التعديل الوزاري قادم أم مؤجل؟../ هاني المصري

يتم التداول منذ عدة أشهر في مسألة إجراء تعديل وزاري آخر على حكومة سلام فياض.

وصدرت تأكيدات حول هذه المسألة على لسان الرئيس ورئيس الحكومة ومصادر متعددة سياسية وإعلامية، ومع ذلك يتم تأجيل إجراء التعديل مرة وراء مرة، ويمكن أن لا يتم التعديل أصلاً، فماذا وراء التأجيل؟

في العادة يطفو على السطح موضوع التعديل الحكومي عشية وغداة عقد اجتماعات قيادية فتحاوية، خاصة عند عقد اجتماعات المجلس الثوري.

فلا يخفى على أحد، أن فتح تطالب بتعديل الحكومة تعديلا واسعاً، بحيث تزيد من نسبة تمثيلها في الحكومة خصوصاً في الوزارات التي تسمى سيادية.

وهناك أسباب وأهداف مختلفة لمطالبة "فتح" بالتعديل الوزاري، منها أسباب فردية تتعلق بطموح أشخاص فتحاويين لدخول "الجنة" الحكومية، ومنها أسباب موضوعية تتعلق بدور "فتح" وبالحكومة ورئيسها، وبرنامجها السياسي، والحد من الدور المستقل نسبياً الذي أخذت تلعبه الحكومة، خصوصا بعد طرح خطة بناء مؤسسات إقامة الدولة الفلسطينية في شهر آب من العام الماضي.

كما أن رئيس الحكومة بات منفتحاً على إجراء التعديل لأنه بحاجة الى تقوية الحكومة، ولأن هناك وزراء لم يثبتوا جدارتهم أو عليهم ملاحظات جدية حول أدائهم وسلوكهم ومدى قدرتهم على تلبية المطلوب من الوزارات التي يقفون على رأسها.

هناك من يقول إن ما أخر التعديل الحكومي التحركات التي شهدها ملف المصالحة الوطنية. فإذا كانت المصالحة الوطنية قريبة فلا داعي للتعديل لأن المطلوب حينها تشكيل حكومة وفاق وطني انتقالية أو بعد الانتخابات التي من المفترض أن تعقد بعد توقيع اتفاق المصالحة بعدة أشهر.

لكن الحقيقة المرة التي يعرفها كل من يريد أن يعرف هي أن المصالحة لم تنضج شروط تحققها حتى الآن، لا فلسطينياً ولا عربياً ولا إقليمياً ولا دولياً، ولا إسرائيلياً. فإسرائيل لا تريد المساهمة بإنهاء الانقسام، بل تعمل على تعميقه كونه يقدم لها مزايا هائلة لا تقدر بثمن، والموقف الإسرائيلي يرمي بظلاله السوداء على الموقف الدولي بأسره.

فالمصالحة المؤجلة، ليست السبب وراء تأخير التعديل الحكومي، وإنما الذي يحول دون إتمام التعديل، هو عدم الاتفاق الفتحاوي الداخلي على حجم التعديل وأبعاده، ومن يشمل من الوزراء ومن يحل محل الوزراء الذين سيتم الاستغناء عنهم، ومشاركة أعضاء اللجنة المركزية بالحكومة أو عدم مشاركتهم.

أما السبب الجوهري الأكثر أهمية الذي يمكن أن يفسر تأجيل التعديل الحكومي هو أن الرئيس، وليس أوساطاً فتحاوية فقط، أصبح يميل الى أن يتم شغل حقيبة المالية من قبل شخصية فتحاوية أو شخصية مهنية مستقلة، وهذا هو التطور الملموس الذي يدل على ظهور تراجع في درجة الانسجام ما بين الرئيس ورئيس الحكومة.

فهناك عدة مؤشرات تلاحقت مؤخراً، تدل على أن هناك فتورا في علاقات الرئيس مع رئيس حكومته، منها ما صرح به الرئيس أثناء خطابه أمام اجتماع المجلس الثوري لحركة فتح قبل الأخير، بأن الأمور السياسية ليست من اختصاص الحكومة أو أي شخص فيها وإنما هي من اختصاص منظمة التحرير الفلسطينية.

كذلك فإن ما صرح به الرئيس أثناء ترؤسه لأحد اجتماعات الحكومة بأنه "ضد أي قرار منفرد في طرح المسألة الفلسطينية على مستوى المؤسسات الدولية أو في إعلان الدولة من طرف واحد" فسر بأنه يعكس قدراً من الاختلاف مع خطة الحكومة ودورها السياسي أو ما نسب لرئيس الحكومة من تصريحات بأن مؤسسات الدولة ستقوم شاء من شاء وأبى من أبى، كما أن إلغاء كلمة رئيس الحكومة في مؤتمر الاستثمار لأسباب غير معروفة تصب في هذا الاتجاه.

أما القشة التي قصمت ظهر البعير فتمثلت في إعلان الرئيس أثناء عودته من زيارته الأخيرة لواشنطن عن عزمه لتشكيل حكومة من المستقلين أو التكنوقراط وما تسرب بأنه يفكر بتكليف شخصية أخرى برئاستها، اعتبر العلامة الأكبر على بداية تحسس رئاسي من الدور السياسي المتزايد الذي يلعبه رئيس الحكومة، وهذا كله بدأ يظهر بعد كيل المديح من الرئيس الأميركي اوباما لرئيس الحكومة سلام فياض، كلما كان يشيد بدور الرئيس أثناء لقائهما الأخير في البيت الأبيض.

يمكن أن لا يتم أو يتم التعديل الحكومي لكنه إذا تم، سيكون محدوداً يشمل ست وزارات ووزراء، إضافة الى تبديل حقائب وزراء، وإذا شمل التعديل وزارتي المالية والخارجية إضافة الى التخطيط والزراعة والعدل والسياحة والتربية و التعليم، كما يجري التداول، سيكون تعديلاً مهماً يؤسس لمرحلة جديدة في علاقات الرئيس وحركة فتح مع الحكومة ورئيسها.

فهي مرحلة اذا بدأت فعلاً سيكون عنوانها مشاركة "فتح" بقوة في الحكومة بعد أن كانت ممثلة بحكومة يقودها سلام فياض.

إن الكيفية التي تم من خلالها اتخاذ قرار تأجيل الانتخابات المحلية، وما سببه هذا القرار من ضرر لمصداقية الحكومة التي ترفع لواء بناء المؤسسات والاحتكام للشعب، يدل على أن الحكومة بدون فتح لا شيء كما أن "فتح" بحاجة الى سلام فياض رئيساً للحكومة، خاصة بعد أن اثبت فعالية في عمله اضافة الى ما يحظى به من دعم دولي.

أن أي تعديل في الحكومة لن يغير كثيراً الصورة الفلسطينية العامة، في ظل استمرار الانقسام، واستمرار تعنت الحكومة الإسرائيلية وإفشالها لجميع الجهود والمبادرات الفلسطينية والعربية والدولية الرامية لصنع السلام، ما يطرح ضرورة التفكير بخطوات أبعد بكثير من مجرد تعديل الحكومة.

فالمطلوب إجراء مراجعة شاملة وجريئة للمسيرة السابقة واستخلاص الدروس والعبر مما انتهت إليه من كوارث، خصوصاً بعد الانقسام السياسي والجغرافي المدمر، ووصول المفاوضات الى طريق مسدود، ووصول المخططات الإسرائيلية التوسعية والاستيطانية والعنصرية الى مرحلة خطيرة خصوصا في القدس التي تجري محاولات إسرائيلية محمومة لاستكمال تهويدها واسرلتها قبل تبلور إرادة دولية تضغط من اجل حل الصراع في المنطقة. فإسرائيل تريد خلق أمر واقع احتلالي يفرض نفسه على أي حل قادم.

فماذا نحن فاعلون؟ وكيف يمكن بلورة سياسة قادرة على التصدي للاحتلال ودحره وانجاز الحرية والعودة والاستقلال، بدون انهاء الانقسام وإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني على أساس شراكة حقيقية..؟