المفاوضات المباشرة في لحظة تخل../ كلوفيس مقصود

في لحظة تخلٍ منحت اللجنة الوزارية العربية لمتابعة “مبادرة السلام العربية” الرئيس محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية تفويضاً، أو كما يقال تغطية للذهاب إلى المفاوضات المباشرة مع “إسرائيل”، كما تركت اللجنة للرئيس عباس اختيار التوقيت.

هذا القرار الذي اتخذته لجنة المبادرة يوم 29 يوليو/تموز لحظة تخلٍ كونه أصبحت له نتائج منقوصة من شأنها عدم تلبية الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني التي صارت موكولة حصراً بسلطة فلسطينية هي بدورها محاصرة ومقيّدة الحركة.

وبرغم أن الرئيس حسني مبارك طلب، كما أوردت “معاريف” من واشنطن، إجراء حفل تدشين المفاوضات المباشرة في القاهرة، فهذا إذا كان صحيحاً وأرجو ألا يكون يدل على أن التوجه نحو التطبيع يصبح بدوره مشرعاً لمن يسعى إلى هذه السياسة من دون أية ضمانات توفر قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس مع اعتراف بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، إضافة إلى سيادة الدولة الفلسطينية مكتملة على الأرض والمياه الإقليمية والأجواء، لا كما تم تعريفها من قبل نتنياهو كونها منقوصة السيادة بشكل يجعلها مقيدة، ما يجعل الاستقلال والسيادة مفرغين من أي معنى وأي جدوى وأية حقوق بديهية لممارستها.

المفهوم “الاسرائيلي” لدولة فلسطينية معروف وواضح وهو جعل “الدولة” خاضعة لشروط الأمن “الإسرائيلي” كما تم تعريفها من قبل الكيان، لذلك، كان الغطاء العربي بمثابة ترجمة لـ“استقلالية” القرار الفلسطيني الذي اعتمد في قرار قمة الرباط عندما اعترفت بكون منظمة التحرير موكولاً لها حق استقلالية قرارها، ما أدى إلى تخل عن كون القضية الفلسطينية مسؤولية قومية مباشرة للأمة العربية، هذا بدوره جعل “واقعية” الصلح مع “إسرائيل” ناتجة عن “استقلالية” القرار الذي اتخذه الرئيس الراحل أنور السادات، وكذلك معاهدة الصلح التي تم التوقيع عليها في وادي عربة بين الأردن و”إسرائيل”.. هذا كله يفسر المعاني التي انطوى عليها شعارا “الاردن أولاً” و”مصر أولاً”، ما مهد لزرع بذور التفكيك في النظام العربي القائم، فعندما يقول الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي يمثل ما هو موجود من قومية - أو عروبة - الالتزام، “دعونا نكون واضحين. أعطينا الضوء الأخضر للرئيس محمود عباس لدخول مفاوضات مباشرة مع “الإسرائيليين” تركنا له الوقت المناسب، وعندما يرى أن الأجواء تهيأت لهذه المفاوضات، وحتى لا تكون لحظة التخلي حالة مستمرة سلموا رسالة تتضمن تأييداً للدور الأمريكي الفعال على رغم عدم وجود نتائج الآن”، يا ترى ماذا يعني “الدور الأمريكي الفعال؟” في الماضي القريب طلب الرئيس أوباما من “إسرائيل” تجميد المستوطنات واعتبر الواقعيون العرب، ومنهم السلطة الفلسطينية، أن هذه بادرة إيجابية برغم حصرها بعشرة أشهر.. هل إذا أصر الرئيس أوباما وطلب من نتنياهو في سبتمبر/أيلول المقبل تمديد تجميد الاستيطان، سوف يقبل نتنياهو؟ لقد قال نتنياهو بوضوح، كأنه يستبق أي احتمال في هذا الشأن لوزير خارجية إسبانيا موراتينوس، كما نقلت جريدة “هآرتس”، إن استمرار تعليق البناء في المستوطنات بعد 26 سبتمبر/أيلول المقبل هو “أمر مستحيل من الناحية السياسية الداخلية وسيؤدي إلى تفكيك الحكومة”، وأضافت “هآرتس” أن نتيناهو أبدى استعداده لبدء مفاوضات مباشرة مع السلطة الفلسطينية في الأيام المقبلة، معتبراً أن “من الممكن التوصل إلى اتفاق سلام بين الجانبين في مستقبل قريب بفضل مفاوضات مباشرة”.

يبدو أن نتنياهو أقنع الرئيس أوباما بتسريع تجاوز المحادثات غير المباشرة بحيث إن اللوبي “الإسرائيلي” في الكونغرس تمكن من دفع أوباما إلى عدم الاستمرار في الضغط على نتنياهو، وبالتالي الدخول فوراً في “المفاوضات المباشرة”، مما يُفَسر بدوره ضمن الضغوط التي مارسها الرئيس الأمريكي على حكومات عربية “معتدلة”، وخاصة على السلطة الوطنية التي بدورها تندرج في خانة “الاعتدال”.

هنا نجد أن الأمين العام للجامعة العربية أوضح سبب موافقة العرب على الذهاب إلى “المفاوضات المباشرة” قائلاً: إن “هناك توجهاً دولياً يتساءل: لماذا لا يتم الذهاب إلى مفاوضات مباشرة؟ لهذا حاول نتنياهو من خلال دعوته للمفاوضات المباشرة إحراز هدف في الملعب العربي، لكن الجانب العربي من خلال موافقته على الذهاب إليها أعاد الكرة إلى وسط الملعب”.

يا سيدي، يا صديقي، عن أي ملعب تتحدث وعن أية طابة؟ في زيارته الأخيرة لواشنطن أقنع نتنياهو البيت الأبيض بأنه مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس ولعدد من الولايات الأمريكية، فإن إزالة الضغوط عليه في ما يتعلق بإبقاء المراوحة في إطار المحادثات غير المباشرة من شأنه تعريض حكومته إلى تفكيك يؤول إلى أزمة داخلية سياسية في “إسرائيل”، كما كرر هذه المقولة لممثلي الاتحاد الأوروبي، وهذا ما يفسر الإلحاح بالضغط على استعجال المفاوضات المباشرة.

لذا، الأولوية بالنسبة لكل من أوباما ونتنياهو هي شراء الوقت من خلال أي محادثات مباشرة تحصل وتبقى السلطة الفلسطينية في واجهة “التفاوض” ضعيفة، عاجزة عن تمثيل الكل الفلسطيني، وبالتالي يستطيع نتنياهو أن يرسخ الانقسام من خلال نقل بعض السلطات المحلية إلى السلطة، وبعض الإغراءات والتسهيلات الاقتصادية كي تكون الفروق أكثر حدة وشراسة بين الضفة وقطاع غزة، وأن تستمر عملية تهويد القدس من خلال تأكيد كون القدس “عاصمة أبدية” لـ“إسرائيل”، لأنها كانت “عاصمة أزلية”. أما تجميد آخر للاستيطان فمستبعد، وإن حصل كإرضاء رمزي لأوباما بهدف تسويقه للسلطة و”للاعتدال” العربي، فهذا لن يكون منطوياً على احتمال تفكيك المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولتأكيد عدم احتمال وجود سيادي لفلسطين في القدس الشرقية.. فالقدس، كما أكد نتنياهو، “ليست مستوطنة”، لذا فإن هذه المعوقات وغياب قوة عربية وسياسة عربية واحدة ضاغطة في الولايات المتحدة، إضافة إلى رجحان مطلق لأولوية مطلقة لعلاقات ثنائية بين الدول العربية والولايات المتحدة، تعني أنه ليس هناك ملعب، وبالتالي طابة.

والأنكى أن “إسرائيل” تقول إنها “ترفض ما وصفته بالشروط التي طلبت السلطة الفلسطينية تحقيقها في ما يخص الأمن والحدود والمستوطنات”.. شروط؟ هل يريد نتنياهو أن يستأثر بالاستمرار بفرض وقائع على الأرض وعدم الاعتراف بشكل قاطع بأن “إسرائيل” في الأراضي المحتلة، كما يتم تعريفها من قبل المجتمع الدولي؟ هل إن على السلطة الفلسطينية أن تعتبر عملية التفاوض وسيلة اكتشاف إذا كان لها حقوق في فلسطين، وعلى أرضها وعلى مياهها وعلى تقرير مصيرها؟ أليس مرد ذلك الغموض والالتباس في اتفاقيات أوسلو وبالتالي إخفاقاتها المتواصلة في تأمين أي من حقوق الشعب الفلسطيني؟

يتساءل المواطنون العرب: لماذا لم توفر لجنة المتابعة العربية لنفسها المعلومات والوثائق والسياسات، وخلفيات التطورات التي آلت إلى شراسة الضغوط التي مورست على دول عربية وعلى السلطة الفلسطينية؟ أحد الأسباب الرئيسية أن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية لم تنتقل بما فيه الكفاية من كونها جامعة حكومات أكثر مما هي جامعة دول. فالدول تشمل حكومات ومجتمعات، ولو كانت الأمانة العامة استوعبت شمولية صلاحياتها القومية، لكانت استعانت بآراء ودراسات ومتابعات وأبحاث العديد من نشطاء الشعب الفلسطيني ومفكريه في الفترات بين اجتماعات لجنة المتابعة، بينما كان يمكن للأمين العام أن يوفر موقعاً توجيهياً، مستوعباً المعرفة المضافة النافذة إلى بعض الجماهير، هذا النبض الذي كثيراً ما يجد نفسه مغيباً عند اتخاذ القرارات المصيرية، والذي لا يزال بشوقه ووجدانه يشكل الحاضنة للوعي القومي العربي، والذي بدوره يبقى قَيماً على عروبة الأمة العربية، رغم التنامي المرحلي لما تختبره الأمة من تفكك في أقطارها وتفتيت داخل مكوناتها. فالشعوب العربية في تداخلها المتواصل وتلقائية وحدة مشاعرها وتطلعاتها، كثيراً ما تجد نفسها بحالة اغتراب عما هو حاصل.

كما أن مشاركة صناع الرأي في التشاور وناشطي المجتمعات المدنية في بلورة قرارات مصيرية من شأنها مثلاً أن تحول دون الأخذ بتطمينات متسرعة. لقد صرح وزير خارجية مصر أحمد أبو الغيط فور انتهاء اجتماع لجنة المتابعة “أعتقد أن الخلاصة التي توصلت إليها لجنة المتابعة سوف تكون لها نتائج طيبة للغاية”؟ لماذا مثل هذه التوقعات المطمئنة التي تعبر عن احتمالات تشير كل الأدلة إلى أنها غير واردة، وبالتالي إذا لم تتم يكون الإحباط أكثر إيلاماً، كأنه يعوزنا المزيد منه، ما يشعرنا بأن هذا نموذج لما يجب اجتنابه.

الأهم في هذا الشأن التذكير أن قطاع غزة مكون رئيسي لشعب فلسطين، كما أنه تحمّل قسطاً كبيراً من العذاب والمعاناة وبالتالي، كان على لجنة المتابعة أن تكون هي مرجعية عودة الوحدة إلى مرجعية فلسطينية قادرة على التفاوض من دون إسقاط خيار المقاومة، بمعنى أن التفاوض بدوره إحدى وسائل المقاومة، فلا تتحول، كما يبدو واضحاً الآن، إلى معادلة: “المفاوضات هي بديل إن لم تكن نقيض المقاومة”.
"الخليج"