البحث عن إستراتيجية عربية../د.جوني منصور

في خضم الجمود السياسي الذي يضرب الشرق الأوسط، يظهر أنه من المفيد خوض مراجعة ومحاسبة فعلية لما آلت إليه المنطقة. فالمنطقة مستهدفة منذ قرابة مائة عام على الأقل من قبل الحركة الاستعمارية الاوروبية والغربية عامة.

مقابل هذا الاستهداف حاولت وما تزال الشعوب في المنطقة مقاومة الاستعمار ومناهضة مشاريعه التوسعية والتفتيتية. إنما ما يحصل اليوم على أرض الواقع هو نجاح المشروع الاستعماري الغربي في تهجين قوي للنظام العربي الرسمي، وتحويله إلى أداة طيعة لتنفيذ مخططاته ورؤاه الحاضرة والمستقبلية.

كانت النكبة الفلسطينية في عام 1948 ضربة موجعة ومؤلمة للعرب عامة، وأداة إيقاظ بالغة الأهمية في تحريك العرب لفهم مطامع الغرب فيهم وفي أراضيهم. ولما نجحت الحركة القومية العربية من الانتشار قويًا في العالم العربي من محيطه إلى خليجه بفعل مؤثرات النكبة والطرح الناصري لتحرير الشعوب العربية الرازحة تحت الاستعمار، أدرك الغرب أن الحركة القومية العربية هي العقبة الكأداء أمام تحقيق مشاريعه التوسعية في المنطقة العربية، فبدأ نشاطه منذ الخمسينيات ولم يتوقف إلى اليوم في عملية تصفية المشروع القومي العربي وطروحاته، وترويج أن هذا المشروع غير مُجدٍ لحل مشاكل الأمة العربية، وأن القومية هي العقبة أمام تطور العرب وأمام اندماجهم في المشروع الحضاري العالمي الذي يطرحه الغرب. حتى بات الأمر أن العربة(في غالبيتهم) لا ينظرون إلى قوميتهم كمشروع مستقبلي.

بمعنى آخر، نجح الغزو الاستعماري الغربي من خلال أدواته الثقافية والإعلامية والسياسية والاقتصادية من إقصاء العرب عن مشروعهم القومي، والمشروع القومي العربي في أساسه هو تحريري من ربقة الاستعمار.

وجرّاء تخلي النظام العربي الرسمي وحتى قطاعات واسعة من المجتمعات العربية عن تبني المشروع القومي، أصبح من السهل الترويج لمشاريع أخرى تجعل من العرب أكثر خضوعًا للغرب، وتجعل العرب يقتنعون بخير الغرب. وأدّت هذه الحالة إلى عدم تكوين استراتيجية حاضرة لمواجهة المشروع الاستعماري الغربي، بل قبوله كما هو أو في الحد الأدنى المطالبة الكلامية بزواله أو التخفيف من حِدّة مكوناته.

وهكذا الحال بالنسبة لاسرائيل التي تدرس العالم العربي من عقليته وحتى حذائه، توصلت إلى طرح نفسها كحقيقة ثابتة ومن غير الممكن الضغط عليها لتنسحب من الأراضي الفلسطينية التي تحتل. فعلى سبيل المثال كيف يمكن الحديث عن تحرير الأراضي الفلسطينية من دون وجود حركة تحرير فعلية ميدانيًّا في الضفة الغربية المحتلة وتحت ظل حكومة فلسطينية ذات تخيل أنها تعمل من اجل التحرير.

هذه حالة غريبة للغاية وفريدة من نوعها في سجل تاريخ الحركة الاستعمارية وسجل الحركات التحررية. وهذا يعني عدم وجود استراتيجية للتعامل مع القائم على أرض الواقع، ونوع من الاستسلام للأمر الراهن والقبول به.

وهذا يقودني إلى ما قاله آبا ايبان وزير خارجية اسرائيل بعد حرب 1967: ”لو صوتت الجمعية العامة بأغلبية 121 إلى 1 لصالح رجوع اسرائيل إلى خطوط الهدنة، لرفضت اسرائيل الانصياع إلى ذلك القرار”، وأضاف „ لا يعتبر الانتصار العسكري مستقرًا ولا ناجحًا إلا إذا صدق عليه السلام. فالذي حدث في 1967 إنما حدث لأن اسرائيل أُجبرت على التخلي عن ثمار نصرها في حرب 1956، أما هذه المرة، فستكون ثمة خريطة جديدة لاسرائيل... وليست اسرائيل في حاجة إلى الاعتراف بها، فاسرائيل موجودة...”.

هذا الكلام يعكس استراتيجية اسرائيلية ما تزال قائمة إلى اليوم، فاسرائيل ليست بحاجة إلى أي اعتراف بحدودها ما دامت تحتل الأراضي العربية في الضفة والجولان ولبنان، وما دام العرب لا يحركون ساكنًا. التوجه العربي إلى مجلس الأمن وإلى الجمعية العمومية وإلى أي محفل دولي آخر منذ قرابة ستين عامًا، غير مُجدٍ بالمرّة، ولا ينم عن رؤية صحيحة لمستقبل المنطقة العربية.

إذًا، نجحت اسرائيل كمندوبة للمشروع الاستعماري الغربي في المنطقة في إقصاء العرب عن حركتهم القومية، وفي تفتيت المنطقة إلى دول، ثم إلى طوائف ومذاهب، ثم إلى عشائرة(كالعراق مثلاً)، وترك المنطقة ترزح تحت عبء الصراعات والفتن.

ونجحت اسرائيل في جر مصر والأردن إلى تسوية عقيمة بالنسبة لهذين القطرين العربيين، وبالتالي إلى إلزامهما بالتقيد بالاتفاقيات بينها وبينهم بحذافيرها، بينما تجيز لنفسها الاستمرار في خرق الشرعية الدولية وحقوق الشعوب والدول في المنطقة.

ألم يتبادر بعد إلى ذهن العرب عامة سؤال في منتهى البساطة: ماذا تريد اسرائيل من العرب؟ سؤال في غاية السخف ولكنه مهم. ستمنع اسرائيل أي محاولة لوحدة العرب، وستفرض أجندة تعمل على تمزيق شملهم، لأن أي وحدة عربية في المنطقة معناها نهاية المشروع الاستعماري الصهيوني وليد وربيب المشروع الاستعماري الغربي. وبالتالي الوحدة العربية ستؤدي حتمًا فيما لو حصلت، إلى تحرير العرب لثرواتهم ومقدراتهم من موارد طبيعية وبشرية وقدرات إنتاجية واستهلاكية كبيرة، وهذه الحالة ستؤدي حتمًا إلى انهيار اقتصادي للغرب.

ومقابل ذلك: ماذا يريد العرب من اسرائيل؟ التصريحات العلنية الصادرة عن النظام العربي الرسمي تشير إلى تعامل مع اسرائيل كدولة قائمة وموجودة في جغرافية المنطقة، وتدعو التصريحات إلى إحلال سلام عادل معها.

ولكن على أرض الواقع تغيب عن هذا النظام أي استراتيجية سياسية وعسكرية تجاه اسرائيل. يغيب عن النظام العربي الرسمي رؤية مستقبلية لاسرائيل ومصير المنطقة.

معنى ذلك، غياب استراتيجية عربية للتعامل مع اسرائيل في قضايا صغيرة أو في القضية المركزية. ترك النظام العربي مسألة معالجة القضية الفلسطينية للاتحاد الاوروبي وللإدارة الامريكية. وهذان الطرفان منحازان إلى صالح اسرائيل وبوضوح، وليس لصالح القضية التي يعتقد العرب أنها تُعرّف بـ „عادلة”.

إذًا، بات واضحًا أن اسرائيل لا تريد أي شكل من أشكال السلام إنما الاستسلام لمشروعها وما تراه مناسبًا لتثبيت وجودها. والنظام العربي الرسمي لا يريد سلامًا في الظروف الراهنة لأن فيه ما يمكن أن يُحدث تغييرًا في شكل ومضمون هذا النظام، فالأفضل إبقاء الحالة متوترة ومتشنجة والمراوحة في مكانها.

من الخاسر من هذا الوضع؟ باعتقادنا أن الخاسر الرئيسي وقد يكون الوحيد هم العرب، وبضمنهم الفلسطينيون أصحاب القضية، لأن عامل الزمن ليس لصالحهم، ولأن تحركهم السياسي هو ردة فعل دون فعل ومبادرة إلى الفعل.

ستعيد الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوروبية واسرائيل ترتيب أوراقها في المنطقة بعد انسحاب التحالف الغربي من العراق، تاركةً هذا القطر العربي يرزح تحت أنة الألم والتمزق، وتعيد تشكيل دول وكيانات في الشرق الأوسط، وسط إحداث تعديلات على الخارطة البشرية ـ السكانية (الديموغرافية) والجغرافية.

هذه استراتيجية متقدمة في مفهوم التعامل مع المنطقة، يتوجب على العرب دراستها وفهم مكنوناتها، والمبادرة إلى توقيفها والسعي إلى ترجمة المشروع التحرري القومي على ارض الواقع، لأنه بدون المشروع القومي سيبقى العرب يتعاملون مع قضاياهم بصورة تجزيئية استنادًا إلى ما يراه الغرب واسرائيل ويتجاوب مع رؤيتهم.

لهذا، نرى في ظل الظروف الراهنة أنه من الضروري على العرب كشعوب أولاًّ إعادة قراءة الساحة السياسية في المنطقة العربية، وفهم حقيقة واحدة لا غير، انه بدون استراتيجية عربية مبنية على مشروع قومي لن تقوم قائمة لحركة تحررية عربية تتخلص من الاستعمار الغربي بكافة أشكاله، وكذلك من الأنظمة العربية الرجعية التي تشكل حاجزًا أمام تحقيق هذه الغاية. واختصارًا للكلام، على العرب أخذ قضاياهم بيدهم ومعالجتها بأنفسهم ليحققوا وجودهم ويثبتوه عميقا في أرض المنطقة.