في فلسفة الإنحطاط الأمريكي والغربي../ ظافر الخطيب*

ثبات السلوك الأمريكي الوقح على وقاحته في التعامل مع القضايا و الأوضاع التي تعيشها المنطقة هو أمر يجب وبالضرورة أن يتوقف و نهائياً، وعلى كل من يهمه الأمر أن يجعل من ضبط إيقاع الموقف والسلوك الأمريكي تجاه المنطقة جزءًا من أمر اليوم، وبأي وسيلة متاحة و ممكنة، ذلك انه قد طفح الكيل و زاد على طفحه أنه لم يعد يستطيع اعتماد فقه الأنظمة في التعامل مع قلة الأدب الأمريكية.

وآخر أنماط هذا السلوك الوقح، جاء من خلال تجميد المساعدات التي تقدمها الإدارة الأمريكية للجيش اللبناني والتي هي عبارة عن مئة مليون دولار، و ذلك كنتيجة للاشتباك الذي خاضته وحدات من الجيش اللبناني مع قوات الاحتلال الصهيونية في العديسة والتي سقط من جرائها شهداء للجيش اللبناني و شهيد من جريدة الأخبار، بالإضافة إلى سقوط ضابط صهيوني وآخر جريح.

وفلسفة القرار الأمريكي معروفة، فهي تنطلق من المصالح الأمريكية والارتباط العضوي بين هذه المصالح وبين أمن ومصلحة دولة الكيان الصهيوني، وهو ارتباط يكمن في جوهر المصالح الامبريالية في المنطقة، لطالما عبرت عنه في كل سياسات الإدارة الأمريكية، وأكثر من ذلك كانت حريصة في اعتباره واحداً من الأسس الأساسية في استراتيجياتها، ويمكن أن نرى شواهد ذلك من خلال سياسة التسليح والدعم العسكري التي تعتمدها مع الكثير من الدول.

فعلى سبيل المثال كانت إحدى نتائج اتفاقيات كامب ديفيد، إعادة هيكلة الجيش المصري، وبناءً عليه تحول الجيش المصري من الاعتماد على السلاح السوفييتي إلى الاعتماد الكلي على السلاح الأمريكي وبمواصفات دفاعية، دون أن نغفل التغيير في العقيدة العسكرية التي تعتبر الأساس في بناء الجيوش، ويمكن أن نرصد مواقف مشابهة لجهة تزويد الجيوش الخليجية بالسلاح، حيث ممنوع التزود بسلاح يمكن أن يعتبر خطراً أو يشكل تهديداً لآمن ومصلحة دولة الكيان الصهيوني (إسرائيل).

هذه الثابتة في السلوك العملاني كما في الذهنية الأمريكية والغربية يمكن التعرف عليها كمنهج دائم لطالما وسم السياسات والاستراتيجيات الغربية وفي القلب منها الأمريكية، من هنا فإن السلوك الأمريكي تجاه الجيش اللبناني ليس جديدا، بالعكس من ذلك سنجد اشتراطات أمريكية تحدد الكيفية التي يجب استخدام السلاح الأمريكي كشرط من اجل استمرار المساعدات ليس للجيش اللبناني، بل أي جيش في المنطقة، من غير المقبول أن يقتل الجند الصهيوني برصاص أمريكي.

يمكن هنا أن ندع للأرقام أن تتعامل مع نفسها باحترام أكثر،، فالإدارة الأمريكية تقدم مساعدات سنوية تقدر بمليارين ونصف المليار دولار لدولة الكيان الصهيوني، يصنف أكثر من تسعين بالمائة منها كمساعدات عسكرية، أي أكثر بمائتين وخمسين مرة من المساعدات الممنوحة للجيش اللبناني، مع الفارق انه إذا كان الجيش اللبناني لم يستخدمها في عمليات عسكرية موجهة للكيان الصهيوني، فإن معظم الأسلحة الأمريكية استخدمت في الحروب التي خاضها جيش الاحتلال الصهيوني، ويكفي هنا أن نستعرض أنواع الطائرات الحربية ا لإسرائيلية والتي تعتبر العنصر الأهم في التفوق الحاصل.

و يتبجح الغرب في التركيز على مفاهيم السلام والاستقرار من أجل سعادة البشرية، لكن هذا التبجح يترجم في تزخيم الدعم العسكري من اجل ضمان التفوق الصهيوني الذي يُسّيل بدوره بالكثير من الحروب التي أنتجت وما زالت تنتج أعدادا كبيرة من الضحايا، وعليه يمكن اعتبار السلاح المصنع في الغرب هو مادة وأداة الإرهاب، وعليه يكون السؤال، هل يمكن محاكمة الغرب وأنظمته بتهمة دعم الجريمة المنظمة التي تعبر عن نفسها من خلال الحروب التي تشن على المنطقة وشعوبها و بمسميات مختلفة؟ هل يمكن استخدام منطق النتيجة كأرضية لقرار ظني يتهم الكيان الصهيوني وداعميه بالمجازر المرتبكة بحق شعوب المنطقة؟

هذا الأمر ينطبق أيضاً على الكثير من دول الغرب الأوروبي، والتي تخدع شعوبها بكثرة استخدام القيم والمفاهيم الأخلاقية والإنسانية، في حين أنها تمارس التغطية على القتل وارتكاب المجازر، يمكن هنا أن نستخدم السلوك الألماني كنموذج، كما يمكن هنا أن نتحدث عن المصداقية التي تؤكد أو تنفي هذه المفاهيم عن مستخدميها، فالدبابة الرئيسية المستخدمة في الحروب التي تشن على شعوب المنطقة هي دبابات الميركافا، التي تقدم على أساس أنها مفخرة الصناعية العسكرية الصهيونية، والتي ما زالت تستخدم المحركات الألمانية وعلبة التروس الألمانية الصنع، فهل يمكن أن نحمل ألمانيا مثلا مسؤولية الآلاف من الضحايا الذين سقطوا جراء الهجمات التي شنتها هذه الدبابات، أكثر من ذلك يؤكد الرسميون الألمان هذه الحقيقة، و يعبرون دائما عن إحساسهم بالفخر للمساعدة القيمة التي يقدمونها، وهو ما ينزع المصداقية عن أي أخلاقيات تدعيها.

ولم تكتف الحكومات الألمانية بذلك، بل عملت على دعم عملية شراء غواصات دولفين، من خلال تقديم ثلثي الثمن كمنحة للحكومة الصهيونية والتي من خلالها تمكنت البحرية من التزود بثلاث غواصات قادرة على حمل صواريخ تكتيكية واستراتيجية، ويجري العمل على صناعة غواصتين إضافيتين ستزود بهما البحرية الصهيونية في العام 2012، وهو ما سيمكنها من القدرة على القيام بعمليات عسكرية بعيدة المدى، هذا يعني حكماً المزيد من التمكين لحكومات صهيونية متعاقبة تمتهن خوض الحروب و ممارسة الاعتداءات على شعوب المنطقة.

لا يكفي أن ننظر للمسالة من الزاوية الأخلاقية التي تؤكد سقوط مصداقية الغرب بشكل عام، بل يجب النظر إليها من زاوية مادية و قانونية. فعلى المستوى المادي فإن هذه الأسلحة استخدمت كأساس في ممارسة عملية إرهابية متواصلة و ممتدة على مدار عقود من الزمن منذ نشأة هذا الكيان وحتى وقتنا الحالي، وهي مرشحة للاستمرار في ممارسة هذا الإرهاب على شعوب المنطقة في المستقبل المنظور والبعيد، وبناء عليه فإن الحديث عن الأمن والاستقرار كما الحديث عن حقوق الإنسان والسلام هو حديث مجرد من أي مصداقية.

أما على المستوى القانوني، فإن ما يحصل يعتبر خرق للقانون الدولي والإنساني، والمعيار القانوني هنا يجب أن يتحدد من خلال النتيجة المفضية، والتي تتأسس على أن السلاح المستخدم في ارتكاب الجريمة الإنسانية هو سلاح سياسي، جرى تقديمه بقرار دولة مع علم نظام هذه الدولة انه سيستخدم بطريقة تشكل تهديداً للإنسانية جمعاء، وهو ما يعني هنا توفر عنصر فعل العمد والإصرار في عمليات القتل وارتكاب المجازر.

لهم فلسفتهم، يدركون بها قضاياهم، التي تغلف بأدبيات إنسانية، لكن عمقها كان دائما وعلى مدار الساعة هي مصالحهم، مهما حاولوا رشوة وخداع شعوبهم، ولكن ماذا عن فلسفتنا، هل تكون لنا فلسفتنا التي تستند إلى مصالح ومشاعر شعوبنا، التي طال بها الظلم والاستبداد؟ وإن كانت الأنظمة تعجز عن أن تكون لها فلسفتها، فهل هناك من قوى حية تضع النقاط فوق حروفها فتكون لأبجديتنا اليد العليا.