التأكد من مواجهة الظن../ الفضل شلق

الظن إثم. التأكد إثم أكبر. الظن المطلق إثم مطلق، لأنّه يلغي إمكانية المعرفة البشرية. التأكد المطلق جريمة كبرى لأنّه يُلغي السياسة إلغاءً مطلقاً. من دون السياسة، من دون إمكانية التسوية بين البشر، لا يمكن التسوية؛ من دون التسوية لا يمكن أن تعيش البشرية سوية في أي مجتمع من المجتمعات.

لكل بشري وجهة نظر، عندما يؤمن البشري، كل بشري أن وجهة نظره هي الصحيحة، هي الحقيقة، عندما يكون متأكداً من وجهة نظره، لا يهمه الحقائق الموضوعية، كل ما يهمه هو أن يستخدم الحقائق الموضوعية؛ وما يحدث خارج الذات، لتدعيم وجهات نظره، وهي افكار داخل الذات. مع التأكد المطلق تنفصل الذات عن الموضوع، تدور الذات حول نفسها. لا يبقى من الموضوع، من الحقائق الخارجية، سوى أشباح مهمتها تأكيد أفكارنا المولودة فينا أصلاً، والمحصورة فينا، في ذاتنا.

في الظن تتنافس الأفكار فيما بينها، تتنافس حول الموضوع؛ الموضوع خارج الذات أو داخلها يوجد باستقلال عن الذات. في التأكد، الموضوع الخارجي والداخلي لا يوجد إلا في الذات، أو كانعكاس للذات. السؤال هو مما تتشكل الذات.

الجواب هو ما يفترض أنّه «نحن» أنّه «أنا»؛ تتكوّن النحن والأنا بموازاة بعضهما، تذوب الأنا في الذات. يفقد الفرد فرديته، يفقد الانسان انسانيته، هناك فقط هويَة هي «الأنا» و«النحن»، هوية تُملى علينا وُتْفَرضُ علينا من القوى الإجتماعية السائدة. لسنا نعيش في فراغ، لا تتكون الهوية من لا شيء، هناك من يشكّلها ويكونها. عندما نتبع الهوية، فإننا نتبع القوى الإجتماعية، نظام المجتمع، الذي شكّل هذه الهوية. لا تتكوّن الهوية إلا بالتأكد من شيء ما نعتبره جوهرنا وحقيقتنا. نغفل عن أنَ حقيقتنا وجوهرنا هما وجودنا وما ينتج عنه من رغبات وحاجات، تُلبى أو نحرم منها؛ وأنَ الصراع حول هول هذه الرغبات والحاجات هو الصراع الذي يكوّن الهوية على مدى التاريخ، وهو الذي يقرر من «نحن» وهذه النحن تقرر من أنا. أصبح «أنا» أداة لـ«نحن» شكلها نظام للأشياء والبشرية، أصبح خادماً لأهداف يضعها غيري. ألغي نفسي كوجود بشري مستقل.

لا أستعيد نفسي، فرديتي، إلا بالظن، بالظن ينسلخ الكائن البشري عن القطيع، لا يستعيد المجتمع سويته إلا بالظن. أي عندما يعاد تشكيله من أفراد لكل منهم رأي في ما يحدث، ولكل منهم رأي في هويته وهوية الآخرين. مع الظن أكون على استعداد للتخلي عن بعض ما أعتقد، عن بعض ما أنا متأكد منه، في سبيل أن ألتقي مع الآخرين (الذين يكونون بدورهم تخلوا عن بعض ما هم متأكدون منه)، وفي سبيل أن نعيش سوية، وفي سبيل أن نشكل مجتمعاً.

بالمقابل، إذا تشبَث كل منَا بما يعتقد، وإذا اعتقد كل فريق بأنَ ما يعتقد هو السبيل الوحيد للحقيقة والتأكّد، فإنّ الحقيقة تأسره ولا يستطيع إلا أن يدافع عنها، لكن طريق المجتمع تنفصل إلى طريقين لفريقين لكل منهما حقيقته وما هو متأكد منه. تنفصل الطريقان، ربما تتصادمان، الصدام حرب أهلية، حرب بين معتقدين مطلقين.

مع انتفاء الظن، مع زوال الشك، بأفكارنا، أو ببعضها على الأقل، تنتفي السياسة وتُلغى. السياسة ممكنة فقط حين يعتقد كل منَا بنسبيَة أفكاره، بأنَ بعض هذه الأفكار غير صحيح، وبإمكانيَة أن أتنازل عن ما هو غير صحيح من أفكاري الصحيحة، في سبيل أن ألتقي مع الطرف الآخر بعد أن يطرح هو أيضاً غير المؤكد والمشكوك فيه من أفكاره.

لا تتحقق السياسة إلا بالتسوية، ولا تكون التسوية ممكنة إلا بالتنازل طوعاً عن بعض أفكارنا كي تلتقي بعض أفكارنا مع بعض أفكار الغير. بالسياسة يعيش الناس سوية؛ بالسياسة، وبالاعتراف بنسبية الأفكار والمعتقدات الدينية وكل المعرفة البشرية، يصير ممكنا الالتقاء في الساحة العامة، ساحة الحوار والتسويات والتسامح وتبادل الأفكار. ليس التسامح ممكنا مع الاعتقاد اعتقاداً تأكيدياً بأفكاري. التسامح ضروري في كل مجتمع. هو ليس فقط السماح للآخرين بإبداء آرائهم وممارسة طقوسهم، هو أيضاً الاعتراف ببعض ما فيها، بصحة بعض ما فيها.

ليس مشكلة تعدد الأديان والمذاهب والطقوس في مجتمع. هناك مجتمعات تعددية لكنها صارت بوتقة صهر واندماج اجتماعي بفضل التسامح والظن والاعتراف للغير بصحة بعض ما في أفكاره والاعتراف أمام الذات بخطر وخطأ بعض أفكارها. لا تحقق المجتمعات تقدّماً في سبيل التوحد الاجتماعي دون الاعتراف بنسبية المعرفة البشرية في مواجهة ادعاء القبض على الحقيقة، الاعتراف بالظن في مواجهة التأكد.

الأرجح أنَ اللغة تلعب دورها بين الظن والتأكد. العامية لغة محلية تعبّر عن ثقافة محلية. هي أقرب إلى وعي محلي وإلى عقل مستريح له أفكار متأكّد منها. بالفصحى يضطر كلّ إنسان إلى أن يفكر وأن يعرب وأن يكون بليغاً، يضطر إلى الاعتراف بنسبية المعرفة البشرية، والى اعتبار الفصحى بوتقة صهر، وإلى الاعتراف بضرورة التنوع من أجل احتواء الاختلافات المحلية. لا تضطر اللغة المحلية إلى الحفاظ على التنوع، تنغلق على نفسها. وتنغلق جماعتها على نفسها فكرياً وإيديولوجياً. وما محاولة التخلي عن الفصحى إلا جزء من برنامج تفتيت اللغة العربية، وبالتالي الإمعان في تفتيت الوطن العربي لغوياً وأيديولوجياً. لا يغيب عن البال أنّ لكل لهجة عامية إمكانية، إمكانية اكتساب إثنية منفصلة وبالتالي انشاء مصالح سياسية انفصالية. أحد المعوقات في وجه ذلك هو شيوع اللغة الفصحى، لغة القرآن، وذلك يبدو متناقضاً مع حقيقة أن الأيديولوجيات الدينية المرتبطة بالقرآن، بلغة القرآن، هي غالباً ما تتعلق بالمؤكَد وتعمل على الدعاية له وتوسيع إطاره، وتلغى من إمكانية الاستفادة من الفصحى، كلغة القرآن، لنشر المعايشة المؤسسة عن الظن والنسبية المعرفية.

تُحيل البلدان المتقدمة الجريمة إلى القضاء. تهتم كثيرا باستقلالية القضاء الذي يفترض أنه يعبر عن حقائق عامة عليا أكيدة، وأنه يطبّقها على الحالات التي تعرض عليه. في كل الحالات المعروضة عليه يتوجب على المدعين البرهان على ادعاءاتهم ويتوجب عليهم تقديم الأدلة بما لا يدع مجالاً للشك، بما يتجاوز الشك والظن.

يشكل القضاء عندهم جزءاً من الحياة السياسية، لكن كل مجالات الحياة الأخرى تخضع للسياسة، للعمل بالظن وانطلاقاً منه. يكفي ما تقدمه وسائل الإعلام من الإيماءات لتكوين ظنون أو أقل من ظنون لدى المنتخبين كي يصوِّتوا بحسبها. نادراً ما يجري التصويت حسب مناقشة صارخة لقضايا كبرى بالتفصيل. يعتمد الإعلام ووسائل الدعاية على الإيماء وتشكيل الإنطباعات، لا على النقاش التفصيلي للقضايا.

تتداول الأحزاب السلطة حسب تحولات الانطباعات لدى الناخبين. وهذه بدورها تتحول حسب البرامج المعدّة لذلك، والبرامج تتغير حسب إمكانات التمويل. انتخابات حرة، لكن النتائج تقرر في وسائل الإعلام ومراكز الاستراتيجيات قبل ولوج غرف الاقتراع. تتغير الانطباعات بسرعة لدى الناس، وتتغير أسماء الأحزاب الناجحة بسرعة.

تتحاور الاحزاب عندنا لكن لا تعترف لغيرها بحق الاختلاف، لا تعترف بالاختلاف. وجود الآخرين منة منها. لذلك تحصل عندنا بعد كل انتخابات مشكلة في تشكيل الحكومة، وأمام كل قضية كبرى أزمة اختلاف في الآراء المؤكدة حول حل الأزمة. ولا أحد يسأل قل لي لعمرك ما الصحيح.
"السفير"