إنهاء الاحتلال وليست قضية مفاوضات أم لا مفاوضات../ هااني المصري

نجح بنيامين نتنياهو، بعد تراجع إدارة باراك اوباما عن وعودها ومواقفها التي أعلنت عنها غداة استلامها سدة الحكم، في تسليط الأنظار على عقد المفاوضات المباشرة، وحرف الأنظار عما تقوم به الحكومة الإسرائيلية من عدوان وتهويد وأسرلة للقدس وتوسيع الاستيطان واستكمال جدار الضم والتوسع وفرض المعازل في الضفة والحصار الخانق على قطاع غزة، وعما جسدته من تعنت سياسي أدى الى إفشال جميع الجهود والمبادرات العربية والدولية الرامية الى إطلاق عملية سلام جادة، ما أدى الى إفشال المفاوضات غير المباشرة، وجعلها تدور في حلقة مفرغة، ما يعني أن المفاوضات المباشرة إذا بدأت بدون مرجعية واضحة وملزمة تستند الى هدف إنهاء الاحتلال والقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، والى جدول زمني قصير ودور دولي فاعل، فإنها لن تكون أكثر من مفاوضات من اجل المفاوضات، مفاوضات وفقا للشروط الإسرائيلية، مفاوضات تضع فيها حكومة نتنياهو كل أنواع الشروط والضغوط وهي تطالب بمفاوضات بدون شروط مسبقة!!

المطلوب الآن فلسطينياً إعادة الأمور الى نصابها، الى حقيقة الصراع بوصفه صراعاً يتعلق بالاحتلال والعدالة والحقوق، وليس بشكل المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة.

وحتى يتحقق هذا الهدف، المطلوب اتخاذ موقف فلسطيني متماسك ودعمه عربياً، يجعل الفلسطينيين خارج إمكانية الاستجابة للضغوط والتهديدات التي تمارسها الإدارة الأميركية وأوروبا والأمم المتحدة، وربما بعض الأطراف العربية.

ولا ينفع هنا الحديث أن الوضع الفلسطيني ضعيف ويعاني من الانقسام ولا يملك خيارات و بدائل ولا يستطيع أن يواجه الموقف الدولي الذي يطالبه بالدخول للمفاوضات المباشرة، وأن ما يقدر عليه هو ليس أكثر من محاولة لتحسين شروط الدخول في هذه المفاوضات، من خلال السعي للحصول على ضمانات أميركية ودولية حول المرجعية ووقف الاستيطان والجدول الزمني، واتخاذ موقف ينصر الفلسطينيين في حال فشلت المفاوضات المباشرة، كما فشلت المفاوضات غير المباشرة.

إن المفاوضات المباشرة إذا جرت وفقاً للشروط الإسرائيلية، تشكل انتحاراً سياسياً بكل معنى الكلمة، لأنها ستجري في ظل معرفة أن الموقف الإسرائيلي متعنت ومفضوح دولياً، وفي ظل التسارع المحموم في تنفيذ المخططات التوسعية الاستيطانية والعنصرية الإسرائيلية الرامية الى خلق أمر واقع احتلالي يجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد الممكن والمطروح عملياً، ما يقطع الطريق على أية مبادرات أو حلول أخرى ستكون لا بد منها، إذا استمر الفراغ والجمود الذي يخيم على المنطقة في ظل عدم إحياء عملية السلام وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من تداعيات خطيرة على المنطقة وربما على العالم كله.

المفاوضات المباشرة وفقاً للشروط الإسرائيلية تعني استعداداً ضمنياً لقبول الحلول التصفوية للقضية الفلسطينية والتي يقف على رأسها حل الدولة ذات الحدود المؤقتة.

لا شيء أسوأ وأخطر وأكثر ضرراً من الإقدام على انتحار سياسي، ولا شيء أسوأ واخطر وأكثر ضرراً من مقايضة الحقوق والعدالة بالسلطة ودعم السلطة والشرعية التي حصلت عليها. فالسلطة وجدت لخدمة القضية، ويجب أن تبقى لخدمتها مهما كانت الظروف والضغوط والتهديدات.

إن موقف اللا موقف (لعم) لا ينفع لتحشيد موقف فلسطيني وعربي ودولي وإنما يشجع أصحاب الضغوط الخارجية على زيادة ضغوطهم حتى توافق القيادة الفلسطينية على الدخول في المفاوضات المباشرة.

فإذا كانت القيادة الفلسطينية ولجنة المتابعة العربية، متمسكتين فعلا بمتطلبات وأجواء الدخول بمفاوضات مباشرة هي المرجعية ووقف الاستيطان والجداول الزمنية، فهذا يعني أن المفاوضات المباشرة لن تبدأ، لأن إسرائيل أعلنت ومارست بأن الطلبات (التي تعتبرها شروطاً) يستحيل القبول بها. أما إذا كان الحديث عن المتطلبات والأجواء لذر الرماد في العيون، فهذا شيء آخر يتطلب معالجة مختلفة.

في هذا السياق لا تنفع الموافقة على عقد اجتماعات ثلاثية تمهيدية والدخول في المفاوضات المباشرة والاستمرار بالمطالبة بمتطلبات نجاحها، لأن هذا يعني تردداً وجمعاً بين موقفين متناقضين، ما سيؤدي الى تشديد الضغوط، كما يعني تخفيضاً كبيراً بسقف الموقف الفلسطيني والعربي، مقابل مجرد الحفاظ على دعم السلطة أو أن يطالب بوقف الاستيطان أو بمرجعية، فإذا دخلت القيادة إلى القفص وهي تعرف ما هي قواعد اللعبة لا تستطيع أن ترفض بعد ذلك.

فمن يبدأ المفاوضات المباشرة وفقا للشروط الإسرائيلية لا يستطيع أن يغير المعادلة بعد أن يقع الفأس في الرأس.
يكفي أن نعرف ماذا ستقدم حكومة نتنياهو إذا وافقت القيادة على الدخول الى المفاوضات المباشرة لندرك كم أن ثمن التنازلات الفلسطينية والعربية أصبح بخساً، فالحكومة الإسرائيلية ستوسع صلاحيات السلطة وسيطرتها على بعض المناطق الإضافية، وستقلل من تدخل...قواتها في مناطق (أ) وستجعل القرار بهذا الشأن بيد ضابط برتبة جنرال وليس بدرجة أقل، كما ستتعهد بإطلاق سراح دفعة من الأسرى كبادرة حسن نية، ولكن بعد إتمام صفقة تبادل الأسرى مع "حماس"، وأخيراً ستسمح بدخول 62 سلعة جديدة من السلع المحظور دخولها الى قطاع غزة والتي يبلغ عددها الآلاف.

وإذا لم تبدأ المفاوضات فلا يكفي أن نردد أننا نريد تحديد مرجعية......الخ، بل لا بد من بلورة بديل عملي متكامل يستند الى مراجعة جريئة وعميقة للتجربة السابقة، واستخلاص الدروس والعبر ووضع استراتيجية جديدة تجمع ما بين المفاوضات المثمرة والمقاومة المثمرة، وإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني وتعطي الأولوية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية وإقامة شراكة وطنية حقيقية على أساس ديمقراطي من خلال إعادة تشكيل م.ت.ف بحيث تضم جميع القوى والقطاعات التي لا تزال خارجها، وتضع السلطة في مكانها الطبيعي في النظام السياسي الفلسطيني كأداة لمنظمة التحرير الفلسطينية ومرحلة على طريق إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.