حرية التعبير وشروط ممارسة الديمقراطية../ بوفلجة غيات*

من مميزات الممارسات الديمقراطية في الدول الغربية، انتشار حرية التعبير، وتوفر وسائل ممارسته، وسعي الحكام والمسؤولين للإستماع إلى انشغالات المواطنين وأخذها بعين الإعتبار، والعمل على إيجاد الحلول المناسبة للمشاكل المطروحة. ذلك أن اعتلاء مناصب السلطة في الدول الديمقراطية يتطلب كسب أصوات الناخبين في المناسبات الإنتخابية، مما يضطرهم للعمل على إرضائهم.
في حين أن ممارسات الوصول إلى السلطة في الدول العربية لا تحتاج عادة إلى أصوات الناخبين، بل تحتاج إلى أساليب ملتوية يعلمها ويتقنها الحكام العرب، مما جعلهم يستغنون عن أصوات الناخبين، وبالتالي فهم ليسوا مجبرين على إرضاء شعوبهم، بل يعملون على إرضاء الجهات الأجنبية التي تنصبهم.

مع ذلك تبقى حرية التعبير أحد دعائم الديمقراطية الحديثة، متمثلة في الكفاءة التعبيرية والجرأة والشجاعة، وإمكانية الوصول إلى كلّ الوسائل المساعدة على الإفصاح عن الأفكار والآراء، من خلال الإحتجاجات والإعتصامات والمسيرات والمظاهرات. يتم ذلك سواء عن طريق التعبير الشفهي، أو من خلال استعمال مختلف وسائل الإعلام المسموعة والمقروؤة والمرئية، إضافة إلى وسائل الإتصاال الإلكتروني، وخدمات الإنترنت.

صور التعبير:
هناك عدة صور للتعبير، ومنها التعبير الشفهي، والتعبير العلمي والثقافي، والمسيرات والإحتجاجات.

1. حرية التعبير الشفهي: يتم ذلك من خلال القدرة على الإنتقاد والإفصاح عن عدم الرضا، وإبراز الخلل في الممارسات السياسية. أهم وسيلة بحوزة أي مواطن، تعبيره الشفهي عن مشاكله ومظالمه وانشغالاته، يتم ذلك من خلال الإتصالات بين الأفراد ويحصل عادة بطرق عفوية وغير رسمية. إلا أن كثيرا من المسؤولين على المستوى العربي يريدون كبت هذه الأصوات، رغم محدودية آثارها.

2. حرية التعبير العلمي والثقافي: ويقصد به حرية التعبير والكتابة والنشر في مختلف الصحف والمجلات والكتب، دون مراقبة وحجز ومضايقات. يتم ذلك عادة عند المثقفين والأكاديميين، من خلال المحاضرات والندوات والمناظرات العلمية والثقافية. كما يمكن المساهمة في مناقشة الأحداث وتحليلها من خلال المساهمة في ملتقيات علمية وندوات سياسية، وعروض مسرحيات هادفة وإخراج أشرطة وأفلام، تهتم بالقضايا الإجتماعية والإقتصادية والسياسية للمجتمع والأمة.

3. حرية الإحتجاجات: كثيرا ما يلتجئ المواطنون في الدول الديمقراطية، إلى المظاهرات والمسيرات الإضرابات، للتعبير عن عدم رضاها عن الواقع، من خلال التجمهر والجهر بأصواتهم والتعريف بقضاياهم والتعبير عن انشغالاتهم وإخراجها إلى العلن. وهو إجراء كثيرا ما تلتجئ إليه النقابات العمالية والجمعيات الأهلية والأحزاب السياسية. إلا أن هذه التظاهرات تحتاج إلى تراخيص مسبقة، غالبا ما تمتنع الدول العربية عن إصدارها للمحتجين.

ضرورة الوصول إلى سائل الإعلام والإتصال:
هناك عدّة وسائل تساعد على التعبير، ومنها وسائل الإعلام التقليدية، ووسائل الإتصال الإلكتروني.

1. وسائل الإعلام: قد تسمح بعض الدول العربية بحرية التعبير الشفهي على المستويات الشخصية، إلا أنها تمنع الأفراد والجماعات من الوصول إلى الإعلام الجماهيري. حيث أن وسائل الإعلام المسموعة والمكتوبة والمرئية، تتطلب استثمارات كبيرة، لهذا عادة ما تهيمن عليها أجهزة الدولة، وتمنع الأصوات الحرة من الوصول إليها. لهذا تقتضي حرية التعبير الوصول إلى صحف حرة، وإذاعات حرة، وقنوات تلفزيونية حرّة، والقدرة على استغلال خدمات الإنترنت، وهو يصعب الوصول إليه في الدول التسلطية.

2. وسائل الإتصال: ساهم انتشار أجهزة الهاتف على دفع عملية الإتصال والإعلام. وقد كان اكتشاف وتوسع استعمال الهاتف النقال، وما أصبح يقدمه من خدمات إعلامية من تسجيل وتصوير، خدمات جليلة في إطار دعم حرّية التعبير. وقد تمكن ناشطون حقوقيون ومواطنون عاديون من أخذ صور خطيرة وفي غفلة الرقابة، وتمكنوا من نشرها على نطاق واسع، مما أدى إلى فضح كثير من الممارسات اللا إنسانية. وهو ما أمكن مشاهدته من خلال الصور المسربة عن ممارسات التعذيب في سجن "أبو غريب" التي أحدثت ضجة عالمية.

3. حرية التعبير الإلكتروني: لقد توسعت استعمالات الإتصال الإلكتروني، وساهمت في فتح نافذة جديدة ومهمّة على حرية التعبير، من خلال الشبكة العنكبوتية. والتي تتضمن خدمات متعددة، مثل المدونات ومواقع "يو توب" (you tube)... وهو ما ساهم في التخلص من رقابة الدولة، ونشر صور مختلف الأحداث، التي تمنع أجهزة الأمن الرسمية، نشرها وتداولها.

واقع حرية التعبير في الوطن العربي:
يعرف الوطن العربي تضييقا على حرية التعبير، وما زاد من قوة الضغوط، تبني سياسة محاربة الإرهاب، مما أدى إيجاد قوانين جديدة تسمح بالتضييق والمتابعة، خاصة أن جل الدول العربية تفرض حالة الطوارئ دون أسباب منطقية، وهو ما ساعد على تضييق مجالات التعبير ووضع مزيدا من العوائق أمام حق التجمع والإحتجاج.

مع ذلك، يمكن القول أن العالم العربي عرف تطوّرا من حيث حرية التعبير في السنوات الأخيرة، رغما عن إرادة السلطات الرسمية العربية. تمّ ذلك لعدّة أسباب منها توسع التربية وانتشار الوعي، وتوفر وتنوع وتعدد وسائل الإعلام والإتصال.

وهكذا تعدّدت قنوات البث الإذاعي في الوطن العربي، وأصبحت تنشر الأخبار المحلية، وتعددت الصحف والمجلات، وتنوعت اتجاهاتها السياسية. كما تنوعت وتعددت القنوات التلفزيونية، بما في ذلك القنوات الفضائية، حيث عرف بعضها نجاحات كبيرة وكسبت مصداقية على المستويين العربي والدولي.

وقد أدى ظهور وسائل إعلام حرة، مستقلة عن تمويل الدولة وإشرافها، وتوسع الإعلام العربي، وكسبه لشرائح واسعة من المشاهدين والمتتبعين والقراء، إلى الرفع من مستوى حرية التعبير في الوطن العربي، ولو نسبيا.

كما أن ظهور الشبكة العنكبوتية والصحافة الإلكترونية والمدونات، أدّت إلى توسّع حرية التعبير، وتوفر وتنوع أساليبه، وهي جوانب إيجابية في صالح حرية التعبير بالوطن العربي.

مع ذلك يبقى المواطن العربي يعاني من كثير من الضغوط، وهو ما نشاهده من خلال مضايقات رجال الإعلام، ومنع الإعتصامات والمسيرات والإحتجاجات والإضرابات، إلا ما تسمح به السلطات السياسية، أو النشاطات التي تخدم أهدافها.

لهذا لا بد من فتح وسائل ومجالات التعبير إلى المواطنين، والعمل على فتح فضاءات خاصة للتعبير الحرّ، ولنا مثل ما نشاهده في الدول المتقدمة، كما هو الحل في مدينة لندن البريطانية، إذ نجد منتزه "هايد بارك" (Hyde park)، حيث الفرصة متاحة لكل من يريد أن يفصح عن آرائه وأفكاره وعن معارضته للسياسة الحكومة أن يعبر عن انشغالاته السياسية، استغلال هذا الفضاء بكامل الحرية.

وهي طريقة لا تنقص من هبة الدولة وسلطتها، بل تزيدها مكانة وسطوة، وهي ممارسات نفتقدها في الدول العربية.
إن حرية التعبير عند المواطنين والإفصاح عن انشغالاتهم، هي إحدى دعائم الديمقراطية، وأنه لا يمكن بناء ديمقراطية سليمة في ظل ممارسة ضغوط على المواطنين، وتكميم أفواههم، ومضايقتهم والتجسس عليهم، واعتقالهم أو محاكمتهم بسبب آرائهم التي قد لا ترضي السلطات الرسمية.

إن تكميم الأفواه تؤدي إلى عدم رضا المواطنين، وقد يضطرون للإلتجاء إلى أساليب تتسم بالمواجهة والعنف ضد مصالح الدولة. وهو ما يمكن تجنبه بقدر من الحكمة واعتماد الحوار والديمقراطية، ومنح مجال أوسع لحرية التعبير، وهو ما نحن في أشدّ الحاجة إليه.
"القدس العربي"