمية موحدة، ولكن السياسة تعترض أحيانا تشكيلها.

تشعر إيران بهذه الإمكانية منذ زمن، وهي تسعى بشكل طبيعي إلى أن توجد لنفسها قوة أو نفوذا خارج حدودها، تعتبره حقا لها. وتشعر تركيا منذ زمن أقرب بالحاجة نفسها، وهي تسعى أيضا إلى الشيء نفسه. أما الطرف العربي، فهو يستنكر أحيانا هذه التطلعات، كما هو الحال غالبا مع إيران، وهو يتقبل أحيانا هذه التطلعات، كما هو الحال مع تركيا الجديدة.

الحالة الإيرانية تعبر عن سياسة مرسومة، تعلنها وتعمل على تنفيذها. والحالة التركية تعبر عن سياسة مرسومة، تعلنها وتعمل على تنفيذها. ولكن الحالة العربية لا تعبر عن سياسة مرسومة، بقدر ما تعبر عن رد فعل سياسي مؤيد أو معارض. ويأتي رد الفعل هذا في كثير من الأحيان كرد فعل لفظي، ينتقد إيران، أو ينتقد تركيا، يرفض هذا الموقف، ويدين ذاك الموقف، ولكنه لا يواجه سياستهما بسياسة عربية ثالثة. وهنا يقع الخلل الكبير.

تعتبر الدول، سواء كان اسمها إيران أو تركيا، أن من حقها أن يكون لها نفوذ في مجالها الحيوي، وهي حين تجد في مجالها الحيوي قوى أخرى، ذات سياسة مرسومة ومعلنة، تجد نفسها مضطرة إلى أن تأخذ رؤية تلك القوى، وسياساتها، ومصالحها، بعين الاعتبار، فتحاول أن تنسجم، أو أن تتأقلم في سياساتها الإقليمية مع القوى الأخرى المجاورة، وإلا انقلب الأمر إلى عداء ومواجهات، وهذا أمر آخر.

وفي حالة النقد التي نشهدها عربيا تجاه إيران بالدرجة الأولى، وتجاه تركيا بدرجة أقل، فإن هذا النقد غير مجد، لأنه يقوم على إعلان الرفض، وإعلان الإدانة، ولا يضع في المواجهة سياسة عملية مرسومة تكون صدى لمصالح معروفة. وتنشأ هنا صورة خلاصتها: إيران تعمل، وتركيا تعمل، والعرب يعلقون أو ينتقدون. بينما تقتضي المصلحة العربية بلورة سياسة جماعية معلنة، وتحديد مصالح جوهرية معلنة، تعبر عن المصالح العربية الجوهرية المجمع عليها رسميا وشعبيا. وآنئذ، وحين تتقدم تركيا أو إيران لتعملا في ما تعتبرانه مجالهما الحيوي، يجدان أمامهما القوة العربية الإقليمية الثالثة، فيقفان عند حدودها، أو يتلاءمان معها. وتتحقق بذلك المصلحة العربية، ويصبح العرب بذلك مكونا أساسيا في هذه القوة الإقليمية الثلاثية. وتنشأ بذلك أيضا حالة موضوعية وإيجابية تمهد لبناء قوة إقليمية متفاهمة أو متناغمة، ويمكن لها أيضا أن تذهب إلى درجة التحالف، وهي قوة إن نشأت، سيكون لها وزنها العالمي، وتأثيرها العالمي أيضا.

وبكلمات محددة نقول، إن وجود قوى إقليمية ذات وزن أصبح سمة من سمات العصر. وإن تحالف القوى الإقليمية والتقاؤها حول مصالحها الوطنية، يجعل منها قوى فاعلة في السياسة الدولية، وبمستوى لم يكن متوفرا في مرحلة سياسة القطبين. والبلد الذي يتطلع لكي يكون طرفا فاعلا في تحالف القوى الإقليمية المتاح له، يحتاج إلى سياسة مرسومة وفاعلة ومعلنة، وإلا فإن القوى الأخرى ستستقوي عليه. فإذا كانت البلدان الساعية إلى التحالف الإقليمي متفاهمة سياسيا فإن تفاهمها سيزيد من قوة تحالفها، أما إذا كانت مختلفة سياسيا، فإن سياستها المرسومة والمعلنة، ترسم للآخر حدود ما هو مسموح وما هو ممنوع، ما هو مقبول وما هو مرفوض، فيتفاعل الآخرون معه.

أما الابتعاد عن التحالفات الإقليمية، فهو في مرحلتنا أمر ممكن ولكنه غير مفيد. والعرب قادرون أن يكونوا طرفا أساسيا وفاعلا في تحالفات منطقتنا الإقليمية، ويتوجب على العرب أن يلعبوا دورهم لكي لا يتجاوزهم الآخرون.

عن "الشرق الأوسط"