تدويل القضية الفلسطينية هو الحل../ هاني المصري

تشهد المنطقة محاولات وزيارات محمومة مكثفة من أجل الانتقال من المفاوضات غير المباشرة الى المفاوضات المباشرة دون أن تشهد الأولى أي تقدم يذكر في ظل استمرار تعنت الحكومة الإسرائيلية وتعطيلها لكافة الجهود والمبادرات الرامية للتوصل لاتفاقية سلام.

تقود الإدارة الأميركية الضغوط على القيادة الفلسطينية لإقناعها بالموافقة على استئناف المفاوضات المباشرة متذرعة بأن الحكومة الإسرائيلية ترفض البحث في قضايا الوضع النهائي قبل الدخول في المفاوضات المباشرة.

الإدارة الأميركية تحاول التغطية على فشلها بإقناع حكومة نتنياهو بالموافقة على وقف الإستيطان خصوصاً في القدس، وعلى مرجعية واضحة ومحددة لعمليه السلام، أو حتى على الموافقة على استئناف المفاوضات القادمة من النقطة التي انتهت اليها المفاوضات السابقة.

فبدلاً من أن تستنتج إدارة اوباما وأطراف اللجنة الرباعية الدولية والمجتمع الدولي من التعنت الإسرائيلي ضرورة الضغط الجدي على إسرائيل لأنها معادية للسلام وتفعل كل ما تستطيع لزيادة حدة التوتر واحتمالات المواجهة والحرب في المنطقة، يقومون بالضغط على الضحية على أساس أن تجرب للمرة المليون ملاحقة الكذاب لباب الدار.

إن إقدام القيادة الفلسطينية على استئناف المفاوضات بدون تلبية شروط الحد الأدنى لإطلاق مفاوضات جادة يعتبر كالإقدام على انتحار سياسي.

فالعودة الى دوامة المفاوضات العبثية يعني إضاعة الوقت وكسبا صافيا لإسرائيل التي ستستخدم المفاوضات، كما فعلت سابقاً، كغطاء لما تقوم به من فرض حقائق احتلالية على الأرض تجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد والممكن عملياً.

كما أن استئناف المفاوضات، بدون وقف الاستيطان ولا تحديد مرجعية واضحة لها تستند الى إنهاء الاحتلال والقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، يؤدي الى تحييد العالم وابعاده عن المشاركة وجعل إسرائيل تستفرد بالفلسطينيين، وقادرة على قطع الطريق على كافة الخيارات والبدائل الفلسطينية والعربية والدولية، الامر الذي سيضع الفلسطينيين عاجلا أم آجلا أمام قبول أو على الأقل التعايش مع الأمر الواقع الذي يصنعه الاحتلال يوميا على الأرض.

إن البديل عن استمرار المفاوضات غير المباشرة التي لم تحقق شيئا وأضرت كثيراً، وعن استئناف المفاوضات المباشرة، موجود وممكن وقابل للتطبيق إذا توفرت الإرادة الفلسطينية اولاً ثم العرببة والدولية ثانياً.

فأمام وصول عملية السلام والمفاوضات بكل أشكالها الى طريق مسدود لا يمكن ان يكون الحل بالاستمرار بتجريب المجرب، وإنما حان الوقت لإعادة طرح القضية الفلسطينية على المؤسسات الدولية، على أن يكون ذلك ليس مجرد ردة فعل ولا تكتيكاً لتحسين جزئي للمفاوضات، وأنما كجزء من استراتيجية متكاملة جديدة تراهن أولا وأساساً على الشعب الفلسطيني وعلى كفاحيته وتصميمه على انتزاع حقوقه مهما غلت التضحيات وطال الزمن، بالاستناد الى عدالة القضية الفلسطينية وتفوقها الاخلاقي، وعلى أن الشرعية الدولية الممثلة بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة تتضمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، وعلى ان إسرائيل أصبحت تظهر أكثر وأكثر امام الرأي العام الدولي، وأمام قطاعات رسمية دولية متزايدة باعتبارها خطرا على الأمن والسلام الدوليين، وعلى المصالح الحيوية والأمنية والاستراتيجية للولايات المتحدة الاميركية وجميع الدول الكبرى المشاركة في صنع القرار الدولي.

إن هناك من يستخف بتدويل القضية الفلسطينية ويقول إن الفيتو الأميركي سيكون بالمرصاد لأية محاولة لطرح القضية على مجلس الأمن، ولذلك يدعو هؤلاء الى الاستمرار بطريق المفاوضات على أساس أنه على الأقل يحسن شروط الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، ويمكن أن يقود في فترة لاحقة الى حل. فشيء أفضل من لا شيء.

رداً على هذا الرأي نقول إن مصير القضية الفلسطينية إذا استمرت القيادة الفلسطينية باعتماد طريق المفاوضات كخيار وحيد بات واضحا وهو التصفية سواء بالجملة أو بالمفرق، بحل انتقالي جديد أو حل استسلامي نهائي، بالتوقيع على حل أو بالتعايش مع الأمر الواقع الذي يخلقه الاحتلال.

أما تدويل القضية فهو يمكن أولاً أن يوحد ويستنفر جهود الفلسطينيين جميعاً، وسيكون ثانياً قادراً على جذب أقصى دعم عربي ودولي ممكن. واذا استخدمت الإدارة الأميركية الفيتو في مجلس الأمن لمنع صدور قرار يلزم اسرائيل بالانسحاب وتحقيق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، كما هو متوقع يمكن اللجوء الى الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت بند "الاتحاد من اجل السلام"، الذي يسمح بصدور قرار ملزم من الجمعية العامة إذا عجز مجلس الامن عن تقديم حل لقضية لها أسباب قانونية كافية وتشكل تهديدا للأمن والسلام الدوليين.

إن اللجوء الى تدويل القضية الفلسطينية مفترض أن يكون جزءا من استراتيجية جديدة تعطي الأولوية لإنهاء الانقسام الفلسطيني وتوحيد الشعب الفلسطيني على أساس شراكة سياسية حقيقية وإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني، وتركز على توفير مقومات وشروط صمود الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال ودعم مقاومته المثمرة للاحتلال بكافة الأشكال، وعلى وضع السلطة الفلسطينية في خدمة البرنامج الوطني الفلسطيني وكأداة من أدوات منظمة التحرير، التي من المفترض إعادة تشكيلها من جديد بحيث تكون ممثلة قولاً وفعلاً لجميع الفلسطينيين في جميع أماكن تواجدهم داخل الوطن المحتل وخارجه!!..