سرطنة العراق../ سمير سعيد


بعد المجازر الجماعية التي ارتكبها الاحتلال الأمريكي في مدينة الفلوجة العراقية، واستخدام أسلحة بيولوجية وكيماوية محرمة دولياً بدأت الأنظار تتجه إلى هذه المدينة المنكوبة للوقوف على حجم الكارثة التي ألمت بها، ليكتشف العالم أن ما حدث من جرائم يفوق التصور والوصف.

وحتى الآن ما زال عدد من مراكز الأبحاث والجامعات العراقية والأمريكية والأوروبية يقوم بدراسات وأبحاث تكشف عن هول ما خلفته أسلحة الدمار التي استخدمها الاحتلال في الفلوجة.

آخر هذه الدراسات دراسة طبية قام بها فريق من جامعة ليستر البريطانية، وكشفت نتائجها أن معدل وفيات الرضع وإصابة أهالي الفلوجة بالسرطان بعد القصف الأمريكي للمدينة عام 2004 يفوق ما سجل بين سكان مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين اللتين ألقيت عليهما قنابل ذرية في الحرب العالمية الثانية عام 1945، وارتفاع بنسبة عشرة أضعاف في سرطان الثدي للإناث، وزيادات كبيرة في أورام الدماغ لدى البالغين، بالإضافة إلى تغير طبيعة المواليد وزيادة نسبة الإناث إلى الذكور بشكل غير طبيعي.

وقد تزامن الكشف عن هذه الدراسة مع ما صرح به خبراء عراقيون أنه يستحيل أن يولد إنسان متكامل الصفات في العراق حتى بعد ثلاثة أجيال، أي بعد قرن كامل، بسبب تأثيرات إشعاعات اليورانيوم المخصب الذي خلفته حربا 1991 و2003، بينما أكد سكوت ديفيز رئيس قسم الوبائيات في جامعة واشنطن أن الكارثة الناتجة عن الغزو وما استخدمه الاحتلال من أسلحة محرمة دولياً هو أكبر بكثير مما كُشِفَ عنه، وأن اغلب الدراسات الجديدة اعتمدت على أرقام تقريبية خشية من إثارة الهلع بين العراقيين.

وعلى هذه الخلفية اعترف الأمريكيون بأنهم استخدموا قنابل الفوسفور الأبيض في عدوانهم على الفلوجة، فيما قال العميد نايجل آيلوين فوستر قائد القوات البريطانية الذي عمل مع القوات الأمريكية في بغداد آنذاك إن واشنطن “لم تفكر بالضرر المستقبلي من استخدام مثل هذه الأسلحة المدمرة في قصف الفلوجة”.

إذن، هناك جريمة وأدلة وهناك اعترافات من الاحتلال، وإن كانت جزئية، ما يتطلب تدويل هذا الملف الذي أصبح مادة دسمة على موائد الصحف الأمريكية والأوروبية، حتى يتسنى محاكمة مجرمي الحرب على العراق وأولهم جورج بوش.

ويبقى موقف ساسة العراق الجديد من هذا الملف يلفه الكثير من علامات الاستفهام، حيث ما زالت السلطات هناك تتستر على الأوضاع الصحية المتردية، لتعلن على الملأ عبر تلفزيونها الرسمي أنها ستعتقل كل من يدلي بمعلومات حول الإصابات بأمراض السرطان والتشوه الخلقي، مسوغة ذلك بأن المعلومات تخدم “المسلحين” و”الإرهابيين”، ليجد أهالي الفلوجة وبقية العراقيين أنهم أصبحوا محاطين بسرطانات من نوع آخر أشد خبثاً، حتى أصبح “العراق الجديد” أرضاً خصبة للسرطان بأنواعه كافة، وكلها تحتاج لاستئصال عاجل.
"الخليج"