متى تصبح "إسرائيل دولة"؟!../ علي جرادات

خطر في بالي سؤال العنوان أعلاه وأنا أستمع بإصغاء إلى فحوى المؤتمر الصحافي الذي عقده أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله، وقدم فيه مجموعة من المعطيات والقرائن تزكي طرح فرضية أن تكون إسرائيل هي من وقف خلف جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وينطوي السؤال على معانٍ عدة، أعني منها: متى يكف التعامل مع إسرائيل كدولة فوق القانون الدولي ومقتضياته؟؟!! أي متى تصبح دولة تحت القانون كأي دولة في العالم؟؟!!

لو كانت إسرائيل دولة كأي دولة في العالم تحت القانون، وليس فوقه، لما احتاج إلى جدل أمر أخذ ما طرحه أمين عام حزب الله من معطيات على محمل الجد، باعتبارها قرائن، هي وإن كانت لا ترتقي إلى مستوى الدلائل، كما وصفها السيد نصر الله نفسه، إلا أنها أكثر من كافية لاتخاذها مُسَوّغاً لاشتمال إسرائيل في قائمة الواجب التحقيق معهم في جريمة اغتيال الشهيد الحريري، كجريمة اغتيال سياسي كبيرة كان لها كبير التداعيات والتبعات والنتائج الكارثية على المنطقة عموما، وعلى حالة السلم الأهلي اللبناني تحديداً. بل وينذر تجاهل إسرائيل من التحقيق، واعتبارها خارج اللعبة بإشعال نار فتنة داخلية لن يقتصر خطر إشعالها على لبنان وحده.

إن إدراج إسرائيل في قائمة المتهمين في جريمة اغتيال الحريري وغيرها من جرائم الاغتيالات السياسية في لبنان، كان يجب أن يرد منذ البداية، أي حتى قبل ما ساقه السيد نصر الله من قرائن، على الأقل كفرضية محتملة، لا يمكن أن يقفز عنها عاقل لديه الحد الأدنى من عمق البصيرة السياسية في التعامل مع الملف اللبناني الذي يحمل ما يصعب حصره من التعقيدات والتشابكات المحلية والإقليمية والدولية. فكيف الحال بعد ما كشفه حزب الله من قرائن، قال السيد نصر الله: إنها ليست كل ما لدى الحزب من معطيات وقرائن، واعداً بالكشف عن المزيد منها لاحقا، في حال جرى التعامل الجدي مع ما جرى الكشف عنه حتى الآن، ومبديا استعداده لتزويد الحكومة اللبنانية وأجهزتها بكل ما لديه من معطيات وقرائن، حتى لو اقتضى ذلك الكشف عن المزيد من أسرار المقاومة، الكشف الذي يشكل تضحية غير عادية في عالم الصراع بين حركات التحرر وأعدائها عموماً، فكيف الحال إن كان العدو من الطراز الإسرائيلي صاحب التفوق الإستراتيجي في المجال التكنولوجي العسكري والأمني؟؟!!

والسؤال، ترى ما مصير ما قدمه، وما وعد بتقديمه، حزب الله من قرائن ومعطيات تؤشر على احتمال وقوف إسرائيل خلف جريمة اغتيال الحريري؟؟؟ هل سيجد طرح حزب الله إرادة وطنية لبنانية وقومية عربية وتحررية كونية، تتبناه وتدفعه إلى الأمام، على الأقل كفرضية محتملة؟؟!!

إن تجاهل هذه الفرضية يعني فيما يعني استمرار التعامل مع إسرائيل كدولة فوق القانون، أي مواصلة تعاملها، وتعامل الآخرين معها، خارج ما يحكم نشوء الدول وصيرورتها من قوانين دولية.

فإسرائيل، منذ نشأتها قبل إثنين وستين عاما، وحتى يومنا هذا، انتهجت التعامل مع نفسها كدولة فوق القانون الدولي، ما جعلها دولة مارقة لم تلتزم بأية قرارات دولية صدرت بحقها، ناهيك عن تنفيذها أو الانصياع لها، بل وحولت هذا السلوك الاستعلائي المارق إلى نهج دائم، ساعدها في ذلك عوامل عدة، لعل أهمها:

أولاً: كفالة هذا السلوك المارق ورعايته وحمايته والتغطية عليه على يد قوى دولية عظمى متجبرة ذات ارتباطات مصلحية إستراتيجية مع إسرائيل، يقع في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. وقد جاء انهيار نظام ثنائية القطبية، وحلول نظام القطب الأمريكي الواحد المهيمن على السياسة الدولية ومؤسساتها ليزيد الكفالة الأمريكية للسلوك الإسرائيلي المارق سفورا على سفور، إلى درجة أن تفلت إسرائيل، ويفلت قادتها، من تبعات ومترتبات ارتكاب جرائم حرب موصوفة لا تحتاج إلى شرح، وقائمة الجرائم أطول من أن تحصى، ففي آخر عشر سنوات، (على الأقل)، أفلتت إسرائيل عبر الرعاية الأمريكية من مترتبات جرائم حرب مفضوحة، بدءا بسلسلة اغتيالات معلنة لنشطاء وقادة سياسيين فلسطينيين، ناهيك عن مجزرة مخيم جنين وتسميم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، عرجا على ما ارتكبه الجيش الإسرائيلي من مجازر ومذابح ضد المدنيين في لبنان في عدوان عام 2006، مروراً بفظاعات ما وقع لغزة وسكانها المدنيين من حرق ومجازر ومذابح في عدوان نهاية عام 2008، وإنتهاء باغتيال مغنية والمبحوح ومجزرة سفينة مرمرة التركية.

ثانياً: امتلاك إسرائيل لقوة عسكرية باغية، لم يعد سراً اشتمالها على مخلب نووي خارج الرقابة دولية، ما جعلها بمثابة "نزازة" حرب واعتداء وإرهاب، ما أن تفرغ من حرب حتى تشرع بالإعداد لأخرى. ولا نعتقد أن هنالك دولة في العصر الحديث شنت حروبا بمقدار ما قامت به إسرائيل، ذلك رغم قصر عمرها البالغ إثنين وستين عاماً. وهنالك دلالة في مقولات: خريطة حدود إسرائيل ترسمها أقدام جنودها، والجيش الإسرائيلي جيش يقود دولة وليس العكس.

ثالثاً: العجز الرسمي العربي عن المتابعة المثابرة الجادة والجريئة، عبر استخدام كامل أوراق القوة المملوكة، لإجبار العالم على إلزام إسرائيل بتنفيذ ما صدر بحقها من قرارات دولية تدينها وتجرمها وتدعوها إلى الانصياع إلى إرادة الشرعية الدولية وقرارات مؤسساتها، هذا رغم أن عدالة القضية الفلسطينية قادت في مرحلة سابقة إلى اتخاذ قرار دولي يساوي بين العنصرية والصهيونية، القرار الذي جرى الإنثناء عليه بعد هيمنة الولايات المتحدة كقطب أوحد على السياسة الدولية ومؤسساتها.

واليوم، كأن مصير قرائن حزب الله ضد إسرائيل، هو ذاته مصير أن تصبح إسرائيل دولة كأية دولة، ولعل هذا وذاك رهن بتوفر إرادة وطنية لبنانية وقومية عربية، تجعل من هذه القرائن قضية رأي عام دولي، تحت عنوان سؤال مشروع يقول: متى تصبح إسرائيل دولة كباقي دول العالم؟؟!!

وهذا السؤال الكبير بمقدار ما هو موجه لإسرائيل نفسها، فإنه موجه للولايات المتحدة الأمريكية ومَن يدور في فلكها من قوى دولية وإقليمية، ستقف حتما ضد فرضية حزب الله في اغتيال الحريري، ذلك لاعتبارات ومصالح ودوافع سياسية معروفة، طالما حمت إسرائيل ومكنتها من الإفلات من عواقب جرائمها، ومنعت التعامل معها كدولة تحت القانون الدولي. لكن الموقف الرسمي العربي عموماً، واللبناني خصوصا، هو ما سيقرر مصير ما قدمه حزب الله من قرائن ضد إسرائيل. فهل سيرفع العرب هذه المرة سقف موقفهم في مواجهة الموقف الأمريكي، بما يتيح فرصة جدية للتوصل إلى الجاني الحقيقي في قضية اغتيال الحريري، وبما يجنب لبنان ما يحاك ضده من فتنة داخلية، هي على وشك الاشتعال، وإن هي اشتعلت، فإن لهيبها سيتجاوز حدود لبنان.